تونس و حكومة إنهاء المسار الثوري.. (بقلم/ الباحث محمّد هنيد)

بلغ المشهد في تونس منتهاه الثوري فعلا بتكوين الحكومة الثانية التي ستتولى مهام المرحلة الجديدة بعد نهاية الفترة الانتقالية، وقد دامت ما يزيد على أربع سنوات هي عمر الثورة التونسية.

[ads2]

الجديد في المشهد هو مشاركة “حركة النهضة” المحسوبة على “الاتجاه الإسلامي” في حكومة مكونة أساسا من عناصر تنتمي إلى النظام القديم بالأصالة أو بالوكالة، ويتعلق أغلبها بشبكة الدولة العميقة ونظام المصالح المرتبط بها. والجديد أيضا هو عودة الدولة القمعية ممثلة في الوسائل الوحشية التي قوبلت بها انتفاضة الجنوب الأخيرة ردا على سياسة التهميش والاحتقار والإهانة.

لا تنفصل الثورة التونسية بهذا عن المسار العام الذي عرفه الربيع العربي، والذي تميز بالعودة المظفرة والغانمة لدولة الأعماق بأشكالها المختلفة، والموزعة على منوالات تتفاوت في حجم الدمار الذي تسببه، كما هو الحال في مصر أو سوريا أو ليبيا أو اليمن. هذا المعطى العام لا يمكن لأحد إنكاره أو تجاوزه باعتباره خاصية مميزة وفارقة لمآلات التغيرات الأخيرة في المنطقة العربية.

عطب المسار الثوري

إثر الانفجار العظيم الذي عرفه الريف التونسي الفقير وهو يقدم المئات من أبنائه شهداء برصاص قناصة “بن علي” وجلاديه؛ تسلمت النخب التونسية -ممثلة في الأحزاب السياسية- زمام المبادرة بعد فرار رأس النظام وسقوط السلطة دون حارس أمين. وقد سمحت الصحراء التي خلفها بن علي وراءه لمكونين رئيسيين بالسيطرة على المشهد السياسي، وهما “حركة النهضة” وحزب “بن علي” نفسه، أي “نداء تونس” أو “التجمع الدستوري الديمقراطي”.

حزب بن علي يملك آلة الدولة كلها منذ ما يسمى بالاستقلال، أي منذ رئاسة الحبيب بورقيبة بعد نهاية مرحلة الاستعمار المباشر. أما حركة النهضة فتمتلك رصيدا نضاليا وتنظيميا كبيرا يعود في أساسه إلى تضحيات قواعدها الصادقة خلال محرقة التسعينيات أمام آلة بن علي الجهنمية، وهي قواعد لم تغادر البلاد مثلما فعلت أغلبية القيادات الحالية للحركة.

أما بقية الأحزاب المحلية الأخرى فقد مَنعت عواملُ كثيرة ذاتية وموضوعية تطورَها النظري والتنظيمي نحو تكوين قاعدة سياسية نوعية، وأهم هذه الموانع غلبةُ النزعة الفردية وهاجس الزعامة على قياداتها، وارتباطها بشكل مباشر بقوى خارجية عربية أو دولية، وهو ما أفقدها سندا جماهيريا فاعلا فتحولت إلى دكاكين تقدم خدمات خاصة مقابل منصب هنا أو مقعد هناك.

هذا العطب يفسر -إلى حد كبير- غياب الممارسة السياسية الحقيقية لدى هذه الأحزاب، فلم تكن يوما صاحبة مشاريع تنموية أو رؤية سياسية وظيفية، بل كانت واجهات استعملها النظام الاستبدادي من أجل الإيهام بالتعددية.

مشهد اليوم في السلطة يستنسخ هذا التوزيع الثنائي للقوى السياسية في البلاد، ويحوّل الصراع بين “حركة النهضة” و”التجمع الدستوري الديمقراطي” إلى تحالف غير معلن يستمد منه كل من الطرفين شرط وجوده و شرط سيطرته على الساحة السياسية، بعد تحلل الأحزاب الوسطية وخروج اليسار التونسي الوطني من الخريطة إثر استفراد الجناح الاستئصالي فيه بدور القيادة والتمثيل الإعلامي.

حكومة الشيوخ

من يستطيع أن ينكر أن الثورة التونسية والثورة العربية الأخيرة هي من إنجاز الشباب الفقير، ومن صنع الفئات العمرية الأصغر في الوطن العربي؟ وهي الفئات التي قدمت كل الشهداء تقريبا من أجل مطلبيْ الحرية والكرامة. إنجاز الشباب العربي الأخير وتغييبه بعد ذلك يفسر -في جزء كبير منه- حالة العجز التي تعيشها الأمة، وجوهرها تهميش وإقصاء للفئة العمرية الأكثر قدرة على الإبداع والإنجاز والتغيير.

النخب السياسية العربية -التي طعنت في السن وبَليَت نظرياتها وقراءتها للواقع- لا تريد مغادرة المشهد أو تجديد قراءاتها وآليات هذه القراءات، رغم أن الربيع العربي أثبت بشكل جلي أنها جزء من النظام العربي القديم، وأن عودة الدولة العميقة إنما كان سببها الأساسي هو هرم النخب التي أمسكت بزمام الثورة، ولم تستوعب شروط اللحظة التاريخية لأنها لا تملك إمكانات الوعي بها.

وهي نخب ما زلت إلى اليوم تعيش سجينة صراعات قديمة توارثتها عن العداءات الأيديولوجية العقيمة خلال الحقبة الجامعية، والتي دفعت بالكثيرين في النهاية إلى التحالف مع نظام بن علي وتكوين مجموعات مرتبطة بالنظام القمعي، وهي نفس المجموعات التي تحكم تونس اليوم.

لقد نجح الربيع العربي في إسقاط رأس النظام الاستبدادي لأنه لم يكن ربيع نخب أيديولوجية تجاوزها الزمن وصارت جزءا من النسق الاستبدادي، لكن الربيع نفسه فشل عندما أمسكت هذه النخب بالسلطة بعد سقوط رأس الدولة، ممهدة بأخطائها لعودة النظام القديم الذي تعتبر جزءا منه.

فمع رئيس تسعيني ورئيسيْ حكومة وبرلمان قد تجاوز جميعهم الثمانين، وشيوخ طاعنين في السن يتربعون على رؤوس كل الأحزاب السياسية تقريبا -بما في ذلك حركة النهضة- تكون ثورة الشباب قد دُفنت، ويكون بن علي الرئيس الهارب قد ورّث الجماعة طبائع الاستبداد.

لا يقتصر تجدد النخب السياسية -كشرط مركزي لضمان حياة النخب وحياة الممارسة السياسية نفسها- على تجدد القراءات والمقاربات، بقدر ما يتأسس أساسا على تجدد الأجيال القادرة على تجديد هذه القراءات.

المشهد السياسي التونسي تفوح منه رائحة العجز كما هو الحال في أغلب الأنظمة العربية باستثناءات نادرة، حيث إن الحاكم لا يتنازل عن الحكم إلا نحو القبر هرما، أو هاربا من الجماهير الزاحفة، أو مطعونا في الصحراء، أو مشنوقا بيد أبناء جلدته. فكأن سلوك الطاغية العربي له خصائص جينية ترقد عميقا في عمق اللاوعي السياسي العربي، وقد تحولت منوالا لا يقتصر على الحاكم العربي، بل هو في الحقيقة سلوك عام يسم كل الممارسات المتعلقة بالسلطة والنفوذ.

الحرية وعودة الدولة الأمنية

لن يجادل أحد في هشاشة الوضع الأمني في البلاد منذ أن استعادت الدولة العميقة أنفاسها، ومنذ أن أدركت أن المحافظة على هذه الهشاشة -ولو في شكلها الإعلامي- مكسب هام وبوابة نحو مقايضة مطالب الثورة بالأمن والأمان، كما نظّر لذلك إعلام بن علي لما يزيد على عقدين. فالمعطيات الأمنية اليوم تتجاذبها ثلاثة محاور أساسية:

 

يظهر المحور الأول في سلوك القمع والترهيب الذي تمارسه القوى الأمنية في البلاد، والذي تُجابه به مطالب الحرية والعدالة الاجتماعية، كما فعل “بن علي” بالأمس، وكما تفعل الدولة البوليسية اليوم في “ذهيبة” و”بن قردان” بالجنوب التونسي أمام الحركات الاحتجاجية السلمية للهامش الفقير.

أما المحور الثاني فمحور أمني طبيعي يرتبط بالمحيط الإقليمي غربا وجنوبا، أي بالجوار الجزائري على حدود يقارب طولها  ١٠٠٠ كلم، وعبر الجنوب من جهة ليبيا حيث تعمل على الواجهتين عصابات التهريب وتجارة المخدرات والسلاح، و هو محور طبيعي موجود حتى في الدول المستقرة فما بالك بالدول التي تخرج للتو من ثورة دامية.

المحور الثالث محور أمني صناعي، ويتعلق “بصناعة الفوضى والإرهاب” الذي تتقنه الأنظمة الاستبدادية والأذرع الدولية المتعلقة بها، مدخلا لإفشال الدول ولتبرير عودة الدولة الأمنية في وجهها الحامي والمنقذ، وحجة للتدخل الخارجي بتعلة مقاومة “الإرهاب الإسلامي”.

الدولة الأمنية المسلحة ترسل رسائلها في كل الاتجاهات، وليس قنص المتظاهرين في الجنوب الصامد إلا بالون اختبار تقيس به الدولة العميقة حجم المستوى الثوري بين الجماهير العريضة، مع انشغال الأحزاب السياسية بتقاسم كعكة السلطة والرضا بالتعايش الضامن لوجود كلا المكونين.

فحركة النهضة ترى أنها حققت اختراقا كبيرا على مستويات كثيرة، منها التطبيع مع ممارسة السلطة المباشرة داخليا، والاعتراف الدولي بالمكون الإسلامي جزءا أساسيا من الحياة السياسية التونسية، والبروز عربيا كحركة إسلامية معتدلة مما يسمح لها بالتموقع في فضاء السلطة، أو -في أسوأ الأحوال- النجاة من المحاكمات ومن السجون، مقابل العزوف عن المطالبة بحقوق الشهداء وبمطالب الثورة التونسية.

أما نظام الدولة العميقة فيرى في المحافظة على الحركة الإسلامية دون أنياب مكسبا كبيرا يسمح له بالمناورة في عدة اتجاهات، خاصة مع فقدانها التدريجي لنسبة كبيرة من قواعدها ومن المتعاطفين معها، بسبب تحالفها مع النظام القمعي القديم.

سينجح النظام القديم في الإيهام بالانفتاح السياسي مع المحافظة على مقاليد السلطة الحقيقية، خاصة أن مشاركة الحركة ستمكّن من مقاسمتها إخفاقات المرحلة القادمة، وتكليفها بإطفاء الحرائق الاجتماعية عن طريق حضورها الكبير في الشارع، كما تفعل اليوم في الجنوب التونسي.

هذا السيناريو سيمكن الدولة العميقة -الخارجة من صناديق الاقتراع- من صياغة نوع جديد من السلوك الاستبدادي المرن، والقادر على الصمود في وجه الموجات الشبيهة بتلك التي عصفت ببن علي في ظل انفجار الوضع بالجارة ليبيا، مما يبرر عودة الدولة القمعية بحجة محاربة “الجماعات الجهادية”.

لكن ما يغفله العقل الاستبدادي والمتحالفون معه هو أن الحركة التاريخية الوظيفية تستنفد شروط إنجازها لحظة حدوثها، ولا تتجدد بنفس الظروف والشروط السابقة، بل تنجز لنفسها فواعل تاريخية جديدة لا تتضمنها الحركة السابقة، فتنحو إلى نفس النقطة وعبر نفس المسار، وهو ما يضمن تجدد حركة التاريخ والمجتمع التي لا تعيد نفسها أبدا بنفس الشروط.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: