تونس.. خطاب الإرهاب الأخطر.. (مقال/ الباحث التونسي محمد هنيد)

خطاب الإرهاب

الوعي بالاحتقار

خيانة النخب

****************

رغم هدوء السطح فإن الوضع اليوم في تونس هو الأخطر منذ اندلاع ثورة ١٧ ديسمبر/كانون الأول ٢٠١٠ الخالدة حيث نكأت نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة أكثر الجراح غورا في المشهد التونسي وأحيت على مستوى الخطاب والممارسة آلاما قديمة في بنية المجتمع وجغرافيته النفسية بما قد يهدد الوحدة الوطنية الهشة بالتفكك والتصدع.

الحريق الذي يهدد العمق النفسي لتونس أشعله العجوز التسعيني مرشح الدولة العميقة الذي كان يعتقد أن الانتخابات الرئاسية ستحسم بالتزوير من الدور الأول كما حُسمت الانتخابات التشريعية “بالورقة الدوّارة” وبتزييف الوعي وشراء ذمم الفقراء والمهمشين تحت قصف مكثف “لإعلام العار” المحلي وفي خيانة بينة وصمت متواطئ “لنخب الاستبداد” التونسية.

خطاب التخوين والتقسيم هذا يُصنِّف أكثر من نصف الشعب إلى إرهابيين، وهو يتنزل ضمن خطة متكاملة تتناسق مع التصنيف الخليجي الأخير للمنظمات الإرهابية ويرسل إلى الخارج الأميركي باعتباره المصنّف الأكبر رسائلَ تتفق مع سقف الإرهاب الإعلامي الذي أرساه، فنسمع صداه في انقلاب ليبيا باسم محاربة الإرهاب وانقلاب مصر الدامي لمحاربة للإرهاب ومجازر نظام البراميل الطائفي لمحاربة الإرهاب.. المهم هو إرهاب الشعوب بفزاعة الإرهاب.

خطورة التصنيف اللغوي يجد له مرتكزات حقيقية في الواقع اليومي للمواطن الذي يرى بجلاء حجم التباين الطبقي بين ما يسميه التونسيون “المخيمات” وهي تشمل كل القرى والمدن والأرياف الفقيرة في داخل البلاد وجنوبها وكذلك أحزمة الفقر من مدن الصفيح والأكواخ المتكدسة حول العاصمة تونس وحول المدن الكبرى وبين “المستوطنات” أو الأحياء الراقية التي تقطنها البورجوازية التونسية ورجال النهب المنظم لثروات البلاد منذ ما يزيد عن نصف قرن من الزمان.

الاحتقار يبدأ من عدم اعتراف المركز نفسه بمكونات هوية الهامش المحلية، فالإقصاء يشمل المكون اللهجي للمناطق الداخلية حيث تَمنع منصات إعلام العار الوطني استعمال اللهجات المحلية في الخطاب الإعلامي الرسمي وتكرس مبدأ سيطرة لهجة المركز في رفض تام لمستويات التعبير والتواصل الحاضنة لما يزيد عن ثلاثة أرباع السكان.

سياسة العنصرية المنظمة والاحتقار المهيكل التي أنشأها المستعمر وكرسها الوكيل الأول “بورقيبة” ثم رسخها الوكيل الثاني “بن علي” هي في الحقيقة امتداد للتصنيف الاستعماري لتونس بين “الأعيان” أو “البلدية” من ناحية والمكون من “الصبايحية” و”المخازنية” و”العمّال”، وكلها تعابير تحيل إلى ورثة الاستعمار من معاونيه وأعوانه الذين أورثهم ثروات البلاد قبل خروجه وبقية الشعب المطحون من ناحية أخرى.

كل هذه الممارسة أذكت بين أفراد الشباب من أبناء الطبقات المسحوقة إحساسا عميقا بالتهميش والظلم المتسبب في الانفجار الكبير الذي عرفته تونس خلال ثورة ديسمبر الخالدة في أكثر مناطق تونس تهميشا وفقرا.

الخطر اليوم هو الدفع بالبلاد نحو التقسيم ونحو صناعة الإرهاب من أجل خلق الوضع الملائم للتدخل الأجنبي وللقضاء نهائيا على ثورة الحرية التي طالبت بالعدالة الاجتماعية ورفع الإهانة وصرخت في وجه جلاد الشعب “يا نظام يا جبان شعب تونس لا يهان”.

المظاهرات التي انطلقت أمس في جنوب البلاد وشمالها ردا على تصريحات العجوز وغلمانه تنذر بحجم الشرخ الذي أحدثه خطابه الأخير وإهانته المتواصلة للشعب وللثورة، خاصة بعد العودة الغانمة والمظفرة لكل أركان نظام الاستبداد من المنفى الاختياري في تواطؤ فاضح لقضاء بن علي الفاسد الذي سيبرئه حتما من دماء الشهداء مثلما برأ إخوة لهم في الفساد مبارك وزبانيته من دم المصريين، “فالظلم أساس خراب العمران”.

خيانة النخب
باستثناءات نادرة جدا رسخت النخب التونسية -خاصة النخب النازحة التي غادرت قراها الفقيرة نحو أنوار المركز- أعمدة الاستبداد ومكنت له من خلال تاريخ صمتها المتواطئ مع نظامي بورقيبة وبن علي وسكوتها على جرائمه إلا بما يسمح لها به بين الفينة والفينة من أجل تجميل الوجه القبيح لنظامه البوليسي. نفس النخب تصمت اليوم أمام انتخابات تشريعية مزيفة يعلم الجميع بحجم الخروقات والتجاوزات التي تخللتها.

فمن يقبل بنتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة عليه أن يقبل تحليليا المسلمات الناسلة عنها وعلى رأسها أن الضحية يمكن أن تختار جلادها من جديد. عليه أن يقبل أيضا أن أهالي الشمال الغربي يمنحون أصواتهم لمن قتل أبناءهم خلال ثورة ديسمبر الخالدة.

من يقبل بنتائج الانتخابات ويراها موضوعية منصفة عليه أن يصدق أن الشعب التونسي مريض يعشق العصا ويحن للعبودية ويشتاق لسياط الجلاد، ومن ينكر تزييف الانتخابات فعليه أن يغمض عينيه عن المليارات التي تدفقت على تونس من المال الخليجي الفاسد الممول للانقلابات في المنطقة العربية بقطع النظر عن السيارات المصفحة وأجهزة التنصت المتطورة. القبول بنتائج الانتخابات هو كالقبول بانتخابات في غزة يفوز بها حزب الليكود أو انتخابات محلية بدرعا السورية يفوز فيها سفاح الشام بغالبية الأصوات.

سنوات من تزييف العقول وتجريف الوعي وتجفيف الينابيع وعقود من التضليل والتغريب وعزف على وتر الإرهاب -الإسلامي طبعا- من أجل ترميم حائط الخوف وتحصين جدار الترهيب وغرس ثقافة الخوف التي عليها بُني نظام الاستبداد كله.

صمت حركة النهضة أمام الصراع القائم بين الثورة والثورة المضادة في تونس وإعلان مرشدها موقف الحياد بين الضحية والجلاد في تنكر مسبوق لدماء من عادوا بهم من المنافي الفخمة وأجلسوهم على سدة الحكم ليس خيارا إستراتيجيا بقدر ما هو أنشوطة السلطة نفسها، وقد وجد الإسلام السياسي نفسه مخنوقا بها عندما هرول شيوخه وعجائزه نحو الكراسي في تونس ومصر ليفتحوا الطريق أمام عودة الاستبداد حسب المعادلة الدولية المشهورة.

غدا ينجلي المشهد الغائم بدخان الحرائق الاجتماعية التي أشعلها خطاب الإرهاب والتخوين ونفذتها القيادات النقابية وفعّلها الذراع الأخطر للدولة العميقة المسمى زورا “بالحوار الوطني” والجامع لمختلف القوى الانقلابية على الثورة وعلى أحلام الشعب.

الوكلاء الجدد سيدفعون بالبلد نحو الخراب وسيدفعون بالعجوز نحو السلطة ثم سينقلبون عليه في “حركة تصحيحية” شبيهة بالانقلاب الطبي الذي قاده “بن علي” على العجوز الثمانيني بورقيبة ليلة ٧ نوفمبر/تشرين الثاني ١٩٨٧ بأمر من القوى الاستعمارية.

بذلك وعبر تنفيذ عملية إرهابية نوعية تعود عجلة الاستبداد بمباركة دولية، لتطحن ما تبقى من عظام الإنسان العربي، وتضع في نفس الحركة حجر الثورة العربية القادمة التي لن ترتكب نفس الأخطاء، فتؤكد أن المحاكم الثورية وأن الرعب الثوري هو الجواب الوحيد على إرهاب الثورة المضادة وعلى تفكيك الوحدة الوطنية كما خطته ثورات الأمم المتقدمة في فرنسا وروسيا عندما اجتثت مصاقل الباستيل جذور عصابات النهب والفساد والإرهاب الحقيقي من أساسها.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: