ثرواتُ وطنٍ أَخفاهَا وَهمُ الإِستقلال (بقلم أبو محمد سفيان)

 

مسكين يا شعبِي، فكلّ أحداث يومك تراوح بين خبر سيّئ و خبر أسوأ، وكلّ يوم يمضِي يُفصِح عن فصل جديد من فصول مأساتِك مع الطّغاة وأذنابهم.

آخر الفصول كان صادمًا وقد أشاع الغُبن على كلّ المواطنين، الغنيّ قبل الفقير والمثقّف قبل البسيط، لقد تم فتح ملفّ طالما كان محرّما على ألسِنة العَامّة (أمّا المختصّون والخبراء فقد كانوا يعلمونه لكن الخوف والمصلحة جعلتهم متواطئين بالسّكوت)، هو ملفّ ثروات هذا الوطن المستضعف ومُستغلّيهِ من الضّفة المقابلة. هذا الفصل المتكّرر من تراجيدِيَا المجتمعات المستباحةِ بتفرّد الشّركات الأجنبية – طبعا مع بعض عملاء الدّاخل- على نهب مقدّرات أجيالٍ متعاقبة، إلى جانب إقناع هذا الشّعب أنّه ينتمي إلى وطن فقير. بينما نحن وطن غنّيّ لكن مع تأجيل التّنفيذ.

سقطت ورقة التّوت الأخيرة عن مطبّلي دولة “الإستقلال”، وعن أيّ إستقلال يتحدّثون؟

فوثيقة الاستقلال إلى يومنا هذا نجهل أسرارها، وتلك التي طالما وضعناها وسامًا على صُدورنا لم تكن سوى الجانب المُعلن من إتّفاق ذو جوانبَ عدّة، أمّا بقية الإتّفاق فمخفي في صدور المستعمرين وعملائهم.

بدأت أقتنع بأنّ فرنسا هي من سعت حثيثا لإستقلالنا، فالأمر فيه توفير للدّم الفرنسي وإعفاء من أعباء ماليّة ضخمة لحملاتٍ عسكريّة غير مضمونة العواقب. وكانت من قبل قد زرعت حقولا شاسعة من المتعاونين المحليين و الوكلاء ستقطف ثمرتهم حين تغادر، فيضمنون لها كلّ إمتيازات النّهب واستباحة خيرات هذا الوطن. مقابل ذلك ستمنحهم شَرَفَ التّحريرِ وسَتعبِّدُ لهم طريق الحكم بكل الوسائل (الاغتيالات، تصفية كلّ الخصوم…)

آباؤنا كانوا طيّبين حدّ السّذاجة، صدّقوا الدُّفعة الأولى من المتخرّجين من معطف فرنسا، وعرّضوا صدورهم للرّصاص وإستُشهد الكثير منهم في فصل من فصولِ مسرحيّةٍ أخرجها المستعمر لينثر قليلا من الدّماء ويَصطنِع بكارةً جديدة لدولةٍ أقنعونا أنّها دولة “الإستقلال” ولم تكن سوى مقاطعةٍ تُدارُ بالوكالة.

لم نسترجع من المستعمر إلّا قشرة الوطن، أمّا الخيرات والمقدّرات فلا زالت على ملك يمينه.

وهنا نتفهم شراسة فرنسا في دفاعها عن بن علي للرّمق الأخير، فما زرعته أصبح مهدّدا بأن تذروهُ رياح الثّورة. وما نشهده الآن من منغّصاتٍ هو إعادة رسكلةٍ لوسائل الاستعمار، ليس صدفة ان تظهر الاغتيالات السياسية في تونس في الخمسينات ثم في 2013.

هذا التّكالبُ الفرنسي في دفاعها على حصونها القديمة، إلتقطته الطبقة السّياسية التونسية (معارضة وسلطة) فسعوا لطمأنة الغرب بأن حصّتهم في مخزونِنَا من بترول ومعادن مصانةٌ و لن تكون على طاولة المزايدات السياسيّة، كان حدسهم السّياسي يدفعهم لإرسال إشارات الولاء و الطاعة للإتّفاق القديم المستجد.

بفضل الثّورة تمكّن الشّعب التونسي من رؤية “وهم الإستقلال”

فإمّا أن يحقِّقَ شروط الوطن الحر..

وإما سيُحسن شروط الإتّفاقِ لا غير.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: