SALIM AZOUZE

حادث الطائرة.. وفقه “المرأة الحامل”!/ بقلم سليم عزوز

حادث الطائرة.. وفقه “المرأة الحامل”!/ بقلم سليم عزوز

 

إنهم يتعاملون وفق قواعد سلوك “المرأة الحامل” في شهرها “التاسع”، أي على “وش ولادة”، وأقصد بهم هؤلاء الذين يستغلون حادث الطائرة، فيستدعون وطنية زائفة، فيأخذون القضية في اتجاه آخر، وبدلا من أن يحتشدوا لمعرفة الحقيقة، إذا بهم يتنادوا لركوب طائرات “شركة مصر للطيران”، ويعلنون أن غير الوطنيين هم الذين يشمتون في ضحايا الحادث، دون أن يضربوا مثالا بنموذج، ودون أن يعرضوا مقولاته التي اعتبروها تدخلا في باب الشماتة، وتخرج صاحبها من باب الوطنية “السمحة”!

في مداخلاتي التلفزيونية في يوم الحادث، قلت أكثر من مرة، إن “مصر للطيران”، ليست شركة حديثة أو في طور الإنشاء، لكنها واحدة من أهم شركات الطيران في العالم، فضلا عن أن سابقة أعمال قائد الطائرة التي سقطت، ترتقي به لأن يكون خبيرا في مجاله، وليس مجرد “طيار عادي”، وذلك في مجال التحليل مع الشح المطاع في المعلومات، لترجيح فرضية على أخرى، والوقوف على أسباب الحادث!

أعلم أن هناك فسادا في الشركة، وقد نشرت جريدة “الأحرار” المصرية في السابق، حملة ضدها استندت على تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات، لكنه فساد، أو مخالفات، في إدارة الشركة، التي كانت لها حصانة خاصة، مكفولة من “مبارك”، وقد ظهرت جلية في المحاكمات التي نصبت للزملاء “الخمسة” الذين نشروا وقائع هذا الفساد، وهذا موضوع معقد، ويحتاج إلى مقال مستقل، وإلى مناسبة تدفع لكتابته!

بيد أن هذا الفساد بعيد عن مجال اختيار الطيارين الذين يلتحقون للعمل في الشركة، وعن مجال شراء الطائرات المستخدمة، إن شئت الدقة فقل الطيار المصري هو في مستوى أقرانه في الدول المتقدمة!

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن “مصر للطيران”، ليست من إنجازات “عبد الفتاح السيسي”، ونجله ليس هو قائد الطائرة أو مساعده، وأن أيا من أفراد أسرته لم يكن من طاقم الضيافة فيها، أو من ضحاياها، ليستدعي الأمر أن يشمت فيهم الشامتون، لاحظ أن “الوطنيين الجدد”، يقصدون الرافضين للانقلاب، عند حديثهم عن الذين تجلت خيانتهم لتراب الوطن، وافتقادهم للمشاعر الإنسانية، إلى حد الشماتة في الحادث وفي الضحايا.

لقد بدا الأمر كما لو كان توجيها من “عباس كامل” سكرتير “السيسي”، بحديث “الشماتة”، فالذين عزفوا هذه النغمة، لم يكونوا من “عوام الناس”، ومن “سريحة” مواقع التواصل الاجتماعي، وقد راعني في هذا “الاستدعاء القسري” للوطنية، أنهم لم يضبطوا شامتا واحدا متلبسا بالشامتة، فهم يعلقون على غائب، فلا كلمة واحدة تفيد أن أعراض الشماتة ظهرت على “جنس بني آدم”!

بعد أيام من الحادث وجد “الوطنيون الجدد” في بيان صادر عن جماعة الإخوان المسلمين بغيتهم، لإثبات أن جماعة كاملة تمارس “الفعل الفاضح” متمثلا في الشماتة، أيضا دون أن ينشروا البيان، أو يقتطعوا منه الكلمات الدالة والعبارات المكونة لأركان هذا الفعل!

فالبيان، وإن تقدم بالعزاء لأسر الضحايا، فقد أوحى أن هذه الضبابية التي أحاطت بالحادث لابد وأن تثبت أن وراء الأكمة ما وراءها، ومن ثم فقد انطلق البيان منددا بالانقلاب العسكري، الذي ارتكبت كل هذه الحوادث في عهده، دون القدرة على التوصل لحقيقة الموقف!

لا شماتة هناك ولا يحزنون، وقد كانت فرق “الوطنيون الجدد”، تمتلك الذكاء الكافي الذي دفعها للإمساك في البيان، لتعليق الاتهام في رقبة الجماعة، دون التورط في نشره، لأنه فضلا عن أنه لا يثبت الشماتة، فإنه يطرح أسئلة عدم الإجابة عنها، لا يحتمل إلا أمرا من اثنين:

الأول: إما لعجز السلطة في النهوض بمسؤولياتها، أو للدفع بنظرية المؤامرة لأن تأخذ مجراها، لاسيما عندما يحدث التضارب في البيانات في يوم الحادث، بين الجيش وشركة مصر للطيران، فتنسب الأخيرة للأول أنه تلقى إشارة قبل سقوط الطائرة، وهو ما نفاه المتحدث العسكري، وللعلم فإن الانتصار للجيش هنا تم عبر قناة “الجزيرة” ومن خبير صيانة الطائرات، المنحاز للشرعية المهندس “أسامة بسيوني”، الذي قال إن السفن من تطلق الإشارات للقوات المسلحة، وليست الطائرات، فالطائرات ليست مجهزة لإطلاق الإشارات.

فقطع “بسيوني” الشك باليقين، لأن نفي الجيش، وأيضا عدول “مصر للطيران” عما نسبته إليه، لا يمكن التسليم به بسهولة إزاء حالة الشك، والقول بأن القوات المسلحة تلقت إشارات من الطائرة قبل سقوطها، دون أن تتحرك للإنقاذ، أو معرفة موقع السقوط، فإن هذا يؤكد أن تقصيرا إو إهمالا قد وقع، وهو الاتهام الذي دفعه هذا المتخصص المنحاز لشرعية الرئيس المنتخب المهندس “أسامة بسيوني”!

الأمر الثاني: مرده إلى ظهور دولة الانقلاب كالأطرش في الزفة، وقد شاهدنا كيف أن مؤتمر وزير الطيران، أثبت إذا توافر شرط حسن النية فإن الرجل آخر من يعلم. أما سوء النية فسوف يذهب بنا إلى أن جريمة جرى التواطؤ حولها، فعندما ينشر على نطاق واسع، ومن مصادر مهمة، أن حريقا شب في غرفة المعدات الإلكترونية في الطائرة، فإن هذا لابد وأن يدفع بنظرية المؤامرة للحضور، لأن انبعاث الدخان يفترض أنه وصل لعلم الشركة المصنعة والشركة المالكة، ليطرح هذا سؤالا حول هل حدث هذا فعلا؟!.. فلماذا لم تعلنه الجهات المسؤولة في مصر، وقد اجتمع ما يسمى بمجلس الأمن القومي برئاسة السيسي وقتها؟.. وإذا كان لم يحدث فلماذا لم تبادر هذه الجهات بنفيه فور إعلانه؟!

إن مثلي لا يمكنه أن يتقبل بحسن نية كلام وزير الطيران، بأن كشف ملابسات الحادث قد يطول، مستدعيا موضوع الطائرة الماليزية، التي قال إنه لم يتم التوصل إلى أسباب سقوطها إلا بعد عامين.. فماذا يعني هذا؟، وهو ما عزف عليه عبد الفتاح السيسي في خطابه أمس (الأحد) بقوله إن كشف ملابسات سقوط الطائرة قد يستغرق وقتا طويلا. فيبدو أن فكرة الوقت الطويل مقررة سلفا ومن أول يوم.

وعندما يتم نشر قرار “عبد الفتاح السيسي” بقبول القرض الروسي، الذي يمثل من حيث القيمة ومن حيث شروطه جريمة وطنية، إذا يبلغ (25) مليار دولار، في نفس يوم الحادث، فإن هذا يطرح في الأذهان سؤالا: أليس توقيت النشر في هذا اليوم العاصف ليس بريئا، لاسيما وحسب ما نشر أن الاتفاق تم قبل عدة شهور وقبل انتخاب البرلمان، فهل حدث فعلا قبل شهور؟ حسنا ولماذا لم ينشر إلا في هذا اليوم؟وإذا كان قد تم توقيعه حديثا، فلماذا لم يعرض على البرلمان، كما ينص الدستور، وأليس في عدم عرضه والالتفاف على مواعيد الموافقة عليه، ما يؤكد أن عملية التستر مقررة سلفا على قاعدة أن الإثم هو ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس؟!

وبعيدا عن هذا فالحادث وقع، في اليوم التالي، لجهر “عبد الفتاح السيسي” بالمعصية، وتحديد موقعه من قضية الصراع العربي – الإسرائيلي، وانحيازه لإسرائيل ودعوته لتوفير “الأمن” لها في يوم “عيد الاستقلال”، وبدت الأجواء الاحتفالية مفتعلة، كما لو كان الغرض منها الاحتفال مع “العدو” السابق بعيده الوطني، فألوان القاعة هي ذاتها ألوان علم إسرائيل، والخطاب من أسيوط دون حضور للصعيد في القاعة أو في الخطاب.

وهي أسئلة لا يمكن أبدا الإفلات من الإجابة عنها، باستدعاء “فقه المرأة الحامل” في إرهاب من يطرحها، مخافة أن يتهم بأنه شامت في الأرواح، وفي الحادث، وعلى أساس أن وجود طرف أجنبي يمكن أن يوقف عمل نظرية المؤامرة، كما قالوا. وهي حجة واهية، فالطرف الأجنبي لم يحل دون ما جرى في تفجير الطائرة الروسية، وقد نشر أن لندن لديها معلومات مدت بها الجانب الروسي، ثم تم طيّ الملف دون أن نعرف ما جرى وما حقيقة المعلومات التي كانت متوفرة لدى البريطانيين!

كما أن وجود الطرف القبرصي في فيلم الكارتون الخاص باختطاف الطائرة المصرية لم يمنع من وقوعه، بل إن الجانب الأجنبي تبين أنه له مهمة وأنه “ستر وغطاء” على الانقلاب وممارساته، فقد استوقف الخاطف الشجاع وحقق معه، في جريمة بنص كل القوانين ينبغي أن يكون التحقيق فيها في مصر، لكن وجود المتهم في القاهرة، سيكشف أمورا ربما لا يراد لها أن تتكشف، فمن الواضح أن الحادث كان للتسرية على الشعب المصري، وقد شاهدوا الخاطف يتصور سلفي مع الركاب والمضيفات، وأن المضيفة الحسناء كانت في مطار قبرص تغادر الطائرة وتعود إليها في شجاعة منقطعة النظير، أشاد بها “الوطنيون الجدد” وتم نقل صورتها وهي تحتسي النسكافيه في وجود المختطف، الذي بدا كما لو كان في جلسة مع محبوبته في “كازينو الشجرة”!

ومثلي لا يمكن أن يتعامل مع “فقه المرأة الحامل”، الذي اعتمده “الوطنيون الجدد” عن الذين شمتوا في الأرواح وفي مصر، إلا للحيلولة دون طرح هذه الأسئلة، وحماية “أهل الحكم” من مهمة الإجابة عنها!

المقصود بفقه المرأة الحامل، هو بالمختصر المفيد “دلالها”، لاسيما إذا كانت حاملا في “ولد”، فأي حركة تواجهها بتحذير بأنها يمكن أن تكون سببا في إجهاضها، بل يتجاوز الأمر حدود هذا إلى دائرة أن الإجهاض يمكن أن يحدث إذا غضبت، ليسهر الجميع على راحتها، فلا يزعجونها، بفعل، أو بتصرف، أو بلمسة، وينتقل الخوف من أن يصيبها مكروه للمجتمع الخارجي، فإذا استقلت حافلة عامة، بدا الجميع في حالة فزع من لمسها، مخافة أن يسقط “الحمل المستكين”، فيتم لهذا الإفساح لها مهما كانت الحافلة مزدحمة!

وهكذا “الوطنيون الجدد” فأي مناقشة للحادث تمثل شماتة، وأي شك يفسر على أنه يستهدف النيل من شركة مصر للطيران، لهذا هبوا ليعلنوا أنهم لن يقاطعوا “مصر للطيران”، رغم ما حدث، ليصبح السؤال: وماذا حدث؟، و”مصر للطيران” ليست متهمة بالتقصير، وليس تخريبها هدفا ولو في مجالها البعيد؟.. فهل المخطط أن تفلس مثلا؟.. ولماذا؟ لإضعاف الانقلاب؟

الانقلاب يقود مصر كلها كدولة إلى إشهار الإفلاس بفشله في المستويات كافة، وآخر هذا القرض الجريمة التي وافق السيسي عليها، ويبدو أن الاقتصاد وحده لا يكفي لإسقاطه وهو الساهر على حماية أمن إسرائيل، وقد حقق الهدف من خطابه الأخير، وأذيع إسرائيليا، وتم الاحتفاء به هناك، ليصبح الهدف هو نسيانه له، ودائما هو يعتمد سياسة الإلهاء ولو بجريمة أكبر!

لاحظ الحضور الروسي في حادث الطائرة بلا مبرر موضوعي، فلا الطائرة روسية الصنع، ولا هي أقلعت من المطار الروسي، كما أنها لم تمر عبر المجال الجوي الروسي، ومع هذا أعلن مدير أمن الدولة الروسي على لسان “داعش”، ما لم تعلنه عبر مواقعها، من أنها من قامت بتفجير الطائرة!

ثم لماذا يعمل رافضو الانقلاب على “إفلاس” مصر للطيران، وهم يستهدفون أن تحكم الثورة، وكل خوفهم من أن يبقي الانقلاب فترة طويلة فيحول مصر إلى خرابة، لا تمثل قيمة لمن يحكمها!

إن “الشحتفة” بالابتزاز بالشماتة، وبموال لن نقاطع مصر للطيران، لن يمنع من طرح الأسئلة ولا يعفي من الإجابة عنها، وحتى لو تم إجهاض كل “الحوامل” في منطقة الشرق الأوسط!

فهتاف أنا حامل لا يفيد!

عربي 21

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: