تفسير قوله تعالى “ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها.”/ مع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

تفسير قوله تعالى “ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها.”/ مع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

النفس الإنسانية هي النفس الأولى عند الله عز وجل :
أيها الأخوة المشاهدون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يقول الله عز وجل في كتابه العزيز:
﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا*وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا*وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا*وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا*وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا*وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا*وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾
[ سورة الشمس الآيات :1-10]
نقف وقفة متأنية عند كلمة:
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *َأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
هذه النفس الإنسانية هي النفس الأولى عند الله عز وجل، لأن الله عز وجل حينما قال:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾
[ سورة الأحزاب الآية : 73 ]
كان الإنسان بهذا القبول وهذا الحمل المخلوق الأول عند الله عز وجل، فلذلك سخر الله عز وجل له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، هذا الإنسان هو المخلوق الأول، فطره فطرة رائعة، جبله أو فطره أو بتعبير معاصر برمجه على نمط عجيب، أن هذا الإنسان إذا أخطأ، أو ارتكب خطأً، يكشف خطأه بذاته، وهذا ما يسمى بالفطرة، فطرته سليمة تتوافق مع منهج الله توافقاً عجيباً، توافقاً تاماً، فالنفس حينما تنحرف عن منهج الله عن وعي أو عن غير وعي، عن إرادة أو عن غير إرادة، هذا الانحراف تكشفه هي بذاته:
(( وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ))
[مسلم عن النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ]
مرة سمعت أن فندقاً في ألمانيا كتب على السرير: إذا لم تنم هذه الليلة فالعلة ليست في فراشنا إنها وثيرة ولكن العلة في ذنوبك إنها كثيرة.

الإنسان حينما يصطلح مع الله يشعر بسعادة لا توصف :
هذا الإنسان مبرمج، أو مفطور، أو مجبول، على أنه يكتشف خطأه بذاته، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾
[ سورة الشمس الآيات : 7-8]
الإنسان حينما يطيع ربه، وحينما يصطلح معه، وحينما يطبق منهجه تطبيقاً دقيقاً، وحينما لا يبني مجده على أنقاض الآخرين، ولا يبني حياته على موتهم، ولا غناه على فقرهم، حينما يستقيم على أمر الله، يصطلح مع نفسه، يجد نفسه، يشعر بسعادة لا توصف:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
[ سورة فصلت الآية : 20 ]
ما معنى
﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
؟ أنت الآن في مأمن من الخوف من المستقبل،
﴿ أَلَّا تَخَافُوا ﴾
﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ﴾
[ سورة التوبة الآية : 51 ]
وألا تحزن على الماضي، ما مضى فات والمؤمل غيب، الغيب لا تملكه، ولك الساعة التي أنت فيها، فلذلك هذا الإنسان حينما يصطلح مع الله يشعر بسعادة لا توصف:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
[ سورة فصلت الآية : 20 ]

الآية التالية تؤكد تطابق منهج الله مع فطرة الإنسان :
لأن هذا الإنسان برمجه الله، بل جبله، بل ولفه ـ إن صحّ التعبير ـ على أنه يكتشف خطأه بذاته، فحينما يصطلح مع الله، وينضبط بمنهجه، يصطلح أيضاً مع فطرته، ومع نفسه، والآية الدقيقة جداً التي تؤكد تطابق منهج الله مع فطرة الإنسان قوله تعالى:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾
[ سورة الروم الآية : 30]
والآية الثانية التي نحن بصددها الآن:
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾
[ سورة الشمس الآيات : 7-8]
أنت مفطور فطرة عالية، أنت مبرمج برمجة راقية، أنت مولف توليفاً رائعاً، أنت حينما تخطئ أنت وحدك تكتشف هذا الخطأ، لذلك :
(( وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ))
[مسلم عن النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ]
فالإنسان يكشف خطأه بنفسه.

الإنسان فُطر فطرة عالية تتطابق مع منهج الله تطابقاً تاماً :
إذاً:
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾
[ سورة الشمس الآيات : 7-8]
ألهمها ذاتياً، لكن لا أتمنى عليكم إطلاقاً أن تفهم الآية على غير ما أرادها الله، الله عز وجل فطرها فطرة عالية، بحيث لو أخطأت اكتشفت هي بذاتها من دون توجيه، أو إرشاد، إلى أنها قد أخطأت، وهذا ما يسمى بالفطرة، والإنسان فطر فطرة عالية تتطابق مع منهج الله تطابقاً تاماً:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾
[ سورة الروم الآية : 30]

الله عز وجل ألهم النفس أن تكشف خطأها ذاتياً دون توجيه أو إرشاد :
لذلك:
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾
أي ألهمها ذاتياً، لذلك:
﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾
[ سورة القيامة الآيات : 14-15 ]
قالوا: يمكن أن تخدع بعض الناس لكل الوقت، ويمكن أن تخدع كل الناس لبعض الوقت، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت هذا مستحيل وألف ألف ألف مستحيل، الله عز وجل يقول:
﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 179 ]
هذه حقيقة رائدة لذلك لا بد من الامتحان:
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾
الله عز وجل يضع الإنسان في ظرف دقيق جداً، هذا الظرف الدقيق جداً يكشف حقيقته، هو يدعي ما يشاء، يقول ما يشاء، يوهم الناس بما يشاء، لذلك يمكن أن تخدع بعض الناس لكل الوقت، ويمكن أن تخدع كل الناس لبعض الوقت، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت هذا مستحيل وألف ألف ألف مستحيل، أما أن تخدع الله، أو أن تخدع نفسك لثانية واحدة هذا مستحيل وألف ألف ألف مستحيل، لذلك:
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

النجاح و الفلاح :
الآن :
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾
[ سورة الشمس الآية : 9]
ألفنا أن النجاح محبب، الإنسان قد ينجح في دراسته، قد ينال درجة عليا في العلم، قد يجمع أكبر ثروة في الدنيا، قد يوفق إلى زوجة صالحة، قد يستمتع بالحياة الدنيا، قد يكون صحيحاً لا يشكو مرضاً، هذه كلها من عطاءات الدنيا، لكن الله عز وجل حينما يقول:
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ ﴾
نسمي تحقيق الأهداف في الدنيا نجاحاً، نسمي القدرة على جمع الأموال نجاحاً، والقدرة على اعتلاء منصب مرموق نجاحاً، ونسمي القدرة على الاستمتاع بالحياة نجاحاً، هذا بمقاييس الأرض، ولكن ما هو الفلاح؟ الفلاح أن تنجح في الآخرة، أن تنجح في دخول الجنة، لذلك قال العلماء ـ فرقوا بين النجاح والفلاح ـ: النجاح متعلق في الدنيا، أما الفلاح فيتعلق في الدنيا والآخرة معاً، النجاح أن تنجح في شأن من شؤون الدنيا، أما الفلاح أن تنجح في تحقيق الهدف الذي خلقت من أجله، هذا هو الفلاح لذلك:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون الآيات : 1-2 ]
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾
[ سورة الأعلى الآيات : 15-16 ]
قد أفلح كل من عرف الله عز وجل، واستقام على أمره: :
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ ﴾

النجاح مع الله عز وجل :
النجاح المطلق، النجاح الكبير، نهاية التفوق، نهاية النجاح، أن تعرف الله، ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحبّ إليك من كل شيء.
كيف تنجح مع الله؟ هذا الكون جعله الله قرآناً صامتاً، وهذا القرآن جعله الله كوناً ناطقاً، وأمامك نموذج بشري أول هو النبي عليه الصلاة والسلام، جعله الله قرآناً يمشي، فأنت إذا تعرفت على الله من خلال آياته الكونية، ومن خلال آياته القرآنية، ومن خلال آياته التكوينية، آياته التكوينية أفعاله، وآياته الكونية خلقه، وآياته القرآنية كلامه، فأنت إذا تعرفت إلى الله من خلال آياته الكونية، وآياته التكوينية، وآياته القرآنية، وعرفت أن الله عز وجل واحد أحد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، عرفت أن الله خالق، ومرب، ومسير، عرفت أن الله موجود، وواحد، وكامل، عرفت أسماءه الحسنى، وصفاته الفضلى، أنت حينما تعرف ذلك تستقيم على أمره، وإذا استقمت على أمره أقبلت عليه، وإذا أقبلت عليه منحك الكمال البشري.

من ذكره الله منحه نعم لا تعد و لا تحصى :
لذلك ذكر الله لك أكبر من ذكرك له:
﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
[ سورة العنكبوت الآية : 45 ]
ذكر الله لك، إن ذكرك منحك نعمة الأمن، منحك الرضا، منحك السكينة، منحك الوقار، منحك التوفيق، منحك بيتاً ناجحاً، منحك أسرة رائعة، منحك سمعة طيبة، لذلك:
(( استقيموا، ولن تحصوا ))
[ ابن ماجه عن ثوبان]
لن تحصوا الخيرات،
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾
الفلاح يجمع بين الدنيا والآخرة، الفلاح هو أن تحقق الهدف الذي خلقك الله من أجله،
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾
زكى نفسه حينما عرفها بربها، وزكى نفسه حينما حملها على طاعته، وزكى نفسه حينما تقربت نفسه إلى الله بالأعمال الصالحة، وزكى نفسه حينما اتصل بالله عز وجل،
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
دنسها بالمعاصي، والآثام، والانحرافات، دنسها بالبعد عن الله، دنسها بالتعاون مع الشيطان،
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

أزمة أهل النار في النار أزمة علم فقط :
أيها الأخوة الكرام، النجاح محبب، ولكن المشكلة في الجهل، بل إن أزمة أهل النار و هم في النار هي أزمة علم فقط، والدليل :
﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾
[ سورة الملك الآية : 10]
من هنا أقول: إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل، طالبُ العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً، أرجو الله لكم التوفيق والنجاح، وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
والحمد لله رب العالمين

موقع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: