تونس: حرب المناصب و لعبة الكراسي، قراءة ما بين السطور.. (مقال/ رمزي هويدي)

اٍنتهى سباق المراتب في تونس ليبدأ سجال يسبق التنافس بين كتل و أحزاب في معظمها اٍختارت التَرَوّي في اٍختيار الحليف الأوحد ضمن وطن لا يهم أن تكون كراسيه خشبا ،حديدا أم حجارة ، ممزوجا بالدماء أم تجري من تحته السيول ، لا يهم أن يكون بأقدام آيلة للانكسار أو الانهيار، ذا عجلات أو قواعد ، لا يهم كل ذلك فأهم ما في الأمر أنه كرسي يقود للسلطة !!! .. كرسي بما يحمله من ديكتاتورية و جبروت وطغيان يحمل فوقه شخصا معدوم الضمير والإحساس، لا يهمه إن قتل ، سفك أو أجرم ، إِنْ يَتّمَ ، قَتَلَ أَمْْ رَمّّلَ، إِنْْ جَرَحَ أَوْ هَدّمْ .. المهم أن يبقى جالسا عليه و متربعا على عرش ساسة و أهل البلد آمرا ناهيا ، حاكما بذئابه و محاطا بأنصاره و مدعوما بديمقراطية في ظاهرها سليمة و بين ثناياها يكمن داء يبقى بموجبه مسيطرا مهيمنا و حاكما لأبد الآبدين ..

لابد لكل واحد منا أن يعترف أن ما يدور حولنا في تونس بعد الاٍنتخابات من أفلاك هي لعبة تقاسم للكراسي .. أبطالها معروفون .. حكام ، رؤساء أحزاب ، دول و أصحاب نفوذ و حتى من المرتزقة .. الكل وضع نصب عينيه هدف كرسي وسط القصور و الخدم و النفوذ .. ليبدأ مباشرة “الحج” اٍلى بلاط السُّلطان ليدشن هذا الأخير دوران عجلة موسيقى اْلٌتَغَوُّلْ و اْلُتَسَلُّطْ و غرس الأنياب و سفك الدماء ليعزف في الأثناء صاحب الموسيقى على أنغام الديمقراطية المغشوشة وسط دموع الشعب المسكين الذي اٍختار جلاده بكلتا يديه بعد ترويعه بشماعة الاٍعلام ليتمكن حينها صاحب الكراسي من الحصول على الضوء الأخضر لنشاطه كلاعب برتبة مخضرم و بمقام لص شريف بعد أن تحاور مع أحدهم و ليعود مرة أخرى اٍلى البلد ليسرقه من جديد لكن تحت مُسَمّى توافق في ظاهره تصالح و بداخله مصالح و في مجمله نفاق .. فلا مراقب و لا حسيب ، و لا حتى مجيب .. الكل مشغول بالرقص حول الكراسي حتى لو كانت أشواك أو مصنوعة من حديد..

في خضم هذا الزخم الحاصل يفرح صاحب الموسيقى و يحمل مزماره و يَنْظُمَ شِعْرَهُ وسط تشابك اٍثنان من الراقصين بهراواتهم ليُجْهِزَ واحد على الآخر ، يكون بموجبه هذا الأخير مُنشرح الصدر متَّسع القلب و يكون أكثر بهجة إن تخلص من كلاهما .. ، تتزايد فرحته أكثر فأكثر اٍن تعالت صرخات المشجعين وسط تشابك أنصار الاٍثنين في اٍنتظار أن يتحول البلد الى حرب دامية .. فيتطاحن البعض ليكسر شوكة الآخر .. وما اٍن يكاد يصل أحدهما للكرسي أو كلاهما ويجلس عليه حتى تعود في الأثناء تلك الموسيقى التي يعزفها فيعود الجميع للرقص والركض حول كرسي الحاكم لينضم النائب قبل الوزير و الفقير قبل الغني اٍلى قائمة الراقصين ، يمتص بموجبه الحاكم دماء الشعب ليزداد ثروة وتخمة و حجما .. حتى يثقل جسمه الهرم فتثقل حركته و ينسى حينها أنه قد تضخم في الحجم و صار فارغ التفكير وشارد الذهن ليسهل في الأثناء دفعه من بقية المتسابقين و يذهب بعيدا عن اللعبة منفيا خارج الوطن وقد سرق خيراته فيمارس لعبة الكرسي ولكن بشكل جديد تحت مسمى سلطة الديمقراطية التي قد نَغْتَرُّ بهالتها في البداية، لنكتشف في النهاية أن الكرسي ليس الا خدعة رسمها صاحب الموسيقى في خيال المستمعين و أن لعبة الكراسي ليست اٍلا رسم في السياسة مثلها مثل أي نشاط إنساني أخر ليس هناك اشد ضررا من أوهامه الناجمة عن تكوين فكري و اٍجتماعي ينزع إلى التهوين أو التهويل خاصة إبان الأزمات والمعضلات وسط الأزمات السياسية على غرار ما تمر به التجربة الديمقراطية التونسية الحالية التي تدفعنا مرة أخرى إلى التمعن جيدا و إعادة الحسابات بشكل دقيق خلال دراسة التحالفات الحالية في ظل عالم يشهد ثورة في الاتصالات والمعلوماتية و المواقع الاٍجتماعية ويرزح تحت وصاية قطب واحد دون سواه لنكتشف أخيرا أن في السياسة ليس هناك عدو واحد او صديق دائم بقدر ما هناك مصالح تفرض و مجتمع يراقب و آمال تُعَلّقْ ..

لكن في النهاية و برغم ما قيل و سيقال سيبقى وطني أجمل الأوطان رغم تعاسة نخبته ..

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: