تونس ما بعد الانقلاب الناعم : ديمقراطية الظاهر وأحقاد الداخل.. (مقال/ رمزي هويدي)

بدا للتونسيين منذ الوهلة الأولى، بعد إغلاق آخر باب من مراكز الاقتراع إبّان الانتخابات، أن بلدهم نزع وشاح الانتماء لعالم الديكتاتوريات و شدّ الرّحال نحو “الديموس كراتوس” أو بما يُعرَف بديمقراطية اليونان القديمة المناقضة للملكية و الداعمة لاحترام رأي الشعوب حيث تُنَاقَشُ الأمور السياسية بِحُرّيّة في الساحات العامة..

ما حدث في تونس من تقلبات و منعرجات وسط الطريق في اٍتجاه تحقيق الصورة الأمثل يبدو أنها جانبت تجربة اليونانيين القدامى و هو ما جعل الأمل في تحقيق الديمقراطية النموذجية التي حلم بها أحفاد حنبعل شيئا ما يشبه الخيال فبالرغم من أن الظاهر في الصورة يقول أن البلد عاش تجريبتين ديمقراطيتين, الأولى كانت قد جاءت في سياق ثوري فاز فيه الحزب الأكثر معاناة زمن بورڨيبة و بن علي و الثانية أتت تحت ضغط من هيئوا أرضية نجاحهم بوسائل خبيثة أُسْتِعْمِلَ فيها سلاح الاغتيالات و الاعتصامات و كل طرق التشكيك و التخوين حتى الغير مشروعة منها..

في خِضَمِ هذه المعطيات يقف العارف بحال البلد من الداخل متوجسا و متأكدا أن تونس أبعد ما يكون عن الديمقراطية “المزعومة” بالنظر إلى حيثيات و ظروف وصول الفائز بالحكم و الأحداث التي سبقت مجيئه من قتل و إرهاب و حملات تشكيك لخصوم كانوا في زمن ليس بالبعيد أحد جلاديهم.. و تتأكد لدينا الصور المزيفة أساسا في الانتخابات التشريعية مرورا بالرئاسية التي تلتها من خلال الخروقات القانونية و الأخلاقية التي بدأت معالمها في الأولى عبر استعمال سلاح الاعلام الفاسد لشيطنة المنافسين و في الثانية عبر تزكيات وهمية لمرشحين بدون برامج أو حتى حد أدنى من الرصيد النضالي المطلوب..

و في هذا السياق لا يمكن أن نمر دون الاشارة و التنويه بالخرق الأكثر و ضوحا و الذي تمثل في تزوير قوائم المنتخبين عبر بطاقات تعريف خيالية و الذي زاده مرارة السكوت المقصود من الاٍعلام على هذا الخرق الواضح في الاٍنتخابات التي من المفروض أن لها مؤسسة دستورية و هيئات مسؤولة تسهر على حمايتها..

أمام هذا الوضع لابد أن نقف أمام أنفسنا و ضمائرنا و نعترف أن الذي حدث هي ديمقراطية تبدو في الظاهر نموذجية لكن في الحقيقة هي حدث ما يشبه “الخديعة” لا غير و خاصة لما نشاهد رئيسا يُسَلّمْ و آخر يَتَسَلَّمْ في صورة كارتونية تمتلئ نفاقا, قابلة للتسويق الخارجي لكنها لن تُقْبَلَ من أولائك العارفين بحقيقة الموضوع و ما يشوبه من لغط و نفاق و تحالفات تحت الطاولة تطبيقا لأجندات أجنبية..

المؤلم في الأمر أن هذه الديمقراطية المزعومة في تونس أعادت جلاد الأمس و قتلت كل حماس قد يعود لأيام توحدت فيها الحناجر و الأصوات المنادية بالحق و صمدت فيها الأيادي التي اهتزت شوقا لحرية طال انتظارها و التي من مفارقات الزمن أنها أعادت و بنفس الأيادي ذات الحزب الحاكم الظالم لكن هذه المرة بيد تضع ورقة بصندوق عوض أيادي و حناجر ترفع أصوتا..

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: