تونس بين عهدين .. هل تعود للخلف ام تتجه للامام بقلم محمد خالد

ربما فقد العديد من التوانسة ذاكرتهم او فضلوا ان يتناسوا ما احدثه الحبيب بروقيبة فى عصره و هم متوجهون لغمس اصابعهم فى الحبر البنفسجى الخاص بالانتخابات.
او ربما تم غسل عقولهم حتى يفضل الناخب التونسى ان يكون مملوكا على ان يكون ملكا , ان يكون خانعا على ان يكون ثائرا , ان يكون عبداً على ان يكون سيداً , او ربما لا يفهم الكثير كيف يفكر الشعب التونسى لذلك وجب علينا العودة بالذاكرة قليلاً و ليس كثيراً لنذكر الشعب التونسى بعهود السابقين الذى انبثق من نظامهم الرئيس التونسى الجديد الباجى قايد السبسى .
لا ادرى فى الحقيقة من اين ابدأ و لكننى يمككنى البدء من حيث بدأ الحبيب بروقيبة فى بث أقواله بالصوت و الصورة قبل كل نشرة أخبار فى التلفزيون الوطنى تحت عنوان من توجيهات الرئيس و التى كان يتحدث فيها الى الشعب كأنه المعلم وهم التلاميذ فيضع يده على كل القضايا بدءً من السياسة و انتهائاً بالعلاقات الجنسية .
لا يسعنى الجزم بأن بورقيبة فى ذلك الوقت كان قد بدأ فى اغلاق الفضاء السياسى على الحزب الحاكم ((الحزب الاشتراكى الدستورى)) و انه بالفعل قد اصبحت السياسة حكر على هذا الحزب .
و فى احد توجيهات الرئيس التى كان اغلبها يستفز ايمان الشعب التونسى قال انه مثل سيدنا محمد جاء الى تونس فوجدها قبائل و عشائر متنافرة متباغضة فوحدها , و انه يختلف عن النبى لانه عمل بوحى عقله بينما كان النبى يتبع تعليمات الوحى .
فقد استخدم الاعلام كأى ديكتاتور ليؤكد انه رمز مقدس
فكانت الاذاعة التونسية تفتتح برامجها بما تسميه ((مدائح وطنية))
جاء فى أحد هذه المدائح التالى : “سيد الأسياد يا حبيب الغالى محرر البلاد”
و فى أحد تجلياته فى أحد الجامعات التونسية قال انه ليس عادياً و انه معجزة فقد انجب ذرية رغم انه بخصية واحدة
عزل بورقيبة الاسلام عن المجتمع و عامل خريجى الجامعات الاسلامية باحتقار حيث لم تقبل شهادتهم فى معظم الوظائف العامة .
دعى الى الافطار فى رمضان حيث زعم أنه يؤثر سلباً على الانتاج .
كرس الفرنسية كلغة رسمية فى مؤسسات الدولة فى محاربته للتوجه العربى حتى شاعت مقولة بين التوانسة ((اذا عُربت خُربت)) رغم ان هذا مخالف للدستور وقتها.
و بما ان الباجى قايد السبسى اتى فى بعض الاحصائيات ان 65% ممن انتخبوه نساء فيجب علينا ان نذكر ان بورقيبة جامل النساء فى الكثير من القضايا و لكن الأجدر بالذكر ان ما فعله افرز مشكلات اجتماعية من ارتفاع نسب الطلاق و تفشى الخيانة الزوجية فى مواجهة منع تعدد الزوجات .. ألخ
كل هذه التعديات جاءت فى شكل مقومات لإنشاء تيار اسلامى ممثلاً فى حركة الاتجاه الاسلامى التى اسسها الاستاذ راشد الغنوشى
سعت الحركة الى الامساك بالسلطة و استخدام بعض اساليب القوة لتحقيق ذلك حيث قام اعضاء من الحركة بمهاجمة مقرات للحزب الاشتراكى و ضرب اعضاء من الحزب و كان الغنوشى يرى ان هذا هو رد الفعل الطبيعى على ما تفعله السلطة .
و فى الاضطرابات التى احدثوها 1978 تجلى ظهور بن على حيث تطوع لسحق المتظاهرين فقتل فى هذه التظاهرات (حوالى 100 شخص) . اتى ذلك بعد تخلى وزير الدفاع عن تحمل مسؤولية انزال الجيش للقيام بهذا العمل .
كافئ بورقيبة بن على فى هذه الخطوة و نقله للسلك الدبلوماسى و ارسله سفيراً لتونس فى بولندا و لكن هذا لم يدم طويلاً حيث استدعاه مرة أخرى للتصدى للتظاهرات الشعبية التى حدثت فى 1984 على خلفية رفع اسعار الخبز و عينه وزيراً للدخلية و لكن انتفاضة الخبز لم تهدأ حتى تراجعت الحكومة عن رفع الأسعار .
و تجددت التظاهرات فى 1986 رافعة شعارات ضد بورقيبة شخصياً فأمر باعتقال قادة المظاهرات و هم قادة حركة الاتجاه الاسلامى و طلب من رئيس الوزراء حكم عليهم بالإعدام و عندما جادل فى قانونية الطلب .. اتى بالعبد المطيع له بن على و عينه مكانه و كانت الفرصة سانحة لابن على لتشكيل لجنة طبية قررت ان بورقيبة عاجز عن القيام بواجبات رئيس الجمهورية و تمت اقالته فى نوفمبر 1987 .
و قال المراقبون ان العملية تمت بتوجيه من السفارة الأمريكية التى كانت قد بدأت التوغل فى شمال أفريقيا ..
و بذلك انتهى عهد الديكتاتور بورقيبة ليخلفه عبده المطيع بن على معتمداً على خلفية سياسية متواضعة اقرب اليها البائس سياسياً .
و ما مرت الايام حتى ظهرت هذه الحقيقة فى رد عن سؤال حول الوضع فى بولندا خلال صعود نقابة التضامن حيث كان سفيراً لتونس أيامها هناك , فرد ((ليس هناك أى شئ , لقد اعتقلوهم جميعاً)) .
فتح بن على الفضاء السياسى و الاعلامى كى لا يلتفت احد الى وصوله الى السلطة بطريقة غير شرعية و عاد ليغلقه بعد اجراء انتخابات رئاسية فاز بها و بدأ حملة كبيرة لتصفية المعارضة .
و فى فترة الانفتاح القصيرة صدر قانون الاحزاب فتقدمت حركة الاتجاه الاسلامى للحصول على ترخيص الا ان القانون منعها من ذلك حتى تغير بعض سياستها فعادت تحت اسم حركة النهضة و مع ذلك رفض الطلب .
و كانت هناك بعض الاحزاب التى قررت التعايش مع المشكلات حتى لا تتعرض لما تعرضت له حركة النهضة من تنكيل و تعذيب لأعضائها و لكن هذا لم ينقص من عزيمة النهضة شئ حيث ظلوا فى مواجهة قمعية النظام حتى النهاية لذلك لم يتفاجئ أحد بفوزهم بالبرلمان بعد الثورة كمكافئة من الثوار لهم على وقوفهم امام بن على , اما التراجع النسبى لهم فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة قد يكون ارتبط بعدة عوامل يعلمها الشعب التونسى .
و ربما كانت اربع سنوات امسك فيها الاسلاميون بزمام الامور فى تونس كافية لطى صفحة الثورة بتدبير خارجى و محلى فقد تبدد الزخم الثورى و الحس الوطنى و الطموح و التفاؤل فلم يصبح أغلب الشعب التونسى يحلم الا بعودة الحياة العادية.
فحصل الباجى قايد السبسى على كرسى السلطة فى عودة واضحة لنظام بن على و الحقيقة اننى لم التفت كثيراً لتاريخ السبسى الملئ بالكوارث لانه معنا حالياً نعلم كل مصيبة له ولا يخفى على احد هيئته .
و بعد ايام من اعلان فوزه تم القبض على بعض المدونين و انزال الجيش لفض مظاهرات الجنوب و تدخل ابنه تدخلا سافرا ليشكر الأمن الرئاسى على منعه سهام بن سدرين رئيسة هيئة الحقيقة و الكرامة من رفع الأرشيف المتعلّق بأعمال هيئتها من قصر قرطاج فى اعلان صريح للسبسى بأنه يرفض منهج و قانون التداول السلمى للسلطة و الذى سيزيله مع الوقت .
يبقى السؤال ما هو مصير الحريات فى تونس .. و بالأحرى ما هو مصير تونس فى الأساس ؟

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: