تونس…الثورة في عين الإعصار بقلم محمد هنيد

تونس…الثورة في عين الإعصار بقلم محمد هنيد

[ads1]

لا يختلف اثنان في أن ما حدث في مهد الربيع العربي البارحة جريمة في حق “جوهرة الساحل” الهادئة ومذبحة في حق ضيوف عزل أبرياء وطعنة نجلاء في خاصرة ثورة ١٧ ديسمبر الخالدة. بشاعة الجريمة ووحشية المعتدين وغموض الفعل الاجرامي نفسه تزيد من ترجيح إطار الفعل المدبر والعملية المخططة ذات الأهداف الثابتة خاصة مع تصريحات وزير الداخلية الخطيرة والتي أشار فيها إلى ” أن هناك جهات تعمدت إحداث فراغ أمني من أجل تسهيل إنجاز المذبحة “. لا تقع قراءتنا البتة داخل مجال التحليل التآمري لكن المعطيات على الأرض تؤكد أن تركيع المسار الانتقالي وضرب الوحدة الوطنية وخنق الاقتصاد التونسي هو هدف معلن للعصابات الاجرامية المتربصة بالمسار الانتقالي للثورة التونسية كما تؤكد على أن الجزء الأكبر من العصابة بمستوياتها المختلفة موجود في الداخل التونسي وقد نجح في إختراق أنسجة حساسة من أنسجة الدولة السيادية. كيف يمكن فهم الخلل الأمني المريب الذي تدخل بعد أربعين دقيقة من بدء إطلاق النار مما سمح للمجرمين بإحداث أكبر عدد من الضحايا في دولة تعيش تهديدا إرهابيا قائما ويوميا ولا زالت لم تندمل فيها جراح مذبحة “متحف باردو” في مارس الفارط ؟ لماذا لم يُقتل الإرهابي إلا بعد أن استنفذ كل خزانات الرصاص ولم يُقبض عليه حيا وهو الذي كان يسير بكل تؤدة في الأزقة المحاذية لمكان الجريمة ؟ لماذا يُدمر الصندوق الأسود للإرهاب دائما في حين يمثل المجرم في هذه الحالة كنزا استخباراتيا ومعلوماتيا كبيرا من أجل تفكيك الخلايا الإرهابية النائمة واستباق عمليات أخرى قد تكون مبرمجة في المستقبل ؟ كيف يمكن أن نتصورا نزلا بصنف خمسة نجوم لا يحتوي على آلات تصوير مراقبة في كل زاوية ونحن في سنة ٢٠١٥ وفي قلب الحرب العالمية على الإرهاب والأماكن السياحية كلها مهددة منذ بداية الثورة ؟ الصحف البريطانية والألمانية أشارت كلها إلى وجود أكثر من إرهابي واحد كما أكد الجرحى وشهود عيان من التونسيين والأجانب أن الرصاص المستعمل لم يكن من نفس النوع وهو ما يرجح ات الأسلحة المستعملة كانت متنوعة. أما ” إعلام العار البنفسجي” كما يسميه النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي فلم يتردد في استثمار الكارثة الوطنية لتصفية حسابات أسياده ومموليه من رجال العصابات الوطنية ـ وأركان دولة العمق التي لم تهرب مع “بن على” ـ مع خصومهم السياسيين. الثغرات الأمنية والاستخباراتية لا تحصى ولا تعد والعجز الاداري والحكومي لا تخطئه العين بل إن المصيبة هو قدرة الأمن الوطني على الأبرياء وعجزه أمام الإرهابيين والمجرمين مثلما هو الحال أيام “بن على”. الشاب “منذر زرق” من مواليد جيوب الفقر النائية جاء إلى الساحل باحثا عن عمل هناك فوجده في حضائر البناء ـ وهو الأستاذ المتخرج من معهد الرياضة ـ لكن صادف مروره من مكان الجريمة بثيابه الرثة وهيئته الفقيرة وصول الأمن إلى مكان الحادث ـ بعد نهاية المذبحة طبعا ـ فانقض عليه من بالمكان وأشبعوه ضربا واقتيد إلى مركز الأمن ليوقف ساعات طويلة ذاق فيها الأمرين ـ لمن يعرف ظروف الإيقاف المهينة في مراكز الأمن التونسية ـ المسكين لم يسلم من دوس كرامته من طرف كل من كان بالمكان بل إن أحداهن أدمت رقبتيه ويديه عضا ونهشا دون حماية الأمن له. المستأسدون من الأمنيين على الأبرياء أثبتت كل الروايات على عين المكان أنهم إما هربوا أو ألقوا بأنفسهم في الماء أو تخاذلوا عن أداء الواجب وهو ما يفسر بقاء الارهابي حرا أكثر من أربعبين دقيقة كانت كافية لإزهاق أرواح العشرات من الأبرياء. الحصيلة ما كانت لتبلغ هذا العدد لو تدخل أعوان الأمن وحماية المؤسسات في الوقت المناسب وهو ما تؤكده كل التقارير الصادرة في الصحف والمجلات البريطانية والألمانية لأن ” إعلام العصابات التونسي ” لا يوثق به فهو جزء من الجريمة جريمة التضليل والترهيب والاعتداء على القيم والثوابت الوطنية. هذا التقصير دفع وزير الداخلية إلى سلسلة من الإقالات في السلك الأمني ممن ثبت تورطهم في تأخر وصول التعزيزات إلى مكان المجزرة وقد كنا ننتظر أن يقدم الوزير نفسه استقالته وكذا كاتبه للأمن بسبب الفشل الأمني الكبير كما هو الحال في كل الدول التي تحترم شعوبها. الخلل الأمني يفسِّر كذلك عدد المحققين الأجانب الذين وصلو إلى تونس خلال الأيام القليلة الفارطة من أجل الكشف عن المتورطين والمتخاذلين في قتل أبنائهم في تحدّ واضح للسيادة الوطنية لكنه من جهة أخرى ضامن للكشف عن بعض خيوط اللغز لو صدق المحققون. من جهة أخرى لم تتردد “العصابة” في استثمار مصيبة الوطن من أجل مطالبة الدولة بالاستيلاء على أموال الشعب وإحداث ” صندوق لدعم السياحة ” وهو في الحقيقة صندوق لنهب المال العام ولفسخ القروض المتخلدة بذمة المؤسسات السياحية التي تحولت إلى واجهة لتبييض الأموال وللتهرب الضريبي ولاستنزاف الموارد الطبيعية من ماء وطاقة في حين لا يوفر القطاع إلا مواطن شغل ضعيفة وهشة لا يتعدى مردودها شهرين في السنة على أحسن حال. تونس لن تسقط كما يظن المتربصون بها في الخارج ووكلاؤهم في الداخل ولن تزيد الضربات الجبانة شعب تونس إلا لحمة ووحدة في مواجهة جلاديه وأعدائه وهو يعلم أن الإجراءات البائسة التي اتخذتها حكومة الثورة المضادة ـ بما فيهم حركة النهضة ـ ليست إلا ذرا للرماد في العيون وهي أخطر من الإرهاب نفسه. تهديد الأحزاب وخنق الحريات وخلق المليشيات وغلق المساجد ومحاربة الهوية وقيم المجتمع عبر ” إعلام الدعارة ” ونشر الرذيلة داخل الأسر وبين الشباب وعزل الأئمة الوسطيين دون حجة ولا وجه حق هو آخر منى الفكر الإرهابي وهو الخالق لأخصب تربة يترعرع فيها الفكر التكفيري المهدد للوطن والأمة.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: