ثقافة “المكدلة” و”الكوكلة” ( بقلم الأستاذ بشير العبيدي)

بعضنا لا يريدُ أبدًا أن يضيّعَ وقته … يطالبُ بأكلةٍ سريعةٍ ساخنةٍ جداً ومشروبٍ عاجلٍ باردٍ جدًّا، يستهلكه في الحين، ويرمي بالنفايات في أقرب مزبلة، وقد يترك فضلاته على عين المكان ويمضي. ليس لديه وقت. هذا ما يحصل غالبا في مجال الأفكار والمواقف والتحاليل التي يتناولها عدد منا في مواقعنا الاجتماعية، يقول لك هذا الصنف من الناس : قل لي من الآخر، أنت مع أو ضدّ؟؟ هذا حلال أو حرام؟ هل هذا جيد أو ليس جيدا؟ أنت موافق أو غير موافق؟ نعم أم لا؟؟ هيا … أسرع… أجبني … لا تشرح لي ولا تكتب لي مقالة … فلا وقت لي أن أفكر …. بسرعة من فضلك … هات الجواب…. وبالمقابل، تجد الشخصَ نفسه يقضي الساعات والساعات في الحوارات الثنائية التي قد تكون ممتعة لا شك، غير أنها لا تضيف شيئا لثقافة الشاب العربي. وأنا أزعم أن أحد أسباب تدني الإنتاجية ترك بعضنا للعمل وإنفاق الوقت في الدردشة والفضفضة والفرفشة …. وحين تتعقد الأمور في المجتمع وتتعرض الأوطان لهزات كبيرة، كثيرا ما تجد هذا الصنف يغير رأيه بسرعة فائقة وبدرجة 180 درجة على المنقلة، وقد يكتفي بمجرد أنه يثق في رأي فلان، وإن دخل به فلان إلى جحر ضبّ دخل معه، وكثير من الشباب المندفع يذهب في خيار حياتي بسرعة فائقة ثم يندم يوم لا ينفع الندم، ويستند على رأي علان دون إعمال ذهنه وعقله في حجج علان، وإن ناقشتَه لا يقدر أبدا تفكيك موضوع وإحضار الحجة ومقارنة الأشباه والنظائر، ويجد ذلك فلسفة لا طائل من ورائها، وبعضهم يقول : رأسي به وجع من التفكير … لأنه تعوّد أن يفكَّر له ويُدبّر. ولقد ناقشتُ هذا الصنف في رحلتي الأخيرة لتونس الخضراء قبل أشهر، وذلك في مسقط رأسي ببلدة أوتيك، قال لي، بعد أن كرعَ جرعة من سيجارته ملأ بها رئتيه ثم نفث الدخان في وجهي : هذه الحكومة التي جاءت بعد الثورة يا أستاذ لم تجلب لتونس شيئا يذكر. على الأقل كان عليها تطبيق الشريعة !!! فقلت له : يا هذا أنت تدخّن فهل تعرف حكم الشريعة في الدخان؟ قال لي : هو مهلكة للجيب والصحة. فقلت له : لو منعت الحكومة، التي تمنيتَ لو طبقت الشريعة، الدخانَ من تونس فماذا تراك ستفعل؟ فقال : ورأس أمي الحنونة أخرب البلاد عليهم، وأطالب بعودة بن علي للحكم !!!! بالنسبة لي، هذه الطريقة في التفكير المعبرة عن التشوّه، هي نتيجة مباشرة لظاهرة “المكدلة”، نسبة لماكدونالز وأكلته السريعة الساخنة جداً و”الكوكلة” نسبة لمشروبه كوكاكولا العاجل البارد جدا… وإذا وصلتَ عزيزي القارئ إلى هذا السطر، أشهدُ أنك لست من أهل المكدلة والكوكلة … والأرجح أنك من أهل التواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة ….

بقلم | بشير العبيدي | ربيع الثاني | 1435|

“كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا .. وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أمَلًا”

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: