ثورات مبتورة بقلم الأستاذ أنور الجمعاوي

شهد الاجتماع العربي بداية سنة 2011 حالة حراك احتجاجي، جماهيري، انطلقت من تونس، أين أحرق شابٌ نفسه، معبّراً عن احتقان اجتماعي، امتدّ سنين عددا، وتراكم نتيجة فشل النّموذج التّنموي والخيار السّياسي الأحادي والنّهج الثّقافي المغلق للدّولة القامعة التي عجزت عن إدارة الشّأن العامّ على نحو يضمن توفير الحقوق وحماية الواجبات، فكان أنّ انتفض النّاس في كلّ أنحاء البلاد، واستجاب لنداء الاحتجاج على الحاكم المستبدّ عدد كبير من المظلومين والمهمّشين والمقهورين في أرض العرب.

وكان لافتاً لانتباه دارسي حركة المجتمعات الثّائرة أنّ شعارات المحتجّين في أماكن الحراك هي شعارات تتشابه، فرأينا الشّعوب في تلك البلدان، جميعاً، تنادي بصوت واحد: “الشّعب يريد إسقاط النّظام” و”شغل، حرّية، كرامة وطنيّة” و”الشعب يريد محاسبة رموز الفساد” و”الحرية لمساجين الرّأي …”.

وبناء عليه، فإنّ الرّغبة في التّعبير والشّوق للحرّية، والحلم بتحرير الذات من سطوة الحاكم المستبدّ، وعصابته البوليسيّة والمافيوزيّة الجاثمة على الحجر والبشر، كانت غالبة على النّاس، ورافق ذلك شوق أكيد إلى التّنمية والتّشغيل وضمان العيش الكريم، وتوق صارخ إلى إقامة الدّولة العادلة، بديلاً عن الدّولة الجائرة.

وأثمر سعيُ الشّهداء والجرحى ومساجين الرّأي وعموم المحتجّين في انبلاج فجر الرّبيع العربي، في عدد من دول المنطقة، فقد أسهمت حركة الشّارع في سقوط النّظام الحاكم، كلّيا أو جزئيّا، وأسّست لمرحلة جديدة، تُسمّى بمرحلة الانتقال الدّيمقراطي التي يُفترض أن تهيّئ الدّعائم الدّستوريّة والقانونيّة واللّوجستيّة والدّبلوماسيّة، لإقامة الدّولة الجمهوريّة الدّيمقراطيّة المنشودة، والتي خرج النّاس في طلبها فرادى وجماعات، ودقّوا بابها بيد حمراء، خضّبها دم الشّوق إلى النّهضة، بعد قرون من التردّي في دياجير الانحطاط. سقطت رموز الدّيكتاتوريّة، وظهر حكّام جدد في المرحلة الانتقاليّة.

وكان المأمول أن تقطع المراحل الانتقاليّة مع عصر الدّولة الشموليّة، وتحوّل الثّورة من صرخة غضبٍ شعبيّة إلى ثقافة جمعيّة، وترتقي بها من كونها حلماً إلى كونها واقعاً، فتعمل على إجراء إصلاحاتٍ جذريّةٍ، في مختلف المجالات الحيويّة التي عليها قوام الدّولة، وفي مقدّمتها القضاء والإعلام والاقتصاد. لكنّ الملحوظ، بعد سنوات من الحراك الاحتجاجي الثّائر في البلاد العربيّة، أنّ إدارة المرحلة الانتقاليّة لم تكن عمليّة سهلة، بل كانت مشروعاً تحفّ به المخاطر، وتواجهه التحدّيات من كلّ جانب. وبدا أنّ الحكّام الجدد لم تكن لديهم الخبرة الكافية لإدارة دواليب الدّولة، ولم تكن لديهم الجرأة الكافية للإقدام على القيام بإجراءات إصلاحيّة عميقة تجعل المواطنين يشعرون بتحوّل نوعيّ من عصر الدّولة القامعة إلى عصر الدّولة العادلة.

فمع أهمّية ما تحقّق في مستوى توسيع مجال الحرّيات العامّة والخاصّة، وإشراك المواطن في الشّأن العامّ، والانتقال من الأحاديّة إلى التعدديّة، فإنّ أداء الحكم الانتقالي ظلّ مرتبكا في مستوى إقامة العدالة الانتقاليّة، ومحاسبة رموز الاستبداد، ومقاومة جيوب الفساد الإداري والاقتصادي والإعلامي. ما أتاح الفرصة لعودة النّظام القديم الذي استعاد أنفاسه، بسبب بطء وتيرة الإصلاحات، وبسبب عجز النّخب الحاكمة على الاستجابة للمطلبيّة الاجتماعيّة المجحفة. فتزايدت مظاهر الاحتجاج السّلمي، أو الفوضوي، وتراجعت هيبة الدّولة، ونشطت حركة الثّورة المضادّة التي وجدت في إحساس المواطن بالإحباط مجالاً للتوسّع، ووجدت في الانفلات الإعلامي مجالا للتّعبير عن مقولاتها، موظّفة المال الفاسد القادم من الدّاخل والخارج، لبعث منابر إعلاميّة مهّمتها الأساسيّة تشويه الثّورة، وإشاعة الفوضى، وبثّ الفرقة، والتّشكيك في كلّ شيء، عدا حقبة ما قبل الثّورة التي جرى تلميعها وتبييضها صباح مساء، في الصّحف الصّفراء وقنوات الشدّ إلى الوراء. في المقابل، انحسرت ثقافة الثّورة، وبدا إعلام الثّورة باهتاً غير مساهم في تشكيل الوعي، وإعادة بناء العقول على نحو يُسهم في إنتاج مواطن عربيّ جديد. وفي السّياق نفسه، ظلّ القضاء في قبضة البيروقراطيّة التقليديّة، ما أدّى إلى إهدار حقوق المظلومين، وإطلاق سراح الجلاّدين، وعودة العسكر.

وقفت الثّورة في منتصف الطّريق، فكانت ثورة مبتورة، وتلك معضلةٌ عواقبها خطيرة، لا محالة.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: