cop

ثلاثة عشر قرناً من الخلافة الراشدة / مع د.طه الدليمي


أمة ليس فيها سوى أربعة أو خمسة خلفاء راشدين هي أمة تافهة. وأمة طوال قرونها المفضلة لم تخرج لنا سوى خمسة خلفاء مفضلين أمة لا تستحق الحياة بلهَ القيادة.
إن هذا القول السخيف أشبه بقول الشيعة إن الصحابة ارتدوا إلا خمسة. كلاهما خرج من سبيل واحد، وابتلعته الثقافة الرائجة مع ما ابتلعته من نفايات الدس الشعوبي.
الخلافة الراشدة كل حكم خاضع لشرع الله.
وليست هي على درجة واحدة، إنما تتفاوت فيمدىإقامة شؤون الحياة على مِسطرة الشرع، ولم يشترط ربنا علينا أن نبلغ الكمال في أي شيء لننال القبول عنده، بل هناك نسبة من الخطأ والخطيئة لدى العبد لا تخرجه عن وصف الإيمان. كذلك الخلافة الراشدة تتفاوت في مدى تمثلها شريعة الله تعالى من جيل إلى جيل، وظرف إلى ظرف. وقد يتخللها خلفاء فاسدون، لكن لا يتعدى الوصف السيئ الحاكم إلى النظام ما دام النظام خاضعاً للشرع ضمن الحدود المقبولة فلا غرابة أن يكون خليفة فاسد في نظام راشد. وهكذا فإن عموم عصر الحكم الإسلامي هو خلافة راشدة تخللتها فترات سيئة، أو خلفاء سيئون.

حصر ( الخلافة الراشدة ) بأربعة مفهوم تاريخي .. لا تنصيص شرعي
أثبتُّ في كتاب (الملك الراشد خلافة على منهاج النبوة) أن هذه الأسماء (الخلافة، الملك، الإمارة، الرئاسة وما أشبه ذلك) تتداخل فيما بينها، ويطلق بعضها مكان بعض والمراد منها واحد هو الحكم.
وهذا هو المتقرر في كلام العلماء. يقول النووي: المراد بالإمام الرئيس الأعلى للدولة. والإمامة والخلافة وإمارة المؤمنين مترادفة. والمراد بها الرياسة العامة في شؤون الدين والدنيا([1]). وهذا مجرد مثال.
لكن الشائع في الثقافة الرائجة حين يطلق مصطلح (الخلفاء الراشدون) انصرافه ذهنياً إلى الخلفاء الأربعة (أبي بكر وعمر وعثمان وعلي) رضي الله عنهم فقط دون سواهم ممن جاء بعدهم. حتى بات هذا المفهوم من المسلَّمات العلمية، وربما العقائدية أيضاً!
وحين نستعرض الأدلة على هذا القول لا نجد سوى شبهات أو متشابهات تتراوح بين نص صحيح غير صريح، أو نص صريح غير صحيح. بل إن هذا المعنى من أفسد المعاني؛ إذ يستلزم ذم تاريخ الإسلام بأجمعه سوى ثلاثة عقود لا تشكل شيئاً نسبة للزمان، فيكون الإسلام ديناً مثالياً غير قابل للتطبيق. إضافة إلى ما فيه من تجنٍّ واضح على حضارتنا وسمعة الأمة وعظمائها، ومخالفة لمدح النبي صلى الله عليه وسلم لتلك العهود الخيرة بقوله المروي في الصحيحين: (خير القرونِ القرنُ الذي بعثت فيهم، ثم الذين يَلُونهم، ثم الذين يلونهم‏).‏‏
وعند إعادة النظر في المستندات العلمية التي اتكأ عليها هذا الإطلاق نصل إلى أن هذا المصطلح بمفهومه الشائع المحدود إنما استعمله المؤرخون كتسمية اصطلاحية في إطار تحديد الفترات التاريخية التي مرت بها الأمة بعد مجيء الإسلام، وليس بين يدينا نص شرعي يصرح بقصره على الخلفاء الراشدين الأربعة فقط. وكل ما يحتج به من آيات وأحاديث إنما هي إشارات وتعميمات لا تشكل نصوصاً صالحة للاعتماد في هذا السبيل.
نعم هناك سبق فهمٍ يتبادر إلى الذهن – بحكم التكرار والتقليد – عند قراءة بعض النصوص الواردة مثل حديث سفينة. وقد مر الجواب عنه، وأنه لا دليل فيه.
وعلى هذا الأساس فإطلاق مصطلح (الخلافة الراشدة) على فترة حكم الخلفاء الأربعة فحسب إنما هو اصطلاح تاريخي ليس عليه من تنصيص شرعي. ولا بأس بالاصطلاح، ولكن إذا تداخل المفهوم التاريخي بالمفهوم الشرعي وجب البيان معالجةً لكل التداعيات الوهمية التي استلزمها هذا التداخل أو الخلط بين المفهومين، وهو الواقع.
قد يتوهم البعض أن قول النبي e: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)([2]) يعني حصر الخلافة الراشدة بالخلفاء الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. ولا ينتبه إلى أن النص لم يرد فيه تحديد لعدد الخلفاء الراشدين ولا أعيانهم.
وإذ لم ينتبه إلى ذلك كيف لم ينتبه إلى ما في التفريق الحاد بين الخلافة والملك بحيث يقتصر الحكم الراشد على فترة زمنية لا تتعدى ثلاثين سنة.. من إساءة بالغة لتاريخ الإسلام، تنسحب على الإسلام نفسه، وتجعله ديناً مثالياً غير قابل للتطبيق إلا في حالات استثنائية لا تشكل شيئاً قياساً بالتاريخ الممتد عبر الزمن. هل يعقل أن الإسلام نظام سياسي لم يعمل به المسلمون سوى ثلاثين سنة؟! حتىقالبعض الإسلاميين، الإسلاميين لا غيرهم ومن قادتهم لا عامتهم: “والحق أن الهدف الذي رمى إليه الإسلام عندما جعل الإنسان خليفة في الحياة وكلفه بالتسخير وفضله على كثير من الخلق، لم يتحقق كاملاً في تاريخ المسلمين. فقد بدأ الاضطهاد والاستلاب المتنوع للإنسان في ظل الدول والإمارات التي قامت في العالم الإسلامي بعد عصر الخلفاء الراشدين إلى عصرنا الحالي، وسحب من الإنسان المسلم تلك الحرية الإنسانية في إطار الضوابط التي وضعها الإسلام”([3]).

[1]- المجموع شرح المهذب، 19/191، محي الدين يحيى بن شرف النووي (ت 676هـ)، دار الفكر.
[2]- رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني وغيره بِمجموع طُرُقـه. ولم يسلم الحديث من مقال سنداً ومتناً. والملاحظ أن حديث (سفينة والملك العضوض وسنة الخلفاء الراشدين) لا يسلم سندها من مقال، وربما لذلك لم يروها الشيخان في الصحيحين، وبعضها لا يسلم متنه من نقد. ومثل هذه الروايات لا يستقيم علمياً بناء أحكام خطيرة عليها، مثل أصول الاعتقاد والعمل، والإساءة إلى أحد من الصحابة، والإشارة إلى عصر كامل بالذم لا سيما إن كان داخلاً في فترة عصور الخيرية. على أنني تعاملت معها على أساس صحتها، وبينت وجوه الوهم الذي بني عليها.
[3]- قواعد التكفير عند أهل السنة والجماعة، ص97، د. محسن عبد الحميد. الطبعة الأولى، 2009-1430، دار الفرقان للنشر والتوزيع، الأردن.

القادسية

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: