تمشيات الإصلاح التربوي على المسار الرسمي: قراءة نقدية تقويمية ( بقلم الدكتور مصدق الجليدي)

تمشيات الإصلاح التربوي على المسار الرسمي: قراءة نقدية تقويمية ( بقلم الدكتور مصدق الجليدي)

الآن، وقد مضت نصف سنة على انطلاق ما سمّي بـ”الحوار الوطني لإصلاح المنظومة التربوية”، يجوز لنا، بحكم اهتمامنا ومتابعتنا لهذا الملف الوطني، عن كثب، سواء بصفاتنا الفردية، كخبراء في التربية، أو بصفتنا ناشطين مدنيين في حقل التربية، في جمعية تطوير التربية المدرسية، جمعيتي الأم، أو في الائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية، أن نبلور حوصلة تقييمية نقدية لمسار هذا الإصلاح، في نسخته الحالية، الناسخة اعتباطا لما سبقها من النّسخ الإصلاحية، بعد الثورة. والهدف من ذلك، بطبيعة الحال، في ما وراء تقديم الخبَر، هو استخلاص العِبر وتوجيه البصيرة والبصر إلى ما فيه خير المدرسة التونسية ومستقبلها الأغر.
سنقوم بهذه القراءة التقييمية النقدية في ثلاثة مستويات:
• المستوى السوسيو مدني- سياسي.
• المستوى المنهجي.
• المستوى القيمي-المرجعي.
أولا: المستوى السوسيو-سياسي:
والمقصود بذلك التمشي الحواري المعتمد من قبل الثالوث المشرف حاليا رسميا على ملف الإصلاح التربوي (وزارة التربية- الاتحاد العام التونسي للشغل- المعهد العربي لحقوق الإنسان).
بالرغم من انطلاق موكب ما سمّي بـ”الحوار الوطني لإصلاح المنظومة التربوية في أواخر شهر أفريل الماضي، بحضور مآت الفاعلين التربويين، إلا أنه من الوهلة الأولى انكشف التوجه الانتقائي الإيديولوجي لقيادة هذا الإصلاح. وقد تدعّم ذلك لاحقا وترسّخ من خلال اختيارات تواصلية/ لاتواصلية ولا حوارية مختلفة، نجملها في هذه المؤشرات الخمسة الآتية:
1- فرض قيادة مسقطة على المجموعة الوطنية للإصلاح التربوي:
وهي قيادة تبدو سرية، لأنه لا يعلم أحد من جمهور المربين عن هويات الأعضاء المنتمين إليها أي شيء. وهو ما يذكرنا بالمحافل الماسونية السرية. وفي هذا الأمر بطبيعة الحال مجانبة لمبادئ الشفافية والمساءلة والحوكمة الرشيدة. وقد تم هذا الفرض المسقط لهذه اللجنة خاصة من خلال التوجهات والممارسات المنظّمة التالية:
– إقصاء المجتمع المدني من المشاركة الفعلية في هذا الحوار، بما في ذلك المنظمات الوطنية، وكذلك الجمعيات التي لها اتفاقيات شراكة رسمية مع الوزارة، مثل جمعية تطوير التربية المدرسية، التي لها خمسة عشر فرعا جهويا في مختلف جهات الجمهورية، ويربو عدد منخرطيها على الستة آلاف مربّ، والتي نظمت أول ندوة وطنية حول الإصلاح التربوي في شهر ديسمبر 2011، وأصدرت أشغال هذه الندوة في عدد ممتاز من مجلتها “الفاعل التربوي” مكّنت وزارة التربية من نسخة منه. فمثلا، ينصّ البند السادس من الفصل الثاني من اتفاقية الشراكة هذه على تعهد أمضت عليه وزارة التربية وهو الآتي: ” تمكين الجمعية من المشاركة في اللجان التي تكوّنها الوزارة للبحث في المواضيع المتصلة بالتربية والحياة المدرسية”. وهو ما لم يحدث لا في المرحلة التي استغرقها الحوار في الجهات ولا خلال الندوة الوطنية التي نظمت لاحقا لدراسة مخرجات ذلك الحوار. نفس الشيء لجمعيات وشبكات تربوية أخرى، مثل “شبكة التربية والتكوين والبحث العلمي” التي ينضوي تحتها الآن أربعون جمعية منتشرة في مختلف جهات البلاد، وتؤمن التأطير المدني لآلاف الفاعلين التربويين هي الأخرى.
وفي هذا التوجّه الانتقائي الإقصائي الذي اختارته وزارة ناجي جلول انقلاب على مسار الإصلاح التربوي الذي سلكته الوزارات السابقة، ابتداء من وزارة الطيب البكوش، التي شكلت للغرض تسع لجان، اتسمت بمنزعها الإقصائي هي الأخرى، وصولا إلى الحوار المجتمعي حول إصلاح المنظومة التربوية في وزارة فتحي جراي، وهو الحوار الذي استوعب مختلف الأطراف المدنية والخبرات التربوية الوطنية في لجان وطنية علمية واستشارية موسعة، مرورا بوضع بعض أسس “منهجية الإصلاح التربوي” خلال وزارة عبد اللطيف عبيد، وعديد التقارير التأليفية والقطاعية التي أنجزت في تلك الفترة. وفي هذا التخلي المفاجئ والغريب عن كل الجهود التي بذلت بعد الثورة إلى حين مجيء السيد ناجي جلول على رأس وزارة التربية، ضرب فاضح لمبدإ استمرارية الدولة، الذي نبهت شخصيا من الوقوع فيه، خلال مداخلتي العلمية في ندوة “منطلقات الإصلاح التربوي” في أوت 2014، بالمركز الوطني لتكوين المكونين في التربية بقرطاج، على عهد وزارة فتحي جراي، والتي دعا إليها وزراء التربية السابقين، ومختلف المنظمات والفعاليات المدنية. وكان من بين الحاضرين الجالسين بجانبي وقتها المكلف حاليا بملف الإصلاح التربوي السيد عادل الحداد، الذي كان يظهر في ذلك الحين تجاوبا مع توصيتي هذه، ثم مارس عكسها تماما عندما كلف بمهمته الحالية في ديوان وزير التربية.
– إقصاء كل الوزارات ذات العلاقة بالمسألة التربوية، مثل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وزارة التكوين المهني والتشغيل، وزارة الثقافة، وزارة الشؤون الدينية، ووزارة الشباب والرياضة، وزارة المرأة والطفولة، ووزارة الفلاحة، ووزارة الدفاع، ووزارة الداخلية، وغيرها من الوزارات المعنية بتكوين أطرها ومنظوريها.
– إقصاء الأحزاب، ودعوة بعض الممثلين عنهم من قبل وزير التربية إلى مكتبه، من باب “التبزنيس السياسي” (التسويات السياسية) والاحتواء، فقط. لأننا لم نشهد لهم أي حضور فعلي وعلني في المشهد الوطني الرسمي للحوار حول الإصلاح التربوي، ولا حتى لمن هو قريب منهم من الناشطين في المجتمع المدني.
– إجراء حوار ضعيف وشكلي مع أولياء التلاميذ. وقد صرّح وزير التربية يوم انطلاق فعاليات ندوة “دراسة مخرجات الحوار الوطني في الجهات” يوم 16 نوفمبر الماضي، أن نسبة مشاركتهم لا تزيد على ربع الجمهور الممثل لهم. والجميع يعلم أن استشارة الأولياء قد تمت في ظروف أبعد ما يكون عن الجدية. فهم لم يعلموا بموعد الاستشارة إلا في وقت قريب جدا من موعد انطلاقها (قيل، قبل انطلاقها بيوم واحد)، كما أنها نظمت في “طُنبُكْ العطلة الصيفية” وانتشار العائلات على الشواطئ وانشغالها بالمناسبات العائلية المختلفة.
– فرض قيادة ثلاثية (الوزارة- اتحاد الشغل- المعهد العربي لحقوق الإنسان) يطغى عليها المنزع الإيديولوجي الإقصائي والاستئصالي والذي له مشكلة مع هوية البلاد العربية الإسلامية التي تبناها دستور البلاد الجديد والاستعاضة عنها بهوية مركبة بونيقية- فينيقية- رومانية- بيزنطية- بربرية- عربية- إسلامية (انظر وثيقة شبكة عهد للتربية والموطنة، ذات المنزع الفنطري (نسبة إلى الأستاذ فنطر منظّر الخلفية الحضارية للإصلاح التربوي في عهد الرئيس السابق بن علي، الذي يعتبر الرومان أجدادنا، لا المواطنوان الأحرار (الأمازيغ) ولا العرب المسلمون). وهو ما سيتجلى لاحقا، وعلى مراحل، في إرادة استبدال الحرب على الإرهاب بالحرب على التدين، الإسلامي منه خاصة: انتهاج سياسة تجفيف منابع التدين والروحانية تحت غطاء تجفيف منابع الإرهاب، وإلحاق جيل الأطفال والشباب الحاليين بأحفاد الرومان وورثة حضارتهم الأوروبيين، انطلاقا، في المحيط العلماني التغريبي الفرنكفوني الأوسع، خارج هيئة الإصلاح في الوقت الحاضر، انطلاقا من نظرية الجندر ومن الترويج للمثلية الجنسية، على غرار ما يجرب الآن رسميا في المدارس الفرنسية، وانطلاقا من مظاهر مختلفة أخرى لانحلال الشخصية الوطنية الأصيلة، أخذا بقشور الحضارة وانتكاساتها، على حساب الأخذ الحقيقي بأسباب التقدم العلمي والثقافي الكوني والرقي القيمي الأخلاقي والمدني.
2- التراجع عن تشكيل الهيئة الوطنية الموسعة للإصلاح التربوي. ففي لقاء جمعني بالسيد وزير التربية في نهاية شهر ماي الماضي بمقر الوزارة، بدعوة منه، صرّح لي بنيّته توسيع قاعدة الإشراف على مسار الإصلاح التربوي، ليستوعب بقية المنظمات الوطنية والأحزاب الفاعلة في البلاد وخبراء تربويين مشهود لهم بالكفاءة، ثم صرح بذلك علنيا في الإعلام، وضرب موعدا له، هو منتصف شهر أكتوبر 2015، ثم أعلن تأجليه إلى موفى ذلك الشهر، ولكنه في الأخير، عدل عن ذلك، ربما بتأثيرات مختلفة، واستبدله بمجرد ندوة تدوم ثلاثة أيام، لم يدع لها لا المنظمات الوطنية ولا الأحزاب، ولا الجمعيات والشبكات المدنية من خارج الثالوث المشرف على الحوار، عدا ممثلين اثنين عن الائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية، الذي يضم أكثر من 250 جمعية، بحكم الإحراج الإعلامي والضغط المدني بالحجج الدامغة، الذي مارسه الائتلاف على وزارة التربية، ولكنه اضطر (الائتلاف) للانسحاب في اليوم الثاني من الندوة (يوم 17 نوفمبر 2015) لما تأكد من عدم جدوى استمراره فيها، بحكم التوجه السّجالي والدغمائي اللاتعددي الذي أظهرته قيادة الإصلاح التربوي، وعلى رأسها السيد عادل حداد والسيد نجيب عبد المولى، اتجاه تدخلات ومقترحات ممثليْ الائتلاف المدني في تلك الندوة (الأستاذ الدكتور محمد بن فاطمة والدكتور مصدق الجليدي) المدعومة بالحجج العلمية والمنطقية، واحتجاجا على انقلاب قيادة الإصلاح على أهم ما جاء في التقرير التأليفي لمخرجات الحوار الوطني الذي أنجز تحت إشرافها هي نفسها، والمتطابق في عديد المسائل مع وجهة نظر الائتلاف وما جاء في كتابه الأبيض لإعادة بناء المنظومة التربوية. اضطرا هذا الناشطان المدنيان والخبيران التربويان الممثلان للائتلاف للانسحاب من تلك الندوة، رغم أنهما يُعدّان من بين الخبراء التربويين الدوليين القليلين في تونس، وبانسحابهما من تلك الندوة لم يبق فيها، من بين المائتي وسبعين مشاركا، أي خبير تربوي دولي تونسي واحد، عدا، ربما، ممثل اليونيساف في تونس.
3- انتهاج سياسة شعبوية (استمالة واستدرار تعاطف أولياء التلاميذ على حساب كرامة المربين، وعلى حساب مستوى التكوين العلمي للتلاميذ) والاعتماد على البروباغندا الإعلامية الجوفاء وأسلوب المناورة ومحاولة الاحتواء والتسويف وإخلاف الوعود (مثال ذلك طريقة تعامله مع الائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية ومع التحالف المدني من أجل التعليم)، وهو ما لا يليق بمكانة وأخلاقيات مسؤولين كبار عن قطاع حساس من المفترض أن يكون خير ممثل للقيم والمثل العليا، الذي هو قطاع التربية.
4- عدم الأخذ بأهم ما أفرزه “الحوار الوطني في الجهات” وبما ائتمنهم عليه المربون في الجهات من توصيات، نظرا لعدم تماشيه مع الاختيارات والتمشيات المسبقة للوزير ولهيئة القيادة الوطنية للإصلاح التربوي (المجلس الأعلى للتربية- الميثاق الوطني للتربية- كلية تربية- المعهد الوطني لتقييم المنظومة التربوية). وفي هذا الأمر مخالفة لواجب حفظ الأمانة والتكريس الفعلي للديمقراطية التشاركية التي ينص عليها دستور البلاد، وفيه عودة إلى سياسة الإسقاط الفوقي لاختيارات وقناعات محكومة بقناعات أقليات إيديولوجية استئصالية ومرتهنة لحسابات فئوية ضيقة، من خارج الضمير الجمعي والتوجه الروحي لعموم الشعب.
5- إيهام المنظمات الدولية ذات العلاقة بالتربية والثقافة والطفولة، بحصول هذه الهيئة، خلافا لواقع الحال، على إجماع وطني منقطع النظير حول تمشيها المعتمد في الإصلاح التربوي.
ثانيا- المستوى المنهجي:
لقد نظمت وزارة التربية وشريكاها في الحوار الوطني حول إصلاح المنظومة التربوية (الاتحاد العام التونسي للشغل والمعهد العربي لحقوق الإنسان)، كما سبق ذكره، ندوة وطنية حول مخرجات “الحوار الوطني حول الإصلاح التربوي”، وقد اشتمل جدول أعمال الندوة التي تدوم ثلاثة أيام (16-17-18 نوفمبر 2015) على اثني عشر ورشة فنية تغطي محاور مختلفة شملها الحوار المشار إليه.
وقد دعي الائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية لترشيح ممثلين اثنين عنه للمشاركة في أعمال هذه الندوة. وبهذه المناسبة قدم الائتلاف ملاحظاته على هذا التمشي الذي اعتمدته الأطراف المشرفة على هذا العمل، من قبل حتى أن ينسحب لاحقا من هذه الندوة. وهذه أهم تحفظاته المنهجية على تلك الندوة وعلى التمشي المعتمد عموما من قبل هيئة الإصلاح التربوي من الناحية المنهجية البحتة، والتي ثبتت وجاهتها لاحقا من خلال المعاينة الفعلية لسير أشغال الندوة:
1- يستند عمل هذه اللجان، بحسب ما أعلنت عنه قيادة الإصلاح التربوي الرسمية، إلى “التقرير التأليفي للحوار الوطني حول إصلاح المنظومة التربوية”، بينما يشكو هذا التقرير من خلل علمي وفني واضح:
أ- فهو أولا ليس تقريرا تأليفيا لأنه افتقد لعنصر التحليل وفق تقنيات تحليل المحتوى المعروفة، وإنما هو مادة خام ما زالت بحاجة إلى معالجة فنية ليمكن استخراج تقرير تأليفي منها.
ب- صيغة التقرير غير وَظَفيّة، أي غير قابلة للاستثمار من اللجان الفنّية التي ستشتغل على مختلف محاور الإصلاح التربوي. فقد قدّم هذا التقرير عرضا خطّيا للبدائل التي كان عددها (411) بديلا؛ وهو عدد مرتفع جدا. ونعلم من منظور علوم التربية، أنّ طبيعة المفردات (أو العناصر) التربوية (ممثلة هنا في البدائل) لا يجوز ترتيبها من (1) إلى (411) مفردة؛ حتّى وإن جاءت في محاور متباينة؛ وإنما يجب تجميعها في مجموعات لأنّها تخضع لمنطق “الهباءة” (molécule) من حيث طبيعتها وتركيبتها؛ مّمّا يتطلّب إجراء تحليلات معروفة في منهجية البحث العلمي المطبّق في علوم التربية.
ج- وقبل هذا كلّه، لم ينطلق التقرير من تشخيص علمي منهجي لواقع المنظومة التربوية ولا للإصلاحات التربوية السابقة، وهو ما يفضح الخيار محض استصلاحي الذي مضت فيه هيئة قيادة الإصلاح الحالية، هذا الخيار الذي أعلنت عنه الوثيقة المنهجية التي أصدرتها وزارة التربية منذ أفريل، 2015، وهو ما يعني عدم القيام بنقد جذري وإصلاح معمق للنظام التربوي الحالي.
2- نُظّم العمل في هذه الورشات بحيث تشتغل كل ورشة بمعزل عن الأخرى في البداية، ثم تعرض ثلاثا ثلاثا وتناقش ثم تصاغ في النهاية توصيات عامة. هذه الطريقة في العمل لا تتواءم مع مفهوم المنظومة التربوية التي ترتبط كل مكوناتها وعناصرها ببعضها البعض، ولا تستحضر قاعدة أن مجموع الأجزاء لا يساوي الكل (نظرية الجشطلت). فمثلا “لجنة المبادئ العامة” التي ستصوغ ملامح رؤية استراتيجية للإصلاح التربوي وكذلك أطره المرجعية، ستشتغل بمعزل عما سيجري في بقية الورشات، بينما الأولى أن تستأنس هذه الورشات بنتائج عمل لجنة “المبادئ العامة” أولا، وأن تتقيد بها، نظرا لقيمتها الاستراتيجية الكلية والتوجيهية. وكذلك الأمر بخصوص علاقة بقية الورشات الجزئية ببعضها البعض. فمثلا ورشة التقييم التربوي في علاقة مباشرة بورشة المقاربات البيداغوجية، لأن لكل مقاربة بيداغوجية (ذات خلفية سلوكية أو بنائية أو عرفانية) نوع من التقييم خاص بها، وكذلك الشأن بخصوص علاقة هذين الورشتين بكل من ورشة الزمن المدرسي والحياة المدرسية…الخ.
3- وقبل هذا كلّه، كان من الأجدر أن تحتكم كل المسائل الجزئية للمنظومة التربوية لمرجعية وطنية مشتركة، هي “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” أو “دستور المدرسة التونسية”، الذي يجب أن يصاغ في إطار “المجلس الأعلى للتربية والتكوين”، والذي يجب أن يسبقه حوار وطني تشاركي واسع. فعمل الورشة الأولى (ورشة المبادئ العامة التي ستعمل لمدة يوم ونصف يوم أو أقل) لا يعوّض بأي حال “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” الذي سيأخذ الوقت الكافي لبلورته على نحو علمي متين يحقق أوسع إجماع وطني ممكن.
4- كما يجب أن يختار لهذا الإصلاح مدخلا (براديغم: نموذج إرشادي) من المداخل المعترف بها عالميا في هندسة تقييم النظم التربوية وإصلاحها، تستمدّ منها معايير الإصلاح. لأن ما تقدمه الهيئة المشرفة على الحوار إلى حدّ الآن هو بعض عناصر الإصلاح دون أن تدعو إلى تحديد كيفية إجراء هذا الإصلاح علميا، وهو ما يفتح الباب أمام إسقاط الانطباعات والقناعات الشخصية والتحيزات الإيديولوجية والحسابات السياسية والحزبية الضيقة.
5- إن الإصرار على العمل بهذه الطريقة المجتزئة واللاّتفاعلية وغير المستندة إلى رؤية استراتيجية جامعة وغير المعتمدة لمنهجية هندسة تقييم النظم التربوية وإصلاحها، لا يقدم ضمانات علمية لإجراء إصلاح تربوي عميق وجذري، وإنما يكرّس فقط ما أعلنت عنه الوثيقة المنهجية لوزارة التربية من تمشّ محض استصلاحي، أي سطحي: القيام ببعض الرتوشات دون المسّ من جوهر النظام المحتكم إلى خلفيتين كبيرتين: مواجهة تنامي الظاهرة الدينية (إصلاح 1991) بمقاربة تفكيكية لأصول الثقافة الوطنية الأصيلة، والاستجابة لأجندة العولمة الرأسمالية المتوحشة (إصلاح 2002) بتخريج تقنيين يحسنون فقط استهلاك منتوجات الأسواق العالمية الجديدة، ولا يحسنون لا التفكير ولا النقد ولا الإبداع، ولا الدفاع عن الأوطان والتضحية بالغالي والنفيس من أجل صيانة سيادتها واستقلالها. وفي هذا خطر كبير على سلامة الدولة التونسية وأمن الشعب التونسي وكرامته. وهذا ما يحيلنا إلى المستوى الثالث والأخير من قراءتنا النقدية التقويمية للمسار الرسمي للإصلاح التربوي، وهو:
ثالثا- المستوى القيمي المرجعي:
من أهم المسائل التي لم تلق ترحيب المشرفين الحاليين على الإصلاح التربوي، الذين هم في الغالب من المشرفين السابقين على إصلاح 2002، هو إيلاء قضية القيم ما تستحقه من عناية في باب مبادئ النظام التربوي المنشود، بدعوى أن قيم حقوق الإنسان وقيم الثورة تغني عما سواها، بينما ما نشاهده اليوم من عنف في المدارس وخارجها وهبوط أخلاقي وقيمي عام في المجتمع يستوجب العودة إلى قيمنا وأخلاقنا الأصيلة التي فيها توقير الكبار واحترام العلماء والمعلمين وآداب التعامل والتخاطب مع الغير. وهو باب أثبت النظام التربوي الياباني تفوقا باهرا فيه، إلى جانب تفوقه في باب الإبداع العلمي والتكنولوجي، بخلاف النظام الفرنسي، الذي هو نظام جاف في مستوى القيم والأخلاق الوطنية الأصيلة، التي حولها إلى نوع من تكنولوجيا التعامل والتواصل المجدي براغماتيا، لا أصول وجدانية وروحية وفلسفية عميقة لها. وحتى قيم المواطنة وحقوق الإنسان، لم تعد الفلسفة الحديثة لوحدها كافية لضمانها حقيقة، كما دل على ذلك الحوار الشهير بين الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس والفيلسوف الألماني البابا المتخلي بنيدكت السادس عشر، الأب جورج ريتزنغار (اسمه الأصلي قبل اعتلاء كرسي البابوية)، وما أوصيا به في نهاية حوارهما من ضرورة العودة إلى الأصول الروحية للقيم الإنسانية والكونية التي تتضمنها منظومة حقوق الإنسان.
والأخطر من هذا هو ما أعلن عنه أحد أعضاء هيئة القيادة الوطنية للإصلاح التربوي والكاتب العام لنقابة متفقدي التعليم الثانوي أحمد الملولي في ورشة إقليمية بعمان (الأردن) يوم 7 ديسمبر 2015 (كنت من المشاركين فيها)، من اعتزام الهيئة طرح مشروع حذف تدريس مادة التربية الإسلامية وحذف تحفيظ قصار السور من البرامج التعليمية بالابتدائي، بدعوى إسهامها في تخريج الإرهابيين، لذكرها للـ”كفار” و”المسلمين”، واستبدالها في الثانوي بمجرد مادة الأديان المقارنة دون التركيز على الإسلام (دين الشعب ودين الدولة الرسمي)، بدعوى التربية على التسامح بين الأديان. بينما ما قد يؤدي إليه هذا الاختيار في ما لو تم، لا قدّر الله، هو اجتثاث روح الانتماء إلى الدين الإسلامي وإلى الهوية العربية الإسلامية من نفوس الناشئة، أو على الأقل، ضعف الوازع الديني لديهم، وما ينجر عن ذلك من تحلل من كل أخلاقيات العفة والاستقامة، أو على العكس من ذلك، وبالتطابق معه في الآن نفسه، الوقوع في شباك التطرف الديني والإرهاب، كردة فعل على هذا التجفيف المنهجي لمنابع التدين والروحانية لدى الجيل الجديد. وهو اختيار معاكس أيضا للاستقامة ولأخلاق العفة الحقيقية. وقد رأينا كلنا كيف أن شبابا وشابات نجحوا الأوائل في الشعب العلمية، مع ضحالة وفقر في التكوين الديني والثقافي، قد انضموا إلى الخلايا الإرهابية لتنظيم أنصار الشريعة التونسي (مثال ذلك الشابة التي نجحت بمعدل 18 في باكالوريا شعبة الإعلامية ببنزرت والتي قتلت وهي تقاتل بالكلاشينكوف قوات مكافحة الإرهاب بمنطقة واد الليل، وبيدها رضيعها، الذي أنجبته من أحد المتطرفين الدينيين).
كل هذا في تعارض تام مع نص عليه الدستور، وخاصة في فصله التاسع والثلاثين، من ضرورة عمل الدولة التونسية على “تجذير الناشئة في هويتهم العربية الإسلامية”، التي هي في تونس هوية مُشْبعة بروح التسامح والاعتدال والقراءة المقاصدية للنص (مدرسة الطاهر بن عاشور الاجتهادية) وذات ملمح ثقافي فقهي وأصولي مالكي/أشعري عقلاني يقول بالمصالح المرسلة (إبداع حلول مستجدة لتحقيق المصالح المعيشية العامة) والذي يضمن بحسب القراءة الخلدونية له، الاستعاضة عن علم الكلام الغارق في التهويمات الميتافيزيقية بتأسيس علوم الإنسان والعمران البشري في السياق العربي الإسلامي.
والبديل عن سياسة تجفيف منابع التدين والروحانية في رأينا هو اعتماد سياسة التنوير الديني عوضا عن سياسة تجفيف منابع التدين التي ظهرت مساوئها الجمة ومخاطرها الكبيرة، وذلك انطلاقا من إرثنا الفقهي المستنير ومن تراثنا الفلسفي العقلاني (المدرسة المغاربية- الأندلسية: ابن رشد- ابن حزم- ابن خلدون) ومن كل ما هو كوني حقيقة وتواصلي حقيقة في الفكر الإنساني العالمي قديما وحديثا.
فالخطر كل الخطر إذن، هو في ترك هذه الهيئة الإصلاحية ( المنحرفة عن الطريق السوي على المستويات السياسية والمنهجية العلمية والقيمية)، تركُها تكرر نفس الأخطاء التي حصلت مع إصلاحي 1991 و2002، والتي انجرّت عنها كارثتان وطنيتان:
– فشل النظام التعليمي والتربوي فشلا ذريعا في تحقيق غاياته وأهدافه، ومن ذلك فشله في تخريج كوادر متمكنة لغويا ومنهجيا وعلميا وقيميا ومهنيا.
– تخريج الآلاف من المتشددين دينيا ومن الإرهابيين جراء ردة فعلهم المزدوجة، على عدم استيعاب سوق الشغل لهم، لإصابتهم باليأس والإحباط، من ناحية، وعلى ضحالة ثقافتهم الدينية وسطحية تجربتهم الروحية من ناحية ثانية، وهو أمر اعترف به وزير التربية الحالي السيد ناجي جلول نفسه، عندما لاحظ في تصريج إعلامي، أن العدد الأكبر من الإرهابيين لم يأت من المساجد وإنما من مدارس وزارة التربية.
وما نطرحه في الائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية لتجنب هذا المآل الأخير الخطير، هو انتهاج سياسة التنوير الديني، عوضا عن سياسة تجفيف منابع التدين، تحت غطاء تجفيف منابع الإرهاب. ونُذَكّر هنا بأن الحداثة الأوروبية نفسها، التي يزعم المنتسبون لهيئة الإصلاح الحالية اتخاذها نموذجا في الإصلاح التربوي والمجتمعي، هذه الحداثة انطلقت أول ما انطلقت، من فلسفة التنوير الديني مع كانط (وكتابيه “الدين في حدود مجرد العقل” و”أسس ميتافيزيقا الأخلاق”)، ومع سبينوزا (وكتابه “رسالة في اللاهوت والسياسة”) ولسّنج (وكتابه “تربية الجنس البشري”) وغيرهم من فلاسفة التنوير الديني…
لكل ما سبق، ولما انطوى عليه من كشف عن إخلالات فادحة ومخاطر جمة على حاضر ومستقبل المدرسة التونسية، على المستويات السياسية-المدنية (غياب الديمقراطية التشاركية، التي هي ضمانة من ضمانات العدالة والسلم الأهلي) والمنهجية العلمية (عدم اعتماد منهجية هندسة إصلاح النظم التربوية) والقيمية (اعتماد خيارات عولمية مسقطة على حساب اختيارات قيمية وطنية أصيلة)، لكل هذا، نطالب في الائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية بسحب ملف الإصلاح التربوي من الهيئة الحالية للإصلاح وتكفل مجلس نواب الشعب به، أو بتشكيل هيئة وطنية موسعة تمثل فيها كل الأطراف الفاعلة المعنية بالشأن التربوي، تمثيلا متوازنا، إلى حين بعث المجلس الأعلى للتربية والتكوين، كما نطالب بإنشاء “كتابة دولة للإصلاح التربوي” تعطي لملف الإصلاح ما يستحق من المتابعة والعناية على المستوى الاستراتيجي، بعيدا عن الارتجال والتسرع والإسقاط واللاعلمية.
وفي كلمات معدودات نطالب بثلاثة أمور:
– اعتماد تمش ديمقراطي تشاركي حقيقي (كما يفرض ذلك الدستور)
– اعتماد منهجية علمية والتخلي عن الإسقاطات الإيديولوجية الضيقة.
– اعتماد سياسة التنوير الديني والتكوين القيمي الحداثي الأصيل عوضا عن سياسة تجفيف منابع التدين والروحانية التي ثبت فشلها وخطرها.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: