mohamed-hnid-le-livre-noir-a-ete-fuite-de-l-imprimerie-officielle

تونس أم “عصابات السراق” بقلم محمد هنيد

تونس أم “عصابات السراق”

نعت “العصابات” شديد الوقع على المتكلم والسامع معا لكنه اللفظ الأول الذي نطق به ربيع عرب في الريف التونسي الفقير يوم ١٧ ديسمبر٢٠١٠. شعار ” التشغيل استحقاقْ يا عصابة السراقْ”هو أول الشعارات التي صدعت بها حناجر الأحرار في “القصرين” و”سيدي بوزيد” و”الرقاب” و”بوزيان” و”تالة” وهو النعت الذي أطلقه الشباب التونسي الفقير والمعطل عن العمل ممن نهبت ثرواتهم على “جلاد الشعب” وعلى نظام الرئيس الهارب. وَعْي الشارع نطق بما لا يمكن أن تنطق به “نُخب العار التونسية” في وعيها وفي لا وعيها بل اقتصر دورها على إيهام الشعوب والجماهير بالنضال و بمقاومة الاستبداد في حين كانت جزءا أساسيا منه ومن هيكله وشرطا أساسيا من شروط وجوده إلا من رحم ربي وهم قليل نادر لا يكاد يذكر. هذا الوعي القاعدي العميق بطبيعة النظام الحاكم بما هو “تجمع عصابات” و”قطاع طرق” هو الذي فجّر ثورة الحرية والكرامة في تونس وفي كامل المنطقة العربية بعد ذلك وهو الذي حرّك الجماهير التي مازالت إلى اليوم تصارع معاول التخريب والدمار في كل الميادين والساحات. “العصابة” التي طالبت الجماهير في تونس بإسقاطها لا تقتصر على الدائرة الضيقة المحيطة برأس الاستبداد فقد أثبت الربيع أن هذه الدائرة هي أضعف الحلقات في بنية النظام. هي “عصابات” وليست عصابة واحدة هي جمعٌ وليست مفردا لأنها حاضرة في كل مستويات المجتمع والدولة لكنها تتركز في أعلى هرم النظام السياسي المرئي فتقترب من السطح وتكوّن الجزء المرئي الأساسي من كامل البناء الاستبدادي. حين يسقط النظام تقطعُ الثورات الجزءَ المرئي من بنيته لكنها لكي تنجح فلا بد لها من استئصال كامل الجزء المخفي من هذه البنية وهو ما يسمى بالدولة العميقة أو نظام العمق. ما لم تنزل معاول الثورات إلى العمق وما لم تقطع كل جذور التي تمدّ السطح بالحياة فإن الدولة العميقة ستعود إلى المشهد أي إلى السطح من جديد ولكن بأشد وحشية وعنفا مثلما هو الحال في مصر. “العصابة” هي في الحقيقة سلوك قبل أن تكون تجسيدا لهذا السلوك هي أقرب إلى مجموعة من الشروط منها إلى التجسيدات البشرية الفردية أو الجماعية لهذه الشروط. هذا البعد الجديد يعطي للعصابات التونسية خاصة والعربية عامة بنية جديدة تتمثل في توزعها من الدائرة الضيقة إلى دوائر كثيرة محيطة بها وكلما ابتعدنا عن المركز يختفي وضوح الدوائر للتحول إلى كيانات لا مرئية يصعب تعقبها وهي أخطر الكيانات لأنها تتحلل وتتخفى وتنتج القابليةَ للاستبداد بما هي أخطر نتائجه. اليوم كشفت الثورة في تونس وفي المنطقة العربية كلها حجم الخراب الذي خلفته العصابات العربية على الأمة والأوطان وهو دمار لا يقتصرعلى البنية التحتية فإنها جزء يسير سهل الترميم في أعمار الأوطان والأمم. الدمار الكبير لحق بالثروات المنهوبة والموارد المبددة لا بإعتبارها موارد ثروة وطنية في حد ذاتها فقط ولكن بما هي شرط ضروري ومادة أولية لتحقيق شروط التنمية البشرية. فلا صحة ولا تعليم ولا مرافق اجتماعية دون استعمال مسئول ومراقَب للثروات الوطنية التي تُعدّ العصب الحقيقي لنهضة كل الأمم والشعوب. الدمار الأعظم كان كذلك في الوعي وفي مجموع المستويات المكونة للبنية الفوقية للدولة والمجتمع أي مجموع الرؤى والتصورات التي يكوّنها المجتمع عن نفسه وعن العالم ومجموع السلوكات وردود الأفعال الناجمة عن هذا الوعي سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. اليوم أيضا يدرك التونسيون حجم التزييف الذي طال ثرواتهم الباطنية طوال ما يُعرف زورا بمرحلة الاستقلال بعد ان كشفت تقارير الخبراء والمختصين منظومةَ النهب المهيكل لثروات الشعب من طرف الشركات الأجنبية. ففي المناطق الأكثر فقرا خاصة في الجنوب التونسي كشفت التقارير عن نزيف بالمليارات لصالح شركات أجنبية من النفط والغاز والملح والفسفاط وغيرها كثير من المعادن والمواد الأولية النفيسة. منطقة “الفوّار” من ولاية قبلي الواقعة في الجنوب الغربي للبلاد التي تحرك شبابها مؤخرا من أجل المطالبة بالتشغيل والعدالة الاجتماعية والحق في توزيع عادل للثروات لا تملك مرفقا عموميا واحدا باستثناء مركز للحرس الوطني لقمع كل مُطالب بالتغيير. هاته الثروات المنهوبة هي في الحقيقة شرط ضروري لتفعيل التنمية البشرية وتحقيق شروط القدرة على تغيير حياة الفرد والمجموعة نحو الأفضل. معركة الثروات الطبيعية هي أمّ المعارك الحقيقية في تونس اليوم فهي البلاد العربية الوحيدة التي لا تعلم حجم ثرواتها الطبيعية ولا تصرّح بعدد حقولها النفطية ولا تملك عدادات على الكثير من أبار النفط والغاز التي يستحيل الاقتراب منها أو من الشركات الأجنبية التي تديرها وتستغلها. فبعد أن كان موضوع الثروات الباطنية من المحرمات في عهد الوكيلين الأول أي “الحبيب بورقيبة” والثاني أي الرئيس الهارب كشفت الثورة التونسية كيف كان ملف الثروات الباطنية حكرا على الدائرة الضيقة المرتبطة بالرئيس وعائلته ولماذا كان محسوبا من المحرمات. اليوم يدور الصراع الجديد في تونس حول وعي الشارع بحجم الثروات الوطنية وهو ما يخشاه نظام العصابات لأنه يعلم أن مدار الصراع مستقبلا هو كيف نحوّل هذه الثروات إلى نماذج تنموية تحقق بعضا من شعارات الثورة التونسية الخالدة وتقطع رأس الأفعى نهائيا وتكنس إلى مزبلة التاريخ العصابة ومن وراءها. محمد هنيد

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: