تونس تُصارع نُخب أوهام الحداثة… مقال/ الباحث التونسي محمّد هنيد

تونس تُصارع نُخب أوهام الحداثة… مقال/ الباحث التونسي محمّد هنيد

لا يجب أن يفاجأ المتابع لإرث الاستبداد في تونس بالمستوى الذي بلغته “نُخب بن علي” في حربها على هوية الشعب وعلى قيمه مستهدفة كل المكاسب والروابط التي تصله بمحيطه العربي والاسلامي عامة. لا يجب أن نستغرب من طعن يومي في المقدسات واستهدافها بشكل خاص نظرا لما يمثله المقدس الجمعي في المجتمعات العربية الاسلامية من رابط وثيق يمنع تغلل الخلايا الغازية في الجسد العليل.

أغلب النخب العربية – والتونسية منها بشكل خاص – شكلت منذ مرحلة ما يسمى بالاستقلال الحزام الحامي لنواة المشروع الاستبدادي العربي بما هو منع عن الحرية وضرب لكل الركائز التي يمكنها ان تشكل تهديدا لتأبد الاستبداد. بل الأخطر من كل ذلك هو أنها قدمت عن وعي أو عن غير وعي بدائل للتغيير والنهضة والتقدم من النُسخ الايديولوجية التي انكشفت اليوم وبعد سنوات من الحصاد المرير عن أشرس النماذج التغريبية التي لم تخدم غير وكلاء الاستعمار والنهب وفتحت الأرض على كل انواع المذابح التي لا يزال صداها يتردد اليوم في بلاد الشام بفضل أنظمة المقاومة والممانعة.

في تونس كان نجاح الوكيل الأول “الحبيب بورقيبة” في الوصول إلى السلطة بعد نهاية فترة الاحتلال العسكري المباشر وإزاحة العائلة الحسينية عن الحكم من جهة أولى وتصفية رفاق النضال من جهة ثانية إيذانا بدخول تونس نفق الاستبداد الذي لا يزال متواصلا إلى اليوم.

فقد مثّل “المجاهد الأكبر” – كما كان يحلو له أن ينادى – حجر الزاوية في المشروع الاستئصالي وفي التفتيت الجهوي لأرض تونس بأن قذف بملايين التونسيين في أعماق الفقر والإهمال والخصاصة واقتصرت التنمية عنده على مسقط رأسه في احتقار مريض للجهات الداخلية ولأبنائها الذين كانوا خنجرا في خاصرة الاستعمار وأولياء نعمته.

جاء بورقيبة إلى تونس حاملا لواء الحداثة الكاذبة فكبّل المجتمع والدولة بكل العقود الاستعمارية المذلة التي لا تزال إلى اليوم تستنزف خيرات التونسيين وتقذف بهم في البحر طمعا في الفردوس الأوروبي وتكرس الفوارق الطبقية والجهوية القاتلة حيث مازال أهل تونس إلى اليوم يموتون في الأرياف بسبب انعدام الخدمات الطبية الأساسية وحيث مازال أبناؤهم يشربون من الأنهار الملوثة بالفواضل السرطانية.

هذا هو اليوم حصاد “الحداثة البورقيبية” وحصاد “نخب البورقيبة” حيث تحتل تونس أعلى المراتب في نسب الطلاق والعنف والجريمة واستهلاك الخمور والنزوع نحو الارهاب إضافة إلى ما يزيد عن ثلاثة ملايين عانس يشكلون قنبلة اجتماعية موقوتة هي هدية بورقيبة محرر المرأة للمرأة نفسها.

اليوم انكشف حجم الخراب الذي سببه بورقيبة ونظامه ونخبه للمجتمع والدولة ولقيم الأمة وخاصة جرائمه في حق تونس العميقة حيث لا يزال الأطفال يرتعشون بردا في المدارس الريفية والجبلية بعد نصف قرن من الاستقلال الموهوم.

قل في “نظام بن علي” ما شئت فقد كان مجرما متسلطا استبداديا لكنه لم يكن بالخطورة التي كان عليها نظام الزعيم العجوز الذي أرسى الدعائم الحقيقية لدولة الظلم والتخلف. فقد خرج “بن علي” من رحم نظام بورقيبة ودفعت به القوى الاستعمارية العالمية إلى هرم السلطة وعدا منه بأن يحافظ على مصالحها ومصالح شركاتها سيرا على درب الوكيل الأول.

كرس “بن علي” نفس التفاوت الجهوي بل وعمقه حيث مثّل برنامج “تجفيف الينابيع” ومحاربة الهوية حجر الزاوية في سياسته الاجتماعية والثقافية وقد اعتمد في ذلك على كتائبه الاعلامية والجامعية من “جامعيّي نوفمبر” الذين لا زال فحيحهم لا ينقطع عن منابر ” إعلام العار” كما يسميه نشطاء فضاء الافتراضي.

اليوم تمثل نخب الحداثة من استئصاليي اليسار المتطرف وبقايا القومجيين الذين عرّتهم الثورة السورية المباركة وخليط من المتسلقين الجدد خاصة من دفعة برنامج ” فريدم هاوس الأمريكي ” رأس حربة الثورة المضادة في تلهية الرأي العام التونسي بالقضايا الجانبية وافتعال الأزمات. هذا التمشي في تفعيل بالونات الاختبار يوازيه من جهة اخرى كتم شديد على أنفاس الملفات الحارقة وعلى راسها ملف الثروات الباطنية والعقود الاستعمارية.

لم ترَ نخب “بن علي” من الحداثة اليوم غير حرية اللواط وحق المثليين في الزواج وذلك في تطوير لمشاريع الطاغية ومن قبله الوكيل الأول بورقيبة وهي مشاريع تمنع تعدد الزوجات لكنها تشرّع لتعدد العشيقات ولدور الدعارة واوكار التجسس على كامل تراب الأرض التونسية الطاهرة.

اليوم أيضا وبعد ثورة 17 ديسمبر الخالدة تعاود نخب الاستبداد من جامعيّ بن علي خاصة وموظفي “سيدة تونس الأولى” الاستثمار في فتوحات الوكيلين عبر الأذرع الاعلامية العمومية والخاصة وعبر شبكة كثيفة من الجمعيات المشبوهة التي يغدق عليها النظام العالمي أموالا طائلة وخاصة عبر منظومة تعليمية هدفها دفن المعرفة واستئصال كل أشكال الوعي بالتخلف ورهنها لقطاع التعليم الخاص في غياب لا يخفى للدولة ومؤسساتها. هاته الشبكة نجحت في استدراج العوام من التونسيين إلى محاور استنزاف الوعي ومحاربة الهوية وهو ما خلق أخصب الأراضي التي ينمو عليها التطرف والإرهاب والعنف.

الحرب على اللغة العربية وعلى اللهجات المحلية وخاصة لهجات الجنوب والمناطق العميقة عنوان أبرز من عناوين الاحتقار الاجتماعي حيث تقتصر الثروات والخدمات وحتى اللهجات في الاعلام وفي الخطاب عامة على مناطق السلطة والنفوذ دون غيرها إمعانا في الاحتقار والاذلال بعد أن غادرت نخب الأعماق أرض الأجداد نحو أضواء المدينة البائسة والحداثة الكاذبة.

لكن “نخب البورقيبية” و”نخب نوفمبر” ممن تمعّش من نظامي الاستبداد والوكالة ونال الأوسمة والمناصب والنياشين والسفارات والوزارات وقطع الأراضي والسكن الراقي على حساب دماء أبناء شعب وآلامه لم تُكنس بعد الثورات بل استغلت انحسار الموجة الثورية الأولى لتعاود إحياء الدولة العميقة واستعادة مكانها في المشهد الجديد مع بعض الأصباغ الثورية.

واهم جدا من يعتقد أن الحال اليوم هو نفس الحال البارحة لأن شروط التغيير التي طالت الوعي العربي عامة وانكشاف المشهد عن زيف الايديولوجيا وخيانة النخب ووهم الحداثة وحقوق الانسان كلّها مؤشرات على أن القطيعة مع ما قبل الثورات لا رجعة فيها.

إن شروط تجدد النخب العربية شرط جوهري من شروط تفعيل التغيير الاجتماعي وليس الجذب إلى الخلف ومحاولة إحياء ثقافة الاستبداد وتجفيف الينابيع ومحاربة الهوية والقيم إلا آخر شطحات ديك القمع العربي المذبوح.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: