” ثورة الهندسة..فشل الدولة و طموح الطلبة ” … بقلم الناشط السياسي فراس العيني

التطور التكنولوجي يحتل مرتبة متقدمة في قائمة عوامل قوة الدول، فهو عامل يحسب له ألف حساب و غاية ترسم لها السياسات و توضع لها الإستراتيجيات من أجل بلوغها و الوصول إليها و هي مشكلة يعتبر حلّها من السهولة بمكان إذا توفرت الإرادة السياسية و السياسة الراشدة و الحكيمة و الفشل في بلوغ التطور التكنولوجي ليس سوى دليل على غياب الإرادة السياسية أو السياسة الراشدة و الحكيمة و بالنسبة لعالمنا العربي عموما و تونس خصوصا فإن دليلا الفشل -أي غياب الإرادة السياسية و السياسة الراشدة و الحكيمة- متوفران و واضحان لكل ذي نظر و بصيرة وإن كان غياب الإرادة السياسية يحتاج بعضا من الزاد الفكري و السياسي لاستيعابه إلاّ أن غياب الخطط الحكيمة و الإستراتيجيات الواضحة أمر ملموس محسوس في كل المحطات التي يمر بها قطار التطور التكنولوجي و لعل أبرزها قطاع الهندسة. انطلق طلبة مدارس الهندسة و المعاهد التحضيرية في إضراب مفتوح منذ يوم الاثنين 5 جانفي 2015 في حركة عفوية مستقلة عن كل النقابات الطلابية و التنسيقيات الجامعية، فقد تضافرت الجهود بين طلبة مختلف مدارسة الهندسة في مختلف الولايات من أجل الدخول في إضراب بعد أن فاض الكأس بآخر قطرة و هي فتح المعابر بين مراكز التكوين المهني و جامعات التعليم العالي بطريقة عشوائية و دون دراسة أو تفصيل في تطبيق أعمى لما سمي “توجه عالمي في مختلف الدول المتقدمة” حسب كلام وزير التشغيل و التكوين المهني حافظ العموري فكان هذا القرار هو القطرة التي أفاضت الكأس و جعلت طلبة الهندسة يجمعون على الدخول في إضراب مفتوح لن يتم تعليقه إلاّ بعد أن تستجيب وزارة التعليم العالي و البحث العلمي إلى مجموعة من المطالب التي ما انفك مهندسو المستقبل يطالبون بها، و لعل أبرزها هو مراجعة منح الرخص للمدارس الخاصة لتكوين المهندسين التي أضرت كثيرا بالقطاع و انحدرت به إلى مستوى جعل من الحصول على شهادة الهندسة أسهل من الحصول على “شهادة طبية” خاصة و أن نسبة البطالة في قطاع الهندسة قد تجاوزت 60 بالمائة، و تعتبر المدارسة الخاصة لتكوين المهندسين معضلة حقيقية تواجه قطاع الهندسة من حيث التكوين و من حيث العدد الغير محدود من الخريجين و كذلك من حيث استقطاب الأساتذة ذوي الخبرة اللاهثين وراء أجر أرفع و ظروف ملائمة أكثر.

انتشر الإضراب على نطاق واسع فقد أظهر كل المهندسين من أساتذة و باحثين و مهنيين و عاطلين عن العمل مؤازرتهم للطلبة و وقفوهم إلى جانبهم في مطالبهم المشروعة و المعقولة و الطبيعية كما حضي الإضراب باهتمام شعبي فرض على وسائل الإعلام أن تغطيه منذ يومه الأول، و نتيجة لهذا الضغط أصدرت وزارة التعليم العالي و البحث العلمي بيانا يؤكد بُعد القائمين عليها عن فهم حقيقة المشاكل التي يعاني منها هذا القطاع الحساس و الهوة العميقة التي تفصل المسؤولين في هذه الوزارة عن مطالب الطلبة و طموحاتهم و من بعده خرج وزير التشغيل و التكوين المهني حافظ العموري ليؤكد هو الآخر مدى العزلة التي يعيشها بعيدا عن تطلعات المضربين و حقيقة مطالبهم ليحصر المشكلة في المعابر بين مراكز التكوين و جامعات التعليم العالي غاضا الطرف عن موضوع المدارسة الخاصة و كيفية إسناد الرخص إليها.

صورة واضحة المعالم شديدة التعبير عن عجز تام من سلطة الإشراف على حل المشاكل العالقة بل عن بعد تام عن التشخيص الحقيقي للمشاكل نستنج منها أننا بعيدون كل البعد عن الطريق الحقيقي للتطور التكنولوجي ليس فقط من حيث غياب الإرادة السياسية بل من حيث غياب أبسط الخطط و الإستراتيجيات للنهوض بقطاع الهندسة الذي يعتبر رأس الحربة في كل عملية نهوض تكنولوجية.

يستمر إضراب الطلبة إلى أجل غير مسمى مضحين في ذلك بامتحاناتهم و دروسهم التي لا تنتهي، فما جدواها إن كانت البطالة هي المآل أو ما أهميتها إن كانت الشهادة تباع بالمال؟؟ و لعل وعي الطلبة يزداد عمقا حين يشيرون في بعض نقاشاتهم و أحاديثهم الجانبية أن الخصخصة هو توجه عام و سياسة حكومية متبعة فالتعليم الابتدائي و الثانوي و التعليم العالي متجه نحو الخصخصة و كذلك المستشفيات و الصحة و ها نحن نرى الجرائم المرتكبة مع سبق الإصرار و الترصد من طرف شركة الكهرباء و الغاز حتى يفرح الناس فيما بعد بخصخصة مجال الطاقة و بالتالي ترفع الدولة يدها عن كل القطاعات الحساسة و تتبرأ من كل أنواع المسؤولية و تفقد وظيفة رعاية شؤون الناس نهائيا ليبقى دورها منحصرا في جمع الكثير من الضرائب و توفير القليل من الأمن.

 

بقلم فراس العيني – طالب هندسة و ناشط سياسي في صفوف حزب التحرير –

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: