تفسير سورة يوسف “نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ..” / لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

تفسير سورة يوسف “نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ..” / لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، و انفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون، ربنا سبحانه وتعالى قال في سورة هود :
﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة هود )

بين يدي سورة يوسف :
سورة يوسف تثبيت لقلب النبي عليه الصلاة والسلام :
في سورة هود قص ربنا سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم قصص الأنبياء، وما عانوه من أقوامهم، وفي هذه السورة قصة سيدنا يوسف يقص عليه هذه القصة ليثبت به فؤاده، لأنّ هذا النبي الكريم لم يعان من قومه، بل عانى من إخوته، فإذا كانت المعاناة من الأقوام فالنبي صلى الله عليه وسلم له بالأنبياء الصادقين أسوة حسنة، وإن كانت المعاناة من الأقربين فله في سيدنا يوسف أسوة حسنة، ونحن إن جاءتك المتاعب من الأباعد فهذا درس يوضع أمامك، وإن جاءتك المتاعب من الأقارب، من الأهل، من الإخوة فلك في هذا النبي الكريم أسوة حسنة .

بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ(1)إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(2)نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ ﴾ ( سورة يوسف )

لماذا سميت هذه السورة أحسن القصص
لماذا سمى ربنا سبحانه وتعالى هذه القصة أحسن القَصص؟ قال بعضهم: لأنّ مغزاها يقوم على العفو والتسامح والرأفة والرحمة، موقف سيدنا يوسف في نهاية القصة من إخوته الذين كادوا له وائتمروا على قتله، ثم وضعوه في الجب، كان موقفه موقفاً إنسانياً رقيقاً رحيماً .
وقال بعضهم: لأن فيها ذكرى الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والعلماء والتجار، فيها ذكر الحب الأبوي، والغيرة، والمكر والخداع ،والعفو والفرح، وفيها ذكر البيئات بيوت الملوك، وقصور الملوك والأسواق والسجن، فيها أشياء منوعة جداً، ومواقف إنسانية، وبيئات بشرية، وما إلى ذلك .

﴿ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ ﴾ ( سورة يوسف )

تحدثت في الدرس الماضي عن هذه الآية، وكيف أنّ النبي عليه الصلاة والسلام جاء بقصص لا يعلمها أحد مما نثبت به نبوته، وقد جاءت في الكتب السابقة .
مشاهد قصة يوسف عليه السلام :

الآن مع المشهد الأول إن صحّ أنّ لهذه القصة مشاهد :
المشهد الأول :
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾
( سورة يوسف )

منزلة الابن عند والديه :
سيدنا يعقوب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام له ولدان من زوجة، وأحد عشر ولداً من زوجة أخرى، سيدنا يوسف وأخوه من زوجة كانا صغيرين، وكانا أثيرين على قلبه، كان يحبهما حباً جماً لأسباب كثيرة، قد سئلت أم: أيّ أولادك أَحبُ إليك، قالت: ” الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يرجع، والمريض حتى يشفى “، على كل، كان هذا الابن وما حباه الله من وسامة وجمال، ورقة ونعومة، وتحبب إلى قلبه، كان سيدنا يوسف آثَرَ الأولاد إلى قلب أبيه، رأى رؤيا، والرؤيا لها بحث يطول، ما منا واحد إلا ويرى في المنام رؤى، هل هذه الرؤى باطلة؟ وما فائدتها؟ ولماذا يرى الإنسان ؟

الرؤيا حياة نفسية :
بادئ ذي بدء، حينما يرى الإنسان في المنام رؤيا لا شك أنّ نفسه تنفصل عن جسده، مما يثبت الحياة النفسية أنّك قد تكون نائماً فتنتقل من مكان إلى مكان تفرح أو تحزن، تسعد أو تشقى، تتألم أو تُسر، كل هذا وأنت في الفراش، إذاً: لك حياة نفسية ثابتة، والله سبحانه وتعالى حينما جعل الرؤيا من لوازم بني آدم، من لوازم النفس الناطقة، الرؤيا من لوازم النفس الناطقة، حينما جعل الرؤيا من لوازم النفس الناطقة جعل لها هدفاً كبيراً .

الرؤيا ثلاثة أنواع :
العلماء قالوا: الرؤيا من الله عز وجل، أو من المَلك، أو من الشيطان، بعضهم قسمها تقسيماً آخر: رؤيا من الشياطين، هي أضغاث أحلام، لا معنى لها، تناقض، تضارب، يصعب تفسيرها، أغلب الظن أنّها تأتي بعد عشاء دسم، أو أنّ الرؤيا تعبير عن رغبات جامحة تعسر على صاحبها أن يحققها في النهار، رغبات مكبوتة يراها الإنسان في منامه، الرغبات المكبوتة هي أضغاث الأحلام، أو الرؤى أو المنامات التي يراها الإنسان من قِبَل الشياطين هذه خارج موضوعنا اليوم، ولكنّ الله سبحانه وتعالى قد يتفضل على إنسان فيريه رؤيا من عنده، قالوا: هذه الرؤيا التي من عند الله سبحانه وتعالى لا تحتاج إلى تفسير لشدة وضوحها، والرؤيا التي تكون من قِبَل المَلك تحتاج إلى تأويل ، من هنا كان تأويل الرؤيا .
الرؤيا الصالحة من المبشرات :
وفي الحديث عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( لَنْ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الْمُبَشِّرَاتُ، فَقَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ، جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ )) موطأ مالك

النبي عليه الصلاة والسلام والأنبياء جميعهم عليهم الصلاة والسلام يأتيهم الوحي، فإذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يبشر عبده المؤمن، أو أن يحذره، أن يعلمه بمقامه، أن يشجعه، أن يخيفه، أن يبعده عن معصية، ما الطريق لنقل هذه البشارة أو هذا الإنذار؟ هذا التخويف، هذا الوعد، هذا الوعيد، هذا التعريف، هذا الإعلام، ما الطريقة؟ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( لَنْ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إلاَّ الْمُبَشِّرَاتُ، فَقَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ )) موطأ مالك

أحياناً يراك أخوك في المنام بحالة راقية، وأنت تدعو إلى الله، وأنت تفعل الصالحات، وأنت في الحج، وأنت في العمرة، هذه الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى له، على كلٍّ؛ الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه رأى في المنام مَلَك الموت فقال: يا مَلَك الموت، كم بقي لي في الحياة؟ فأشار مَلك الموت بكفه هكذا مبينا لها خمسة، فلما أفاق وقع الإمام مالك في حيرة شديدة، أترى بقي له خمس سنوات، أم خمسة أشهر، أم خمسة أيام، أم خمس ساعات، أم خمس دقائق، أو خمس ثوان؟ فتوجه إلى ابن سيرين، وكان عالماً بالتأويل، فقال: يا ابن سيرين، رأيت كذا وكذا، فقال: يا إمام، يقول لك مَلَك الموت: إنّ هذا السؤال من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله .
فالرؤيا حق، ولولا أنّها حق لما جعلها الله سبحانه وتعالى من لوازم ابن آدم، والشيء الثابت أنّ الرؤيا تؤكد الحياة النفسية، فالإنسان قد ينام نوماً مُسعداً، قد يستيقظ على رؤيا صالحة يتمنى أن لا يفيق، يتمنى أن تبقى حاله أياماً طويلة، يزعجه أن يرى نفسه في الفراش، أن يرى نفسه في البيت، وقد يرى رؤيا مخيفة تبث في قلبه الرعب، وترتعد فرائصه، على كل بعض العلماء قالوا: الرؤيا على أربعة أقسام، إن كنت مستقيماً على أمر الله ورأيت رؤيا سعدت بها فهذه بشارة من الله سبحانه وتعالى، وإن كنت مستقيماً على أمر الله ورأيت رؤيا فزعت منها، فهذا تخويف من الشيطان لا تلتفت إليها، من رأى رؤيا حسنة فليقصها على من يحب، ومن رأى رؤيا غير حسنة فلا يقصها على أحد، وليستعذ بالله منها، لا تقصها على أحد .
ماذا يفعل مَن رأى رؤيا مفزِعة؟

وشيء آخر، كان عليه الصلاة والسلام يأمرنا أننا إذا رأينا رؤيا أفزعتنا فلنقم ولنصلّ، بشكل مختصر الرؤيا وسيلة من وسائل الاتصال بين المؤمن والله سبحانه وتعالى، وبشكل أوسع بين العبد وبين ربه، لأن العبد الضال الشارد قد يرى رؤيا تتحقق، على كل إذا رأى رؤيا أفزعته وكان غير مستقيم على أمر الله فهذه من الرحمن، فإذا كان منحرفاً ورأى أنّه يلبس ثياباً بيضاء وفي بستان جميل فهذه الرؤيا من الشيطان، إنّها توريط له .
أحياناً يأتي الشيطان لبعض الأقارب وقد توفي قريبهم فيراه في المنام بشكل حسن، فيقول: فلان في هيئة طيبة، وقد أكرمه الله ودخل الجنة، ويكون قد أكل المال الحرام، وفعل الموبقات، فهذه الرؤيا من الشيطان، الأصل أن تنظر إلى سلوك هذا الإنسان وعمله، فإن كان مستقيماً ورأى رؤيا أفرحته فهي من الله بشرى، وإن رأى رؤيا أفزعته فهي من الشيطان تخويف، وإن كان منحرفاً ورأى رؤيا أفزعته فهذه من الرحمن تحذير، وإن رأى رؤيا أفرحته فهذه من الشيطان تغرير، أربع حالات .
لكنّ هناك ملاحظة ينبغي أن تعرفوها؛ هي أنّك إذا رأيت رؤيا لا سمح الله أفزعتك فاعلم علم اليقين أنها من الشيطان، ولكن عليك أن تؤمن بالرؤيا لأنّ الله سبحانه وتعالى ذكرها في القرآن الكريم في أماكن عدة .
هذا النبي الكريم، هذا الطفل الوديع، هذا الغلام الوسيم، قال :﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾ ( سورة يوسف )

عناصر رؤيا يوسف : أحد عشر كوكبا والشمس والقمر

أما كلمة ( رأيتهم ) فلو أنّ الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر هي على حقيقتها أحد عشر كوكباً وشمساً وقمراً فيجب أن يقول: رأيتها، هذه جمع مَن لا يعقل، أما حينما قال: رأيتهم، فقد حمل الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً على محمل العقلاء، إذاً فَهِمَ سيدنا يعقوب من هذه الرؤيا أنّ لهذا الغلام الوسيم مستقبلاً كبيراً وشأناً عظيماً في ميدان الدين، وميدان القرب من الله عز وجل، وبعضهم قال: إنّ تفسير هذه الرؤيا أنّ إخوته الأحد عشر وأمه التي هي الشمس، وقيل: خالته زوجة أبيه، لأنّ الخالة بمقام الأم، وقد توفيت أمه، والقمر أبوه ،
﴿ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾

رؤيا الأنبياء حق لابد أن تتحقق :
أي خاضعين .
وبعضهم قال: إنّ الشمس جزأها الأعلى انحنى نحو الأسفل، وهذا معنى السجود، والقمر كذلك جزأه الأعلى انحنى نحو الأسفل، فهذه الرؤيا تعبِّر عن أنّ هذا الغلام الوسيم سيكون له مستقبل في ميدان القرب من الله عز وجل يفوق أباه وأمه وإخوته أجمعين، هذه هي الرؤيا .
﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ ﴾

فهناك تكرار، إنّي رأيت رأيتهم، ورؤية الأنبياء حق، قال تعالى :
﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾( سورة الصافات )

رؤيا الأنبياء حق :
﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ ﴾
( سورة يوسف )
نصيحة يعقوب لابنه ب‘خفاء أمر الرؤيا عن إخوته :
عرف هذا الأب الشفوق، وهذا الأب الرحيم، أنّ أخوة يوسف قد تقع في قلبهم الغيرة، وقد يقع في قلبهم الحسد، والشيء الثابت أنّ الأب والأم فقط لا يحسدان ابنيهما، ولا يغاران منه، أما الإخوة فقد تأكل قلبهم الغيرة، وقد يدب الحسد فيما بين الإخوة :﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ ﴾ ( سورة يوسف )

من هنا استنبط العلماء أنّ على المرء ألا يظهر ما عنده، وألا يظهر فضله، وألا يبالغ في إظهار علمه، وإظهار المقدرات التي وهبه الله إياها، فلعل أحداً يحسده، ولعل أحداً يتمنى زوال النعمة عنه، وأن تتحول إليه .
﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ ﴾

على كل قال عليه الصلاة والسلام :
(( استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان ))
ورد في الأثر

وقال بعض الشعراء :
ليس الغبي سيداً في قومه ••• لكنّ سيد قومه المتغابي

من الذكاء أحياناً أن تبدو وكأنك غبي، إذاً: ليس من المستحب أن تظهر كل ما عندك، أن تزهو على الناس بما وهبك الله عز وجل :
﴿ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ( سورة يوسف )

الشيطان يحب أن يوقع العداوة والبغضاء فيما بين الناس، وفيما بين الأقارب، وفيما بين الزوجين، وفيما بين الأخوين، وفيما بين الشريكين .

﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ ( سورة يوسف )
النبوة اجتباء واصطفاء :

معنى كلمة ( يجتبيك ) أي يختارك ويصطفيك، وبعضهم فهم أنّ النبوة هبة من الله سبحانه وتعالى، وهي كذلك، لكنها من دون كسب، قال تعالى :﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ ( سورة آل عمران )

معنى ( اصطفى ) يعني اختار من بين خلقه المتفوقين، اختار من بين خلقه الصادقين، اختار منهم أنبياء، إذا نظر المعلم في الصف، وتفرس وجوه التلاميذ واحداً واحد فاختار منهم أشدهم أخلاقاً، أرقاهم أخلاقاً، وأعمقهم وعياً، وأشدهم إدراكاً، وأكثرهم تحصيلاً، اختاره، وجعله عريفاً على زملائه، هل نقول: إنّ هذا الاختيار محض صدفة؟ لا إنّه اصطفاء، هل نقول: إنّ العَرَافة هبة؟ نعم ولا، هو اختاره، ولكن لماذا اختاره بالذات؟ لأنّه متفوق :
﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ ( سورة الأنبياء )

﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ ( سورة يوسف )

لا فرق بين العباد إلا بالطاعة :
يجب أن تعلم علم اليقين أنّ الخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بين الله وبينهم قرابة إلا طاعتهم له :
كُن ابن من شئت واكتسب أدباً يغنيك محموده عن النسب
(( أنا جد كل تقيٍ ولو كان عبداً حبشياً ))

ورد في الأثر
(( ليس بين الله وبين خلقه قرابة، بل القرابة طاعتهم له ))

ورد في الأثر
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :(( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ )) البخاري

حينما كان بلال رضي الله عنه يقدم إلى المدينة كان سيدنا عمر الخليفة الراشد يخرج لاستقباله، سيدنا أبو بكر رضي الله عنه أعتقه، اشتراه من سيده وأعتقه، قال سيده: لو دفعت به درهماً واحداً لبعتكه، لقلّة شأنه، فقال أبو بكر رضي الله عنه : << والله لو طلبت ثمنه مائة ألف درهم لأعطيتكها >>، وضع سيدنا الصديق يده على كتفه تعبيراً عن الأخوة، وقال: << هذا أخي حقاً >> .
سيدنا عمر كان بلال وصهيب يدخلان عليه بلا استئذان، جاء أبو سفيان زعيم قريش فوقف في بابه ساعات فلم يؤذن له، فلما دخل عليه عاتبه، قال: << بلال وصهيب يدخلان بلا استئذان ، وأبو سفيان يقف في بابك الساعات الطوال، فقال: يا أبا سفيان أنت مثلهما ! >>، أين الثرى من الثريا؟ أين كنت حينما كانا يعذبان في الله، أين كنت حين كانا يجاهدان في سبيل الله؟ أين كنت حين كانا يخدمان رسول الله؟
ليس بين الله وبين عباده أية قرابة إلا الطاعة، لو أنّك أطعت الله عز وجل لسبقت مائة ألفِ ألف إنسان :
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ ( سورة الحجرات : من الآية 13)

هذه الآية تكفي :
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
( سورة الحجرات : من الآية 13)

بدرت كلمة من سيدنا أبي ذر في ساعة غضب، فقال لصحابي: << يا ابن السوداء، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن غضب غضباً شديداً وأعرض عنه، وقال :
(( يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ))
البخاري

فلم يرضَ أبو ذر إلا أن يضع رأسه على الأرض ليطأ رأسه بلال بقدمه حتى كفّر عن سيئته .
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ:
(( مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، قالَتْ:
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ، وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا، كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ: لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ ))
الترمذي

فما بال الناس اليوم يسهرون وينهشون بأعراض بعضهم بعضاً .
يجتبيك ، أي اختارك على علمك ، اختارك لصدقك ، اختارك لما تنطوي عليه من محبة له ، من إخلاص ، من طهر ، من عفاف
﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ﴾ ( سورة يوسف )

وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ

تعبير الرؤيا فضل من الله عظيم :
ويبدو أنّ تأويل الأحاديث شيء عظيم، الله سبحانه وتعالى يتفضل به على بعض خلقه، تأويل الأحاديث أن تعرف ما الذي يعنيه هذا الحديث، ما القصد البعيد من هذا الحديث، هذا شيء عظيم، مما اختص به هذا النبي الكريم تأويل الأحاديث .

معنى التأويل :
ومعنى أوّل مأخوذ من فعل أَوَلَ، وأَوَلَ يعني أرجعَ الحديث إلى أصله، إلى مقصد قائله، ماذا أراد الله بهذا الكلام :
﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ ( سورة يوسف )

وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ

نِعم الدنيا بلا هدى نِقَمٌ على صاحبها :
العلماء قالوا: تمام النعمة الهدى، لو أنّك تملك نعم الأرض كلها ولم تكن مهتدياً فهذه كلها ليست نعماً، ربنا سبحانه وتعالى يقول :
﴿ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ﴾ ( سورة الدخان )

ليست نعمة، يمكن أن تمثل الهدى بواحد، والمال بصفر أمامه، المال والهدى نعمتان متكاملتان، يمكن أن تمثل الزوجة الصالحة بصفر آخر، صاروا مائة، يمكن أن تمثل الأولاد الأبرار بصفر ثالث، صاروا ألفا، يمكن أن تمثل البيت الواسع بصفر رابع، صاروا عشرة آلاف، يمكن أن تمثل المركب الوطيء بصفر سادس، صاروا مليونا، يمكن أن تمثل أن يكون رزقك في بلدك بصفر سابع، فإذا حذفت الواحد فكل شيء أصبح أصفاراً، تمام النعمة الهدى :
﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾ ( سورة الفجر )

هذه مقولته، وليس قوله صحيحاً، ليس هذا إكراماً، يعد المال إكراماً إذا كنت مهتدياً، لأنك إذا كنت مهتدياً أنفقته في طاعة الله فكان زاداً لك إلى الأبد، صار المال نعمة، يمكن أن تكون الزوجة الصالحة نعمة إذا عرفت ربها، وكانت محجبة، وكانت مصلية، وكانت طائعة لزوجها، إذاً هذه نعمة، وكان هذا على يدك إذاً تسعد بها إلى الأبد، فإن لم تكن كذلك تشقى بها إلى الأبد، قد يكون الابن نعمة إذا تولى الأب تربيته، وأفلح في ذلك، أما إذا أهمله جاء يوم القيامة يقول: يا رب، لا أدخل النار حتى أُدخل أبي قبلي، فمن تمام النعمة في الدنيا أن تكون زوجته صالحة، وأولاده أبراراً، ومنزله واسعاً، ومركبه وطيئاً، ورزقه في بلده، لكنّ هذه النعم المتعلقة بالدنيا إن لم يكن معها الهدى فلا قيمة لها، إنّ الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، قال تعالى :
﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف )

عليم باصطفاء أنبيائه، حكيم، فهذا النبي الكريم العلامات الدالة على نبوته كثيرة، وإذا سألت عنها فإليك هذه الآية :
﴿ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ ( سورة يوسف )

إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا

الشيطان يشعل نار الفتنة في قلوب إخوة يوسف :
إخوة يوسف اجتمعوا، يبدو أنّ هذه الرؤيا وصلت إليهم، نقلت إليهم بشكل أو بآخر، أو أنّ حبّ أبيهم له وتعلقه به وإيثاره عليهم هو الذي جعل في نفسهم هذا الحسد والضغينة، على كل :
﴿ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾
وَنَحْنُ عُصْبَةٌ :
نحن رجال أشداء، نحن عون لأبينا، يجب أن يلتفت إلينا، يجب أن يحبنا نحن مكان يوسف، نحن الذين نعينه، وندافع عنه، ونلبي حاجاته، فما باله يُعنى بأخينا الصغير؟ فاتهم أنّ هذا الصغير بشّره الله سبحانه وتعالى بمستقبل عظيم، وكانت علامات الوسامة والنجابة والوداعة والرقة والنعومة بادية عليه، قال تعالى :
﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ ( سورة يوسف )
هذا ما استقر عليهم رأيهم ابتداء : اقْتُلُوا يُوسُفَ

إيّاكم وسفكَ الدم الحرام :
جاء الرأي أن يقتلوه ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :(( لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا )) البخاري

﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ ( سورة المائدة )

إن قتلها لعل هذه المقتولة تكون شخصية خطيرة في المجتمع، لعل هذه النفس المقتولة تكون مصلحاً اجتماعياً، عالماً كبيراً ربانياً، فإذا قتلتها قتلت الناس جميعاً، وإذا أحييت نفساً بالهدى فكأنك أحييت الناس جميعاً، قد يهتدي الإنسان على يديك، ويهتدي بهداه مائة ألف أو يزيدون، إنّك سبب هداية كل هؤلاء، حينما هدى الله بك هذا الإنسان، لذلك لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس، خير لك من حُمَر النعم، خير لك من الدنيا وما فيها، ما بال الناس يزهدون بهذا العطاء المغري، هذا عرض مغر، خير لك من الدنيا وما فيها، خير لك مما طلعت عليه الشمس، لو أنك تملك بيوت الشام كلها، كل بيت بمليونين وسطياً، كم تملك؟ لو أنك تملك الأسواق التجارية كلها، كل متر بمائتين وخمسين ألفاً، كم تملك؟ لو أنك تملك المدن كلها، المعامل الضخمة كلها، كم تملك؟ هذه المعامل الضخمة التي يوزع إنتاجها في أنحاء العالم، لو أنك تملك بيوت الأرض، والأراضي في كل أنحاء القارة، والمدن بأسواقها ومحلاتها وحدائقها وجسورها ومتنزهاتها، لو أنك تملك المعامل كلها :
عَنْ ابْنَ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( وَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِهُدَاكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ )) سنن أبي داوود

هذا العرض المغري لماذا يبتعد الناس عنه؟ لذلك إذا تعلمت فعلِّم، إذا فهمت آية فعلِّمها :
عَنْ عُثْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ )) صحيح البخاري

لا يحزن قارئ القرآن، من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت، العلم خير من المال، لأنّ العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تُنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، << يا كُمَيل مات خُزّان المال وهم أحياء ـ في أوج حياتهم ميتون ، في أوج شبابهم ميتون ـ والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة >>، لذلك :
﴿ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ(7)إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(8)اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا ﴾
( سورة يوسف )

بعض الشر أهون من بعض : أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا
( أرضاً )هذه نكرة، اطرحوه أرضاً ، يعني أرضاً لا يعرفها أحد لئلا يعود إلى أبيه.

﴿ يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ﴾ ( سورة يوسف )

يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ

تفكير غير صحيح : قصد المعصية ابتداء والتوبة انتهاء :
في هذه الآية شيء دقيق جداً، مثلاً: يستطيع أحدنا أن يقول: أنا أفعل هذه المعصية، وبعدها أتوب إلى الله عز وجل، ويقبل توبتي، وأكون من الصالحين، هذا مستحيل، لا تقبل التوبة إلا إذا ارتكب الذنب عفواً عن غير قصد، إذا ارتكب عن قصد وتصميم فهيهات أن يتوب صاحب هذا الذنب، إنّ هذا تخطيط، بعد أن نقتل أخانا يخلُ لنا وجه أبينا، وبعدها نتوب إلى الله، يقبلنا الله عز وجل، نكون من بعده قوماً صالحين، شيء مضحك، لا تقبل التوبة إلا إذا كان ارتكاب الذنب عن غير قصد وتصميم، أما إذا كان هناك تخطيط فهذا استهزاء بالله عز وجل، والتوبة مرفوضة، قال تعالى :
﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ( سورة الأنعام )

يجب أن يكون عمل السوء بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح، أما أن أفعل هذه المعصية وبعدها أتوب، وتقبل توبتي، وأكن من الصالحين فلا، قال لي ذات مرة رجل: إذا فعلت هذا العمل هل هو حرام أم حلال؟ قلت له: حرام، قال: أفعله وأتوب، قلت: هيهات أن تتوب، لن تتوب، فهؤلاء إخوة يوسف قالوا :
﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ﴾ ( سورة يوسف )

تفاوت المواقف عند الناس :
القائل منهم يبدو أنّه أعقلهم، وقيل: أكبرهم، وهذا يؤكد تفاوت المواقف، أي أن الإنسان مخير، بعضهم رأى أنّ القتل أولى، بعضهم رأى أنّ شيئاً آخر هو التغييب عن الأب :
﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ ﴾ ( سورة يوسف )

رأي آخر :أَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ

بئر على طريق القوافل، ضعوه في البئر بحيث لا يستطيع الصعود، ولابدّ من أن تمر قافلة، إن أدلت بدلوها يتعلق بهذا الدلو، وتأخذه على أنّه بضاعة، فتبيعه في سوق العبيد، وعندئذ لن يرجع إلى أبيه :
﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ ﴾ ( سورة يوسف )

السيارة هنا القافلة التي تسير .
﴿ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ ( سورة يوسف )
فكأنّه يقول: إن صرفتم النظر عن هذا كله فهذا أولى، أما إذا كنتم مصرين على فعلتكم فهذا العمل أفضل من أن تقتلوه .
خاتمة :
قال الله سبحانه وتعالى :
﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة يوسف )

إذا كان الله معك فمن عليك ؟
” ما من مخلوق يعتصم بي من دون خَلْقي، أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته، إلا جعلت الأرض هويّاً تحت قدميه، وقَطّعت أسباب السماء بين يديه، عبدي خلقت لك ما في السماوات والأرض، ولم أعيَ بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين؟ وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأُسَلِطَنّ عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، عبدي لي عليك فريضة، ولك عليّ رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سَلّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ” .
أرجو الله عز وجل ألاّ تكون قراءتنا لهذه القصة كقراءتنا لأية قصة، هذه قصة يتلوها علينا ربنا، وليست العبرة أن نعرف أحداثها، ولا أن نكشف شخصياتها، ولا أن نعرف عقدتها ولا مغزاها، الأولى أن نتخذ منها درساً بليغاً، كن مع الله تر الله معك، سيدنا يوسف غلام صغير لا حول له ولا قوة، ولا شأن، ولا يملك حيلة، ضعيف ألقي في غيابت الجب، في البرية، في الفلاة، حيث لا إنسان، جاءت سيارة أرسلوا واردهم أدلى دلوه، قال: يا بشرى هذا غلام، أسروه بضاعة، اشتراه عزيز مصر، دخل القصر، مكّن الله له في الأرض، رأى الملك رؤيا فسّرها له، رفعه الله إلى مرتبة عزيز مصر، وأين إخوته؟ يقفون على بابه من أجل أن يأخذوا نصيبهم من القمح، للقصة تفصيلات طويلة نأخذها في درس قادم إن شاء الله تعالى، والذي أظنه أنّ هناك استنباطات عديدة لم أتمكن من نقلها لكم في هذا الدرس، أرجو من الله عز وجل أن أنقلها لكم في درس قادم .
والحمد لله رب العالمين
المصدر: موسوعة النابلسي للعلوم الاسلامية

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: