تفسير الآية ” وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ.. ” / مع د. زغلول النجار

تفسير الآية ” وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ.. ” / مع د. زغلول النجار

 

قال تعالى:” وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ” (الحج‏:65).
هذا النص القرآني المعجز جاء في الربع الأخير من سورة الحج‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وعدد آياتها‏78‏ بعد البسملة‏,‏ وهي السورة الوحيدة من سور القرآن الكريم التي جمعت بين سجدتين من سجدات التلاوة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الأمر الإلهي فيها إلى نبي الله إبراهيم‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ أن يؤذن في الناس بالحج‏ .

المحور الرئيسي للسورة:
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من العقائد والتشريعات الإسلامية التي منها :-
أولاً ‏:‏ في مجال العقائد ‏:‏
‏(1)‏ الإيمان بالله ـ‏ تعالى‏ ـ ربا‏ًً,‏ خالقاً‏,‏ واحداً ،‏ بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع‏,‏ وأن هذا الإله الخالق هو الحق‏,‏ وهو القوي العزيز‏,‏ وأنه‏ ـ تعالى‏ ـ‏ مالك الملك‏,‏ وأنه هو السميع‏,‏ العليم‏,‏ البصير‏,‏ الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏,‏ ويفعل ما يشاء‏,‏ وهو على كل شيء شهيد‏,‏ وأنه‏ ـ‏ تعالى ـ يدافع عن الذين آمنوا‏,‏ ويهديهم إلى صراط مستقيم‏,‏ وقد أخذ على ذاته العليَّة العهد بنصرة من ينصره‏,‏ وأن من يُهِن اللهُ فما له من مُكرِم‏,‏ وأن له‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ يسجد له كل من في السموات والأرض‏,‏ وأن إليه ترجع الأمور‏,‏وأنه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ يفصل بين أصحاب الملل المختلفة يوم القيامة‏
‏(2)‏ الإيمان بملائكة الله، وكتبه، ورسله‏,‏ وبخاتم الأنبياء والمرسلين، وبالكتاب الخاتم الذي أنزل إليه ـ‏ القرآن الكريم ـ وبأن الله‏ ـ تعالى ـ‏ يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس ‏.‏
‏(3)‏ تقوى الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ ومخافته‏,‏ والاعتصام به‏,‏ وتعظيم شعائره، وأولها المسجد الحرام الذي وصفه الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى_ بقوله: “مَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم‏ٍ “‏ (‏ الحج‏:25)‏ .
‏(4)‏ الإيمان بالبعث وبالحساب، وبالجنة وبالنار ‏.‏
‏(5)‏ عدم المجادلة في الأمور الغيبية غيبة مطلقة‏,‏ وعدم اتباع خطوات الشيطان‏,‏ وتحريم كلٍ من الشرك بكل صوره‏,‏ وعبادة الأوثان‏,‏ وقول الزور والعمل به ‏.

ثانياً‏:‏ في مجال العبادات‏ :‏
(1)‏ الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة .
‏(2)‏ الأمر بالحج إلى بيت الله لكل من استطاع إليه سبيلاً ‏.‏‏(3)‏ الأمر إلى كل قادر بالجهاد في سبيل الله دفعاً للظلم‏ .‏
‏(4)‏ التواصي بفعل الخيرات، ومنها الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ‏.‏
‏(5)‏ الأمر بالصبر في كل الحالات ‏.‏
ويصاحب هذه التكاليف وعد من الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ بالنصر للمجاهدين في سبيله‏,‏ وبالتمكين للمؤمنين به الذين ينهضون لرد كل عدوان غاشم على المسلمين وعلى غيرهم من خلق الله المسالمين‏,‏ مع تأكيد أن قوة الله لا تحدها حدود‏,‏ وأن قوى البشر هزيلة‏,‏ محدودة بحدود الضعف البشري مهما بلغت‏ .
وتستشهد السورة الكريمة على ذلك بمصارع الغابرين من الكفار والمشركين والظالمين‏,‏ وبتأكيد أن ذلك من سنن الله في خلقه‏,‏ وسنن الله نافذة‏,‏ لا تتوقف، ولا تتبدل، ولا تتخلف ‏.‏
وتبدأ سورة الحج بدعوة الناس جميعاً إلى تقوى الله‏,‏ وبتحذيرهم من أهوال الآخرة‏,‏ وبوصف جانب من تلك الأهوال‏,‏ مؤكدة حقيقة البعث، ومستشهدة على ذلك بخلق الإنسان‏,‏ ومحذرة من متابعة الشيطان الذي يضل أتباعه، ويقودهم إلى النار‏,‏ ومركزة على توحيد الله‏,‏ وإنكار الشرك به .‏
وتفيض السورة الكريمة بوصف عدد من مشاهد الآخرة‏,‏ وما فيها من نجاة للمؤمنين‏,‏ وهلاك للكافرين والمشركين والظالمين‏,‏ وتعرض للعديد من الأدلة الكونية المثبتة لطلاقة القدرة الإلهية‏ .‏
وتنتقل السورة إلى الحديث عمن يضلهم الشيطان، فيجادلون في الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير‏,‏ وهؤلاء لهم في الدنيا خزي‏,‏ ولهم في الآخرة عذاب شديد‏ .‏
وتضرب سورة الحج مثالاً للبعث من تراب‏ :‏ خلق الإنسان من تراب‏ مروراً بمراحل الجنين المتعاقبة حتى خروجه إلى الحياة طفلا‏ًً,‏ ثم بلوغه أشدَّه‏,‏ وحياته كما أرادها له الله‏,‏ وليس له من بعد ذلك إلا الموت ‏.‏
وتشبِّه السورة الكريمة خلق الإنسان من تراب بخلق النبات من تراب بعد إنزال الماء من السماء على الأرض الهامدة، فتهتز وتربو إلى أعلى حتى تنشق، فتفسح طريقاً سهلاً للسويقة المندفعة من البذرة النابتة، فتخرج بقدرة الله في زوجية بهيجة‏,‏ وكذلك يكون إحياء الموتى بقدرة الله‏ .‏
وتشير سورة الحج إلى أن من الناس من يعبد الله‏ ـ‏ تعالى ـ طمعاً في كريم عطائه فقط‏, ‏ فإن أصابه خير اطمأن به‏,‏ وإن ابتلي بفتنة انقلب على عقبيه، فخسر الدنيا والآخرة‏,‏ وهذا هو الخسران المبين‏ .‏ وحذَّرت السورة الكريمة من الشرك بالله‏,‏ ووصفته بالضلال البعيد‏,‏ وأكدت عجز الشركاء المزعومين عن نفع أو ضر من أشركوا بهم‏,‏ وأثبتت أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ قد أنزل القرآن الكريم آيات بينات‏,‏ وأنه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ يهدي إليه من يريد‏,‏ وفوَّضت إلى الله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ أمر الفصل بين أصحاب الملل والنحل المختلفة يومَ القيامة‏,‏ مؤكدة أن جميع من في هذا الوجود يسجد لله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ في عبودية كاملة‏,‏ وخضوع تام، يمثلان قمة التكريم للمخلوقات؛ لأن من يُعرض عن ذلك من أصحاب الإرادة الحرة فليس له من مُكرِم‏,‏ وميَّزت السورة بين نعيم المؤمنين يومَ القيامة وعذاب الكافرين ‏.‏ وأشارت سورة الحج إلى أن من صور الكفر بالله‏ :‏ الصد عن سبيله‏ وعن المسجد الحرام‏,‏ والظلم والإلحاد فيه‏,‏ وإلى أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ قد هدى إبراهيم ـ عليه السلام ـ إلى التوحيد الخالص‏,‏ وإلى مكان البيت الحرام‏,‏ وأمره برفع قواعده‏,‏ وإعادة بنائه‏,‏ والعمل على تطهيره للطائفين والقائمين والرُكِّع السجود‏,‏ و أن يؤذَّن في الناس بالحج يأتوه من كل فج عميق‏,‏ وشرعت بذلك فريضة الحج وما فيها من تعظيم لشعائر الله‏,‏ وأكدت تعظيم حرمات الله‏,‏ وأمرت بالحلال من الطعام‏,‏ وباجتناب الرجس من الأوثان‏,‏ واجتناب قول الزور‏,‏ وأكدت أن أمثال هذا النسك كان قد شُرِعَ للأمم من قبل؛ شكراً لله‏ ـ تعالى‏ ـ على فضله‏ .

وتكرر سورة الحج تأكيد وحدانية الله‏,‏ و طلاقة قدرته‏,‏ ووجوب الخضوع الكامل لجلاله بالإسلام له‏,‏ وتأمر خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ‏ أن يبشر بخيري الدنيا والآخرة الذين تخشع قلوبهم بذكر الله‏,‏ والصابرين على قضائه‏,‏ والذين يقيمون الصلاة‏,‏ وينفقون مما رزقهم الله‏,‏ وتؤكد دفاع الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ عن المؤمنين‏,‏ وأنه‏ ـ‏ سبحانه ـ‏ لا يحب كل خوان كفور ‏.‏ ويتكرر في سورة الحج الإذن بالقتال الدفاعي للذين ظُلِمُوا وأُخْرِجُوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله‏، كما حدث ـ ولا يزال يحدث ـ مع إخواننا أهل فلسطين الذين أُخرِجُوا من ديارهم وأرضهم وممتلكاتهم بمؤامرة دولية قذرة، اشتركت فيها كل قوى الشر في العالم بقيادة بريطانيا في النصف الأول من القرن العشرين‏,‏ وبخلافة الولايات المتحدة الأمريكية لها في هذا الشر طوال النصف الثاني من القرن العشرين وإلى اليوم، وحتى يأذن الله ـ تعالى ـ بتطهير الأرض من الصهاينة المجرمين الذين دنَّسوا تلك الأرض المباركة باحتلالها ظلماً وعدواناً‏,‏ وأغرقوا أهلها في بحور من الدماء والدمار والخراب‏,‏ دون أن يكون لهم أدنى حق في هذه الأرض من دين، أو تاريخ، أو عرق؛ لأنهم في مجموعهم من حثالات الأمم‏,‏ ونفايات الشعوب الأوروبية والأمريكية الذين احتلوا تلك الأرض العربية الإسلامية؛ انتقاماً لهزيمتهم في الحروب الصليبية‏,‏ ” وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ‏” (يوسف:21) .‏
وتؤكد سورة الحج أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ سوف ينصر من ينصره حتماً، وهو القوي العزيز‏,‏ فعلينا بالرجوع إلى الله بصدق، وهو قادر على دحر كل المعتدين، مهما تعاظمت أسلحتهم، وخبث مكرهم‏ .‏
وتصف الآيات أنصار الله بقوله ـ‏ عز من قائل ـ :‏
” الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ “‏ (‏ الحج‏:41) .
وتخاطب الآيات رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ بأن الكفار والمشركين من أهل الجزيرة إن كذبوا ببعثته الشريفة، فقد كذبت قبلهم أممٌ من أهل الكفر والكبر والاستعلاء في الأرض رسلَ الله إليهم‏,‏ فأضلهم الله بظلمهم، وأنزل بهم عذابه في الدنيا قبل الآخرة‏ ، وتندد الآيات بالذين يرون آثار الدمار الذي نزل بهؤلاء الظالمين دون اعتبار‏,‏ وتؤكد أنه‏ ” لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ “‏ (‏ الحج‏:46) .‏ وتندد بمن يستعجل نزول عذاب الله‏,‏ والله لا يخلف وعده، وإن استبعد الكافرون ذلك لطول الآماد عند الله، فاليوم عنده بألف سنة مما نَعُدُّ‏,‏ وتطالب خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بأن يعلن للناس كافة أنه نذير مبين لهم‏,‏ وتُعْلِمُه بأن الذين كفروا لا يزالون في شك من القرآن الكريم‏, ” حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ” (‏ الحج‏:55) ‏‏.
وتتحدث سورة الحج في أكثر من موضع منها عن جزاء المهاجرين في سبيل الله‏,‏ والمجاهدين من أجل إعلاء كلمته‏,‏ وإقامة عدله في الأرض ‏.‏وتقارن بين جزاء المؤمنين وعقاب المكذبين ‏:‏ ” فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ‏ . وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ ‏” (‏ الحج‏:50‏، ‏51) ‏.
وتختتم سورة الحج بتقرير حقيقة أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس‏,‏ وأنه‏ ـ سبحانه‏ ـ‏ هو السميع‏,‏ البصير‏,‏ العليم‏,‏ الذي إليه ترجع الأمور‏,‏ وتؤكد عبادة الله‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ ركوعاً وسجوداً كما أمر‏,‏ وتنصح بفعل الخيرات حتى يفلح العباد‏,‏ وتأمر بالجهاد في سبيل الله حق جهاده، فهو الذي اجتبى عباده المسلمين‏,‏ واختارهم‏,‏ وتؤكد خلو دين الإسلام من أي حرج‏,‏ وتصفه بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ : “‏ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ” ‏(‏ الحج‏:78),‏ ولكي نكون جديرين بهذه الشهادة يأمرنا ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏ في ختام السورة بإقامة الصلاة‏,‏ وإيتاء الزكاة‏,‏ وبالاعتصام بالله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ هو مولانا ، فنعم المولى ونعم النصير‏ .‏

الأدلة الكونية :
والأدلة الكونية التي ساقتها سورة الحج تصديقاً لما جاء فيها من أمور الغيب المطلق أدلة عديدة نوجزها فيما يلي ‏:‏
(1)‏ خلق الإنسان من تراب‏,‏ ووصف مراحل الجنين المتتالية له بدقة بالغة في زمن لم تتوفر وسيلة تكبير واحدة‏,‏ ومتابعة ذلك بدقة بالغة كذلك حتى يخرج إلى الحياة طفلاً يحيا ما شاء الله‏‏ له أن يحيا‏,‏ ثم يتوفاه الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ عند نهاية أجله المحدد‏,‏ والذي يُردُّ منهم إلى أرذل العمر، تضعف ذاكرته في أغلب الأحوال حتى لا يعلم من بعد علم شيئاً ‏.‏
(2)‏ اهتزاز الأرض، وارتفاعها، وإنباتها من كل زوج بهيج بمجرد إنزال الماء عليها‏,‏ وتشبيه خلق الإنسان من تراب‏,‏ وبعثه من تراب بذلك‏ .‏
‏(3)‏ تأكيد سجود جميع من في السماوات والأرض لله ـ تعالى ـ طوعاً أو كرها‏ًً .‏
(4)‏ تأكيد نسبية كلٍ من المكان والزمان‏,‏ وعظمة اتساع الكون . وذلك بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ : ‏” إِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ “‏ (الحج‏:47) .‏
‏(5)‏ تأكيد أن الذين أوتوا العلم يعلمون أن القرآن الكريم هو الحق من الله .‏
(6)‏ التعبير عن كلٍ من كروية الأرض‏,‏ ودورانها حول محورها أمام الشمس بولوج كلٍ من الليل والنهار في الآخر‏.‏
‏(7)‏ الإشارة إلى اخضرار الأرض بمجرد إنزال الماء عليها من السماء ‏.‏
(8)‏ تسخير كل ما في الأرض للإنسان‏,‏ وجري الفلك في البحر بأمر الله ‏.‏
‏(9)‏ إمساك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذن الله ‏.‏
(10)‏خلق الإنسان من العدم‏,‏ ثم إماتته‏,‏ ثم بعثه من جديد ‏.‏
‏(11)‏ عجز المخلوقين عن عملية الخلق فضلاً عن استنقاذ ما يسلبهم الذباب ‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة التاسعة في القائمة السابقة التي يمن فيها ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ علينا بالإمساك بالسماء كي لا تقع على الأرض إلا بإذنه‏,‏ وقبل الدخول إلى ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من كبار المفسرين من القدامى والمعاصرين في شرح هذه الآية الكريمة‏ .‏

من أقول المفسرين :
في تفسير قوله ـ‏ تعالى‏ ـ :‏ ” ويُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ “‏ (‏ الحج‏:65)‏ .
ذكر ابن كثير‏ ـ‏ يرحمه الله ‏ـ ما نصه‏ : أي لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض، فهلك من فيها‏,‏ ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه‏,‏ ولهذا قال‏ : ” إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ “‏ أي مع ظلمهم ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في تفسير الجلالين ـ رحم الله كاتبيه ـ ما نصه‏: ” ويُمْسِكُ السَّمَاءَ”‏ من “‏ أَن ” ، أو لئلا‏ “‏ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ‏”‏ فتهلكوا‏ . “‏ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ‏ “‏ في التسخير والإمساك‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في الظلال ـ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏ ـ‏ ما نصه‏ : ‏وهو الذي خلق الكون وفق هذا النظام الذي اختاره له‏,‏ وحكم فيه تلك النواميس التي تظل بها النجوم والكواكب مرفوعة متباعدة‏,‏ لا تسقط ولا يصدم بعضها بعضا‏ًً, والله ـ سبحانه ـ‏ ” يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ‏ “‏ بفعل ذلك الناموس الذي يعمل فيها، وهو من صنعه‏ ” إِلاَّ بِإِذْنِهِ “‏ وذلك يوم يعطل الناموس الذي يعمله لحكمة، ويعطله كذلك لحكمة‏ .‏(انتهى قول المفسر)
‏ وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ‏ رحم الله كاتبه ـ ما نصه‏ : إمساك السماء أن تقع على الأرض إلا بمشيئته تعالى‏ . (انتهى قول المفسر)
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ‏ جزاهم الله خيرا‏ًً ـ‏ ما نصه ‏:‏ وأمسك الكواكب في الفضاء بقدرته حتى لا يختل نظامها‏,‏ أو تقع على الأرض، إلا إذا اقتضت إرادته ذلك .‏ إن الله سبحانه شديد الرأفة والرحمة بعباده، فيهييء كل سبل الحياة الطيبة لهم‏,‏ فكيف بعد ذلك كله لا يخلصون في شكره وعبادته ؟ .‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في تعليق الخبراء بالهامش ما يلي‏ :‏ تتضمن هذه الآية الكريمة معاني علمية دقيقة‏,‏ فالسماء ـ وهي كل ما علانا ـ تبدأ بغلاف الأرض الهوائي‏,‏ فالفضاء‏,‏ فأجرام السماء‏ المُشِع منها بذاته ، مثل النجوم فالمجموعات النجمية، والسدم والمجرات ، ‏وغير المشع بذاته ـ كالأقمار‏,‏ والكواكب والمُذنَّبات، والنيازك، والجزيئات، والذرات، والغبار الكوني‏,‏ وجميع هذه العوالم تحتفظ بكيانها وتماسكها تحت تأثير عدة قوى، أهمها الجاذبية والقوى الناشئة عن الحركة‏,‏ ولقد تجلت مشيئة الله ورأفته بالعباد بأن هيأ للأرض غلافاً جوياً يحتوي على العناصر الغازية التي لاغنى للحياة عنها‏,‏ كما أنه يحمي سكان الأرض من الإشعاعات الكونية‏,‏ وأسراب الشهب‏,‏ والنيازك التي تهيم في الفضاء، والتي عندما تدنو من الأرض تحترق في جوها العلوي‏ (‏ احتراقاً جزئياً أو كليا‏ًً)‏ قبل أن تصل إلى السطح‏ (‏ العلوي للأرض‏) .‏
ومن إرادته ـ تعالى ـ ورحمته أن سقوط النيازك التي تدمر سطح الأرض نادر الحدوث جدا‏ًً,‏ وهو يتم في الأماكن الخالية من السكان‏,‏ وهذه الظاهرة تدل على عناية الله ـ تعالى ـ ورحمته بعباده‏,‏ وفي هذا تأييد وتصديق لقوله ـ تعالى ـ‏ : ” ويُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ “‏(‏ الحج‏:65) (انتهى قول المعلق)
وجاء في صفوة التفاسير‏ ـ‏ جزى الله كاتبه خيراً ـ‏ ما نصه ‏: أي ويمسك بقدرته السماء كي لا تقع على الأرض، فيهلك من فيها‏ . “‏ إِلاَّ بِإِذْنِهِ “‏ أي إلا إذا شاء‏,‏ وذلك عند قيام الساعة ‏.(انتهى قول المفسر)

موقع الدكتور زغلول النجار

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: