حبّ الظهور يقسم الظهور

(حب الظهور يقسم الظهور)).. مقولة قديمة انطلق بها الأولين لتذكير النفس بعدم الوقوع في شراك العجب والرِّياء، وتذكر الإخلاص في كلِّ الأعمال،  فالنفس دائماً توَّاقة لحبِّ الظهور بين الناس والمدح من قبلهم، وهي أمرض خطيرة إذا تمكنت خصوصاً من العاملين في الحقل الإسلامي، فهي ستجلب عليه الويلات وتهوي بهم إلى مواطن الهلاك، وذلك مصداقا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من طلب العلم ليباهي به العلماء، ويماري به السفهاء وليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار))، كما أنَّ التابعين قالوا عن من يبحث عن الشهرة وحب الظهور فهو بعيد عن التقوي، فقد قال بشر الحارث: (ما اتقى الله من أحب الشهرة).

وحب الظهور، آفة لها مظاهر عديدة، فترى الشخص دائماً يطلب على الدَّوام أن يبرز على أنَّه أفضل الناس أو أنَّه أكثرهم عقلانية، أو أنَّه الأجدر برئاسة مكان ما، وتراه دائما يطلب لنفسه الرئاسة في الأماكن البارزة، ويشعر بداخله أنَّه في كلِّ الأحوال أفضل الناس، وتراه في النقاش مصرّاً على رأيه لا يتنازل عنه أبداً وإن دخل في مرحلة من المراء والجدال، وحتَّى لو ظهرت له من الآراء ما يدحض رأيه تراه يكابر عن قول الحق.

كما أنَّ تلك الآفة تدفع الفرد داخل أيّ مؤسسة يعمل بها إلى عدم المشاركة الإيجابية عندما يكون مرؤوساً، تجده كارهاً نقد الآخرين له ومعظّماً دوماً من قدر أعماله كثير المباهاة بإنجازاته مكثراً من استخدام ألفاظ : (أنا ولي وعندي)، ويسعى دائماً لإفشال المشاريع والأفكار والمبادرات كافة، التي تصدر عن أيّ شخص غيره، تراه مبالغاً فيما لديه من علم، كثير الحديث عن تجاربه الخاصة، كثير الاحتكاك بمخالفيه في الرأي وخاصة من قرنائه، معتداً برأيه فقط، سيّئ الأسلوب مع الكبار، يعتذر دائماً عن التكاليف الصغيرة التي لا تكفل له أن يبرز، كثير النقد، متهكما على قرنائه وعلى أفكارهم.

حطِّم صنمك

صور خطيرة ينبغي على الفرد أن ينبذها وأن لا ينظر إلى نفسه أباد بعين الاستعظام، وأنَّ لديه شيئاً يفضل به غيره، حيث إنَّ تلك الصفة تكمن خطورتها أنَّها قد تحول بين العبد وبين إخلاص عمله لله، فالإخلاص ليس فقط في التوجه بل في الاستعانة كذلك، فينبغي للعبد أن يخلص في توجهه لله فيما يقوم به من أعمال وأن يستعين بالله في أدائه لها، أمَّا أن يظن الشخص أنَّه بقدراته يستطيع فهو بذلك يستعين بنفسه وإمكاناته في القيام بالأعمال ويظن أنَّ عنده شيئاً ذاتياً يقوم من خلاله بأداء هذه الأعمال، وتجده عظمت نفسه في عينيه وكبرت حتَّى صارت صنماً داخلياً يعظمه ويقدسه ويستعين به في قيامه بأعماله، وهذا أخطر أنواع الشرك الخفي الذي يبعد صاحبه عن التوفيق والكفاية الإلهية.

أسباب عديدة تدفع الشخص إلى محبَّة “صفة حب الظهور”، تجد أهمها في فقدان البوصلة الحقيقة للهدف من الأعمال؛ وهي ابتغاء وجه الله تعالى، فتجد الفرد ينسى غاية العمل، كما أنَّ وجود الشخص أحياناً في لجنة يتفوق على أفرادها عمراً أو علماً سبباً أيضا لمحبَّة إبراز قدراته وتفوقه عليهم، فضلاً عن طبيعة التربية الأسرية والغفلة عن معالجة هذه الآفة منذ البداية، وأيضاً إسناد مهام واسعة لشخص به نبتة لتلك الصفة فتجدها دافعا له على تقوية هذا الشعور فلو تم تقليص تلك المهام أو صلاحياتها لتم وأدها مبكراً، كما أنَّ كثيراً من الذين يقعون في شراك تلك الآفة هم الأشخاص كثيرو العمل في مجال العمل العام، والذين يحتكون مباشرة بالناس، فتجده النفس تدفعه دائماً إلى إبراز قدراته.

مقدار المرء عند نفسه

ولعلاج تلك الآفة ينبغي على المربّي أن يغرس في الأفراد أن يعلموا أنَّه كلَّما كبر المرء عند نفسه صغر عند ربِّه، ولذلك لا بدَّ من غرس معاني التجرّد لله عزَّ وجل في الشخص، فالإعجاب بالنفس من أخطر الصور التي يتحتم على الفرد أن يتحاشاها، فالعجب داء وبيل ومهلك،  بالإضافة إلى التقليل من إسناد المسؤوليات واللجان إلى الفرد، وخاصة في الأعمال العامة الجماهيرية، وتبيان عظيم المسؤولية عند الله تبارك وتعالى لمن أسند إليه مهمَّة، وغرس معاني الإخلاص والتحذير من أمراض القلوب كالعجب والرياء، ويجب عدم مدح الأقران أمام بعضهم البعض، ومحاولة تكليف الفرد صاحب هذه الآفة بالأعمال الإيمانية التي تربط دائماً الفرد بالله عزَّ وجل ليتحقق معني العبودية والتجرّد وتثبيت معنى الإخلاص.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: