أسامة

” تونس الثورة المغدورة: شبابها أمام المحاكم و أعداؤها على الكراسي ” … بقلم الناشط السياسي أسامة بن رجب

 في الزمان الذي انقلبت  فيه المفاهيم  و التموقُعات فأصبح الظالم فيه صاحب حق و ضحية يتباكى على أسوار الإعلام النوفمبري  و أمسى المظلوم فيه مُدانا مطالبا بتقديم الولاء والطاعة بل حتى الاعتذار.

في زمان اختلف فيه قادة المسلمين في أرض الخضراء وتنازعوا على مناصب زائلة وكراسي مهترئة ..  لكنهم اتفقوا على معاداة الإسلام بل ومحاربته ..اتفقوا على محاربة أحكام من له “كرسي” عرش الدنيا والآخرة الدائم الذي لا يزول ..تسابقوا للرذائل و تجاوزوا الخيرات ..
تسابقوا لترضية الغرب الكافر المستعمر و تجاوزوا حدود رب المشارق والمغارب
في وفاق أضاع الحقوق والحقائق و همّش القضايا الحارقة
بعد ثورة كرامة  , يداس على كرامة شباب الثورة ! .. بُعيد أربعة سنوات فقط يصطفّ شبابها أمام المحاكم في مشهد مخزي وهم أصل الفعل الثوري و فصله ,  أما من يحكم  اليوم , ذلك الذي تولّى على قصر قرطاج  و زبانيته ومن “أمر بإلإلتفاف حوله”  فهم الإستثناء .. إستثناء التاريخ والحضارة والثورة !
صدقت يا رسول الله.. هي الأيام الخداعات..

 

محاكمة شباب الثورة
يقف اليوم الإثنين التاسع من مارس المدون راشد الخياري مدير موقع الصدى أمام المحكمة الإبتدائية بتونس .. ليس  بتهمة زيارة سفارات الدول الإستعمارية أو تلقى هبات وسيارات  فاخرة من الخارج أو الإستهزاء بأهالي شهداء الثورة  .. لا .. فما سبق ذكره من أعمال حُكمها المباح في بلادنا بل الواجب  , لكن المحرّم التحريم الشديد هو فضح الأنشطة الإستيطانية الصهيونية من خلال مؤسسات تعليمية ظاهرها التعليم والتثقيف وباطنها تطبيع مع كيان مغتصب هجين على أراضي المسلمين..
الخياري لم يكن الإستثناء بل سبقه للوقوف أمام المحاكم ظلما و بهتانا , أيمن بن عمار و اسامة زعيدة و يوسف عبيد الذين حكم عليهم بدون وجه حق , و هم في عقدهم الثاني ,  بأربعة سنوات سجنا فقط لأنهم أرادوا البحث في  غير المسموح به عند صناع الحراك الإرهابي في تونس ,قضية إغتيال شكري بالعيد ولعل مصيرهم أفضل من مصير الكاهنة  فتاة حزب العمال التي إكتشفت  حقائق صادمة في القضية ليَتم قتلها والغريب أنه حتى أبناء حزبها لم يطالبوا بكشف حقيقة قتلها !!
و ما فوزي بن مراد  الناطق الرسمي بإسم لجنة الدفاع في القضية عليهم ببعيد.. ذلك الذي قُتل بسكتة قلبية  بعد ما صرح به مباشرة في ندوة صحفية حول كشف خبايا القضية
دون أن ننسى شباب الفلاقة هؤلاء الشباب المبدعون في مجال السلامة المعلوماتية الذين لا يزالون في السجون  بسبب مهاجمة مواقع صهيونية على الأنترنات
أخيرا و إن شاء الله آخرا محاكمة المدون ياسين العياري الذي حكم عليه  صبيحة الثلاثاء 3 مارس بالسجن ستة أشهر لا لشيء غير تدوينة  في الفايسبوك في ضرب واضح لحق التعبير كاشفا بذلك زيف من صدّعوا لنا رؤوسنا بحرية  التعبير وهم برفعها كشعار لا يبتغون غير التجارة بها لمصالح شخصية

 

الشارع والطبقة السياسية
هذه المحاكمات وغيرها من الأحداث إبتداءا من صعود أحد أكبر المساهمين في الظلم والتعذيب أيام توليه وزارة الداخلية في الستينات إلي سدة الحكم  مرورا بإهانة أهالي شهداء الثورة في عيد الثورة وعودة رموز النظام القديم للساحة السياسية  إنتهاءا , وهو الأهم , بالمعاناة اليومية لعموم الشعب و حتى الشباب الطلابي والتلميذي جعلت الشارع في حالة غليان متواصل فهل يدرك متصدروا المشهد السياسي أن الشارع أقوى من السياسيين الحاكمين و ألاعيبهم؟

فهؤلاء يمكنهم بناء قصور من الأوهام وجنان بتصور الرضا الشعبي على ممارساتهم حتى يتفاجؤوا يوما  أن للشعب رأيا آخر و إتجاه مغايرا لما إنتهجه هؤلاء, فما المظاهرات  و الاحتجاجات التي ملأت الشوارع في عدة مدن أهمها في الجنوب عقُب خروج نتائج الانتخابات الرئاسية إلا دليل على حالة عامة من الاحتقان ورفض شعبي لعودة رموز النظام السابق..
احتجاجات شملت حتى الساحة الطلابية من طلبة الهندسة الذين أرهقهم نظام رأسمالي فاسد  أدركوا فساده وفساد القائمين عليه ليخرجوا في هبة جماهيرية شملت كل طلبة القطاع إلا دليل على انتهاء صلاحية هذا النظام وأهله
هكذا يمكننا أن نفهم أن في أي لحظة من اللحظات يمكن أن تندلع مظاهرات كاسحة تملأ الشوارع في مشهد يعيد للأذهان أيام شتاء ديسمبر 2010 و لكن هذه المرة لن تنطلي حيل هؤلاء على الشباب الثوري فقد تسلح الشباب بسلاح الوعي  وما الأحداث  الفارطة إلا سبب جعله الله للتمييز بين الخبيث والطيب وبين المخلص و العميل .

 

الشباب عماد التغيير
حقيقة ثابتة لا يمكن لكل صاحب عقل و بصيرة إنكارها وهي أن لا ذخيرة للتغيير غير الشباب و أنه هو ركيزة كل تحرك اجتماعي شعبي يهدف لقلب الأوضاع من  حالة التردي إلى طيب العيش .. فلا ثورة اندلعت ولا دعوة  قامت فنجحت إلا و الشباب عَصَبُها و ساعدها الفتي .. فهذا يتجلى أنما تجلي في سيرة سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم   حيث قال :”نُصرت بالشباب” فهم من الأوائل الذين آمنوا بيه  و تحملوا معه مشقة التغيير ولنا في أسامة بن زيد قائد جيش المسلمين وهو إبن الثامنة عشر خير مثال ..
في ثورة التونسية كان الشباب هو المحرك الرئيسي لكل التحركات الشعبية فهم من وجهوا صدورهم العارية للرصاص تاركين هموم الدنيا ورائهم غير عابئين بما ينتظرهم من بطش وقمع من الآلة البوليسية
الشباب اليوم كسر حاجز الخوف ولن يخضع للظلم والقهر من جديد تحت أي مسمى أو تعلة كالشرعية التوافقية أو الانتخابية  فلا شرعية تعلو على شرعية الثورة ..

طوق النجاة : الثورة أسس و ضمانات
بات واضحا أن لا سبيل لاقتلاع المنظومة القديمة برجالاتها وقوانينها تلك المنظومة التي أفقرت قوانينها و تشاريعها العباد وانتهك رجالاتها الأعراض وداسوا على كرامة أهل البلاد إلا بتوفر الأسس التالية :

1_ الوعي على أركان الفساد ومفاصله المتمثلة أساسا في النظام القائم في البلاد منذ ما يزيد عن ستين سنة  من قوانين وتشريعات منبثقة من عقيدة فصل الدين عن الحياة مؤسسة لمنوال اقتصادي رأسمالي  جعل الثروة حكرا على القلة  القليلة بينما يعاني عامة الشعب من الفقر والخصاصة .. فضلا عن إباحته للاستعمار الاقتصادي من خلال فتح المجال للشركات الأجنبية لنهب ثروات البلاد الطبيعية من غاز ونفط و غيرها .. ثروات وهبها الله لخلقه و ترك لنا التشاريع اللازمة  للتصرف فيها فهي ملكية عامة لا يجوز لا للدولة والأشخاص امتلاكها امتثالا لقول  رسول الله :” الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار”.

2_ عدم الرضا بالحلول الترقيعية التي من شأنها امتصاص حالة الغليان الشعبي لبرهة ببعض المنح أو الزيادات في الأجور وغيرها التي سيظهر عيبها بطول المدة فهي لا تتحقق إلا إستعانة بقرض  من إحدى المؤسسات المالية العالمية لتفرض هذه الأخيرة شروطها على الدولة فيتدخل مالكوها في صياغة التشاريع والقوانين التي تساهم في مزيد ترسيخ تحكمهم في معاشات العباد ونهبهم ثرواتنا ولنا في القرض الأخير بعنوان “إصلاح المنضومة  التربوية ” من  الإتحاد الأوروبي  خير مثال

3_  ضرورة وجود برنامج سياسي بديل واضح  المعالم لا مجرد شعارات جوفاء  , جاهزٌ للتطبيق , قادرٌ على معالجة كل المشاكل المطروحة  في المجال الاقتصادي و التعليمي والاجتماعي و نظام الحكم وحتى السياسة الخارجية , برنامجٌ مبني على عقيدة أهل البلد حتى يتمتع بالرضا الشعبي التام لا مسقطا عليهم  مطبقا بالحديد والنار كما كان النظام العلماني طوال عشرات السنين .

4_ قيادة سياسية واعية تحمل هذا المشروع   , قادرةٌ على جعله موضع تطبيق حاملة للعقيدة التي ينبثق منها البرنامج السياسي تحمل هموم الناس تعايش معاناتهم تخلص لشعبها لا تتخذ من سفارات الدول الاستعمارية مزارات تتلقى عندها الأوامر والقرارات

هذا ونسأل الله العظيم أن يفك أسر شباب الثورة الذين حُكم عليهم ظلما وبهتانا وأن يرحم شهداء الثورة ويجعل في من تبقى من الشباب الثوري ذخرا للاستكمال المسار

بقلم أسامة بن رجب – ناشط سياسي-
المصدر جريدة التحرير عدد يوم الاثنين 9 مارس .

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: