تونس في مفترق الطريق (مقال/أنور مالك)

كل من يتابعون تونس أجمعوا على أنها صارت أمام خيارين لا ثالث لهما أبداً:

الخيار الأول: الثورة المضادّة التي تمرّ ناعمة عبر صناديق الاقتراع بعدما فشلت بخيارات أخرى رغم دماء سالت وإرهاب مفتعل في أكثره، فإن انتخب الشعب التونسي الباجي قايد السبسي، فهذا يعني أن ثورة سيدي بوزيد وغيره أكلت نفسها، وأن الشعلة التي انطلقت من تونس لتحرير الشعوب من استبداد الطغاة انطفأت بعدما عادت من حيث انطلقت. السبسي يمثل نظام بن علي بامتياز، وعبره سيعود “التوانسة” إلى ما قبل العهد الذي دفنوه بثورتهم.

الخيار الثاني: استمرار ثورة 14 يناير/ كانون الثاني في تحقيق مكاسبها من خلال الخيار الوحيد القائم الآن بين أيديهم وهو الرئيس منصف المرزوقي، وبذلك يبقى الشعب التونسي يعطي النموذج الحي في مقارعة الاستبداد بأساليب ديمقراطية في غاية التحضّر.

قد يقول البعض إن الثورة لم تحقّق ما تطلّع له الشعب التونسي، وهي حقيقة لا يجب القفز عليها ولولا ذلك إلى جانب تراكمات وأسباب أخرى، ما احتل السبسي المرتبة الأولى في التشريعيات والدور الأول من الرئاسيات. ولكن هذا الفشل الذي كان في جزء كبير منه مفتعلاً ممّن يتصدّرون المشهد الآن، لا يبرّر أبداً اللجوء للثورة المضادة والاستسلام لها وهي التي ستعيد الشعب التونسي إلى ما قبل المربع الأول، فمع استمرار الثورة يبقى الأمل قائماً في جني ثمارها كما حدث مع ثورات الشعوب عبر التاريخ، ولكن مع وأدها فلن يبقى أي بصيص أمل لشعب عانى الأمرين في عهد الاستبداد إلا ثورة ثانية ستفتح عليه أبواب الجحيم كما فتحت على غيره من شعوب ثورات ما سمي بـ “الربيع العربي”.

لست أطبّل لمنصف المرزوقي ولا أحرّض على قايد السبسي وهذا ما يتنافى مع مبادئي التي ناضلت من أجلها ودفعت ثمنها في السجون والمنفى، كما أنه شأن تونسي أعرف حدودي فيه حتماً، لكنني أجد نفسي كمتابع للشأن التونسي بين خيارين فقط، إما أن أناصر الثورة أو أصفّق للثورة المضادّة ولا توجد منطقة وسطى بينهما للأسف.

كما أدرك دائماً أن من تربّى في أحضان طاغية وكان ذراعه التي يبطش بها لا يمكن أن يتحوّل بين عشية وضحاها إلى ديمقراطي يرافع من أجل حرية شعب عانى الأمرّين من نظام سابق كان السبسي هو أحد أركانه والمرزوقي أحد ضحاياه. والثورات الناجحة عبر التاريخ قضت على الحرس القديم من الأنظمة السابقة مثلما جرى في روسيا وفرنسا وغيرهما، ومن لم تفعل ذلك تجد نفسها ضحية ثورة مضادّة تسرق أحلام الشعوب.

كم تمنيت أن أرى المنافسة في تونس الثائرة خلال الدور الثاني بين وجهين من وجوه ثورة 14 يناير/ كانون الثاني فقط، حينها سأعذر الشعب الذي سيتمزّق بين رؤيتين مختلفتين في بيت الثورة الواحد، وقد أكون من الذين يرافعون ضد الصديق منصف المرزوقي إن كانت خيارات الطرف الآخر أفضل. لكن أن نرى المنافسة بين دعاة الحرية وأركان الاستبداد فهذا لعمري هو أسوأ ما قد يصدم فيه كل مناضل من أجل تحرير الشعوب وحقوق الإنسان.

بلا أدنى شكّ أن الشعب التونسي في غالبه يعي ما يناط لثورته من مؤامرات داخلية وخارجية، فيوجد من الحكام العرب ممّن لا يريدون لثورات الشعوب أيّ نجاح، حتى تبقى شعوبهم تحت أحذيتهم تلتزم الصمت خوفاً من مصير مشؤوم، ولكن يجب أن يفهم “التوانسة” حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، فكما كانوا شعلة في حراك الشعوب، فهم الأمل الأخير الآن الذي بقي لأنصار الحرية في العالم العربي، بعدما نجحت الثورة المضادّة في مصر ولا تزال تغرق ليبيا في مستنقعات الدماء، أما سوريا فهي تعيش الثورة المضادة منذ اليوم الأول من ثورتها، واليمن نراه تحت حوافر الحوثيين بدعم من نظام علي عبد الله صالح المخلوع.

ننتظر الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية بين ممثّل الثورة منصف المرزوقي وممثّل الثورة المضادّة باجي السبسي، والشعب التونسي هو السيّد في الإبقاء على ثورته والحفاظ على وجودها، أو الرجوع للخلف بما سيغتال الشهداء مرة ثانية وبذلك يصفع المواطنون أنفسهم قبل أن يصفعوا كل حرّ أشاد يوماً بتونس الخضراء وثورتها الخالدة.

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: