{تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص:83]

تلك: إشارة إلى الدار الباقية التي هي غاية المنى للمؤمنين.. لفتة إلى مكانتها التي لاتضاهيها مكانة.. وإلى عظيم شأنها الذي لا يضاهيه شأن منذ بدء الخليقة.. وإلى المكافأة التي أعدّها الله للمؤمنين…

تلك: تفخيم للدار وتعظيم… تلك الجنة: بعيدة وقريبة…!

بعيدة من أولئك الذين اغتصبوا سلطان الله في أرضه، فعلَوا وتجبّروا، وطغوا وفسدوا ، يتقدمهم (قارون الأكبر) الذي أوتي السلطان والمال، فبغى وجاوز الحد في استعلائه وفساده، لكن الله خسف به وغيّبه ومتاعه في الأرض لا ينصره أحد.. في تحقير لطاغية وتصغير، سار على ركبه طغاة كثيرون، ظنّوا أنهم – سنداً إلى جبروتهم الأرضي – بمنآى عن أي مساءلة أو حساب، فساموا الخلق سوء العذاب، فانقلب طغيانهم عليهم خسفاً في الدنيا، وحسرة يوم يقوم الحساب..

وهذه الدار قريبة من أولئك الذين سعوا لتمكين سلطان الله في أرضه، فأصابهم من لأواء الشقاء والاستضعاف في سبيل ذلك ما أصابهم، فصبروا، واتقوا، فأبدلهم الله بذلّهم عزّاً، وكانت (تلك الجنة) ترقبهم بفارغ الشوق والحنين..

هذه الجنة {لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً}، فهما إذاً إرادتان: إرادة المؤمنين الذين خضعوا لأمر العلي القدير، ولزموا طاعته وأوامره ونواهيه، خشية منه سبحانه.. وإرادة الذين ظنّوا أنهم بتمكينهم من السلطة والمال، يدين لهم الخلق، ويتصرفون في ملك الله وفق أهوائهم وقناعاتهم، بعيداً عن عينه، ودون خشية منه سبحانه..

إن من خضع لله وتواضع في أرضه، خضع وتواضع بإرادته.. ومن علا وأفسد في أرضه، علا وأفسد بإرادته، بدليل {نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ..} وهم المؤمنون، ما يعني أن من اغتصب سلطان الله في أرضه، وتمرد على منهج الله، وحرّض على المؤمنين وآذاهم، هم الذين (يريدون) العلو في الأرض والفساد فيها..!

وشتان مابين الإرادتين: إرادة أولئك وإرادة هؤلاء.. لذا كان المؤمنون من الدار الآخرة قريبين، وكان الطغاة الفاسدون في الأرض من الدار الآخرة بعيدين..

ولماذا ذكر الله هاتين الصفتين: العلو والفساد، ليستحق أصحابهما الحرمان من دخول الجنة؟! لأنهما أسّ الصفات وأخطرها في هذا المقام، فما دونهما نتيجة لهما.. إنهما يعنيان تجاوز الحد الأعلى في الكفر والضلال.. والشرك والعصيان.. وإيذاء خلق الله..

 والإنسان قد يكفر بالله ويشرك معه آخر، لكنه لا يمارس الصدَّ والكبر والطغيان..!

قال ابن تيمية: التكبر شرٌّ من الشرك، فإن المتكبر يتكبر عن عبادة الله تعالى، والمشرك يعبد الله وغيره.

من هنا كانت هاتان الصفتان.. موجبتين للحرمان من دخول الجنان..! 

{وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}: إذاً هي التقوى (خشية الله والخوف منه)، رأس الأمر كله، إذاً هي صفة المؤمنين، الواقفين عند حدود الله، المراقبين له في حركاتهم وسكناتهم.. العاقبة لهم، والجزاء الأوفى..

التقوى إذاً، هي الحد الفاصل بين الإرادتين، ميَّزت هؤلاء من أولئك، هي لباس للمؤمنين، خلعه المتكبرون..!

انتبهوا..! تلك الدار الآخرة.. ليست إلا للمتواضعين، الضعفاء، المساكين، المظلومين، الشرفاء.. وأما العالون، المتكبرون، الفاسدون، المفسدون، فلا دار لهم يستريحون فيها إلا دار الخزي والندامة، وإلا الصَّغار والشَّنار..!    

أحمد طاهر أبوعمر

                                                                                                                                                                                                                                                                                 

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: