حتى لا يكون الحوار مغشوشا اا ( أبو يعرب المرزوقي)

 

خلفية الحوار الانقلابي

إن تحليل شروط الحوار السوي ومنعه من أن يكون خداعا متبادلا بين أطراف المعادلة المتحكمة في الوضع الراهن ومن ثم حوارا انقلابيا بدلا من أن يكون علاجيا يقتضي بعد وصفنا للوضع و ما فيه من محاولات الغش المتبادل بين طرفيه أولا وبين الوسطاء الذين هم متقاضون أكثر من كونهم قضاة أن نمر إلى تحليل المستوى الأول ( المعركة السياسية العادية : حول برامج الحكم التي تقدمها الأحزاب ) في ضوء المستوى الثاني وأثره ( المعركة الحضارية : الخيارات القيمية المتعلقة بالمرجعيات والهوية).

فمن دون هذا النهج لن نستطيع أن نحدد شروط الحوار الذي يمكن أن ينقذ البلاد والعباد مما يحاك لتونس ولكل أقطار الربيع العربي لإفشال الثورة التي باتت تقض مضجع القوى التي ورثناها عن الانحطاطين الجواني والبراني.
وسنكتفي هنا بإشارة قصيرة للمستوى الثاني باعتباره الأرضية المحددة في الخفاء للمستوى الأول دون أن نطيل في علاج هذا الدور على الأقل حاليا.
فبقايا الانحطاطين هي ما وقعت عليه الثورة ومن ثم فلا غرابة أن يكون ممثلوهما ممثلي الثورة المضادة.
لذلك تحالف صفاها الذي يدعي تمثيل الأصالة والذي يدعي تمثيل الحداثة لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل الربيع العربي:

1-القوة الموروثة عن الانحطاط الذاتي لحضارتنا و تمثلها الأنظمة التي تدعي الحكم باسم الأصالة و التقاليد العربية ونخبها التي تقدم خطابا إسلاميا لا يؤمن بتحرير الإنسان وكرامته بل هي متشبثة بسلطان الحاكم المطلق ومن ثم فهي قوة لا تعبر عن قيم الأصالة الإسلامية بل عن تحريفها الناتج عن انحطاطها.

2-القوة الموروثة عن الانحطاط المستورد من المرحلة الفاشية والاستعمارية الغربية وتمثلها الأحزاب والحركات والأنظمة التي تحكم باسم الحداثة والتقاليد الغربية ونخبها التي تقدم خطابا علمانيا لا يؤمن بتحرير الإنسان ذاتيا وكرامته بل هي متشبثة بالتحضير المستبد ومن ثم فهي قوة لا تعبر عن قيم الحداثة الغربية بل عن تحريفها الناتج عن انحطاطها.

استراتيجية الثورة المضادة في موجة الربيع الأولى

وقد بدأت الحرب على الربيع العربي أولا بمحاولات إيقاف مساره أو على الأقل بمحاولة منعه من تجاوز المرحلة الأولى من الثورة ما أمكن ذلك وبكل الحيل المتخيلة.
وقد تم الكثير من ذلك بالطريقتين القادرتين على التحكم فيه أعني طريقة التبريد لتجنب التعفين عند الخوف من تأثيره على الثورة المضادة وطريقة التسخين للحاجة إليه في محاربة الثورة عندما يغيب هذا الخوف:

فسياسة التبريد لتجنب التعفين جربت في اليمن خوفا على بقية الخليج منه. ويبدو أنها قد أتت أكلها بسبب فقر اليمن واعتماده على بنية قبلية و وحدة حديثة لم تستقر بعد.
لكن المؤثر الأساسي في اختيار طريقة التبريد يعود إلى عاملين آخرين يتعلقان بأمن الخليج و بتأمين ممرا تنقل البترول والأساطيل الحامية للمصالح الغربية.
فحرص الخليج على الجوار المباشر وحرص الغرب على الممرات المائية يستبعدان سياسية التعفين في اليمن.

وسياسة التعفين تجرب في سوريا وهي التي يبرز فيها صراع القوة الأكثر تعقيدا لأنه لا يقتصر على معركة الربيع العربي ضمن المجال السني خاصة بل هو يشمل صراعات أخرى سبق أن عالجناها لكنها جميعا يصلح فيها التعفين بالنسبة إلى الصفين الرئيسيين.
فالهدف من التعفين بخصوص صلة الوضع السوري بثورة الربيع العربي في الإطار السني هو تحويله إلى تجربة مريرة تجعل الشعوب العربية تفضل الإبقاء على فاشية الأنظمة التي ثار عليها على تحمل الوضع المتعفن الذي ينتج عن تعثر الثورة كالحال في سوريا.

لكن سياسة التعفين النسقي علتها المستويين الإقليمي والدولي.
فالحرب الأهلية بين فرعي الإسلام السني والشيعي له بعد إقليمي بدأ منذ نجاح الثورة الإيرانية في جعل التشيع القوة الناعمة الضاربة للقومية الفارسية وهو أمر تستفيد منه روسيا وإسرائيل وأمريكا لأن الاقتتال بين المسلمين يجعل هذه القوى الدولية سعيدة ما دام الانشغال بالاقتتال الداخلي يجعل الجميع بحاجة للحماية الخارجية ومن ثم للبحث عن حليف من بينهم فيصبح وجودهم مرغوبا فيه بدلا من أن يكون مرغوبا عنه.

استراتيجية الثورة المضادة في موجة الربيع الثانية

وهكذا نرى كيف أن التداخل بين المستويات الثلاثة المحلي والإقليمي والدولي أصبح أكثر العوامل تأثيرا لأنه أصبح أساسيا في الحربين الأهليتين بين المسلمين حول طبيعة الحكم أو حول دور المواطن في حكم نفسه بنفسه. والحرب الأهلية الأولى بدأ بها تاريخنا (الفتنة الكبرى) والحرب الأهلية الثانية يستأنف بها تاريخنا (حرب الربيع العربي). وهما حربان ستحمان معا في سوريا: لذلك كانت سوريا الامتحان الأكبر للأمة.

لكن الثورة المضادة لم تكتف بالتعطيل في الموجة الأولى من الربيع العربي بل هي في موجته الثانية أعني منذ الانقلاب الذي حصل في مصر والذي هو بصدد الحصول في تونس تحاول جاهدة وجادة للاسترجاع الصريح للوضع المتقدم على الثورة سلما أو حربا وذلك في الأقطار التي تجاوزت المرحلة الأولى من الثورة أعني الأقطار التي أسقطت رموز النظام القديم أي مصر وليبيا وتونس.

وهنا أيضا اعتمدت الخطة على طريقتين:

تخريب كل محاولات الاستقرار بدءا بأكثرها قابلية للإرباك عن طريق الأجهزة المستحوذة على القوة (ليبيا حيث لا وجود لجيش أصلا) وختما بأقلها قابلية للإرباك (تونس حيث ليس للجيش دور سابق في السياسة) وتوسطا بأوسطها (مصر حيث الثورة هي في الحقيقة ضد سلطان الجيش).

تحويل مطالب الثورة المضادة إلى مطالب شعبية بعد إيصال الشعب بتخريب الاستقرار إلى اليأس من تحقيق المطالب العليا والقبول بالشروط الدنيا للحياة البهيمية.
فالشعوب تقدم بالطبع عند الاضطرار الأمن بمعناه المتعلق بالسلامة حياة وملكية وشروط الحياة الدنيا على المطالب العليا للثورة أعني الحرية والكرامة.

وبذلك فالثورة المضادة تحاول بهذه الفنيات الأربع التي وصفنا أن تستكمل مهمتها فترجع ما كان قبل الثورة بقوة الشعب نفسه الذي يصبح ثائرا على مطالب الثورة لاستبداله بها شروط الحياة النباتية إذ يصبح الشعب أول المطالبين بالدكتاتورية طلبا لشروط الحياة الدنيا.
لكن المحدد وراء هذين المستويين السطحي والعميق موجود فيهما كليهما وهو شديد البروز في بنية القوى السياسية المتواجهة في المعركتين الجلية والخفية بحيث إن تحليل هذه القوى يمكن أن يساعدنا على اكتشاف مستويين آخرين أعمق إذا تواضعنا على تسمية المستويين السابقين بكونهما السياسي الجلي والسياسي الخفي فإنه يمكن أن نتواضع على تسمية المستويين المواليين بكونهما الحضاري الجلي والحضاري الخفي:

والأول يتعلق بالمقابلة بين موقفين حضاريين جليين يمكن تسميتهما بموقفي الأصالة والحداثة فيكون الصراع حول ما يسمى بالمكتسبات الحداثية قبولا ورفضا كلاهما عنيف خاصة وكلا الصفين يمكن أن يتنكر في الآخر. و
هو في الحقيقة وجه كاريكاتوري من الوجه الموالي الذي هو الحقيقة الواصلة بين المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

والثاني يتعلق بالمقابلة بين موقفين حضاريين خفيين هما سعي المسلمين لاستئناف دور الحضارة العربية الإسلامية بتحقيق شروطه من جهة أولى والسعي لمنعه من جهة ثانية بمنع تحقيق شروطه التي هي استرداد دور الإنسان العربي المسلم والتخلص من التبعية باستعادة وحدة الأحياز المكاني والزماني والدوري المادي والدوري الرمزي والمناعة الروحية.

مستويات الصراع

وليعذرني القارئ على هذا التعقيد الذي لا ذنب لي فيه لأنه هو عين البنية المحددة لما يجري في الوضع العربي الإسلامي الراهن بمستوياته المحلية الإقليمية والدولية.
وهي بنية حاولت وصفها استشرافا منذ ثمانينات القرن الماضي في كتاب الاجتماع النظري الخلدوني باعتبارها البنية المتحكمة في مجرى تاريخنا الحضاري والروحي شئنا أم أبينا عندما يعود التاريخ العالمي نفسه إلى صراع الأقطاب المتعددة المحيطة بدار الإسلام.

وهذه المستويات تقبل التلخيص بالصورةالتالية:

1-المستوى السياسي الجلي :
القوى السياسية الساعية إلى التوافق من أجل الخروج من المرحلة الانتقالية أعني من نراهم يتقافزون أمام الشاشات و كل يغني على ليلاه.

2-المستوى السياسي الخفي :
القوى السياسية الخفية المحركة للثورة المضادة وهي كامنة في المستوى الأول وتهدف إلى منع ذلك التوافق بتحريك تلك الدمى المتقافزة.

3-المستوى الحضاري الجلي :
محاولة جعل الحقيقة التي هي الرابعة تتحول إلى المعركة الكاريكاتورية منها أي المعركة بين التأصيل العنيف بالموروث الانحطاطي الجواني أو الفاشية الحاكمة باسم الأصالة والتحديث العنيف بالموروث الانحطاطي البراني أو الفاشية الحاكمة باسم الحادثة.

4-المستوى الحضاري الخفي:
سعي الأمة لاستئناف دورها وسعي المستعمر لمنع هذا الاستئناف بكل الوسائل.

5-وحدة الوضعية:
أعني معادلة الاستئناف العربي الإسلامي في مجابهة بقايا الانحطاطين ونخبهما في الداخل ومواجهة التوجس الغربي من آثار عود الإسلام إلى التاريخ ومن ثم في علاقة الانحطاطين الجواني والبراني بهذا الاستئناف.

المنطق العميق للتأثير و التأثر

ويمكن أن أشير إلى المنطق العميق لهذه المعادلة ذات المستويات الأربعة مع التنبيه إلى أن أطراف الصراع ليسوا جميعا على وعي بهذا المنطق.
ومعنى ذلك أن الكثير من الذين يبدون فاعلين ليسوا إلا دمى و ممثلين في تراجيديا تاريخية مؤلفها هو التاريخ العميق للأمة و لمحيطها الذي كان ولا يزال دورها فيه من المحددات الأساسية لأحداثه وأحاديثه.
والمنطق العميق الذي أتكلم عليه هو الذي يبين ذلك:

فالتحديد والتأثير يذهب من المستوى الرابع إلى الأول من هذه المستويات بالنسبة إلى وجهي كل واحد منها رغم الاختلاف بين مجال التأثير والتحديد.

أما الخامس فهو الأصل والوسط الذي تتفرع عنه المعارك وتجري فيه ومن ثم فكلا صفيه يجمع في ذاته الأبعاد الأربعة السابقة كلها سلبا وإيجابا:

فالصف السالب من المستوى الرابع ( المستوى الحضاري الخفي من الثورة المضادة) هو الذي يحرك الصف السالب من المستوى الثالث (المستوى الحضاري الجلي من الثورة المضادة) الذي يحرك هو بدوره الصف السالب من المستوى الثاني (المستوى السياسي الخفي من الثورة المضادة) الذي يحرك هو بدوره الصف السالب من المستوى الأول (المستوى السياسي الجلي من الثورة المضادة):
وخاصية التحريك لهذه السلوب كلها أعني أوجه الثورة المضادة كلها أنه قائم في الأعيان أي متمكن بالفعل من الوسائل المادية لتحقيق خططه واستراتيجيته.
لكن طابعه السلبي يجعله أمرا واقعا فاقدا لشرعية الأمر الواجب.

لكن الصفوف الموجبة (المناظرة للسوالب التي وصفنا أعني المستويين الحضاريين الخفي والجلي والمستويين السياسيين الخفي والجلي) ليس لها لسوء الحظ بنية التأثير الموازية لنظرائها السوالب إلا في الأذهان لأنها لم تصبح بعد ذات قوة في الأعيان قادرة على منازلة نظرائها في المستويات التي ذكرنا:
ليس لها إمكانات الأمر الواقع بالفعل.
لكنها تملك إمكانات شرعية الأمر الواجب أعني مطالب الثورة والاستئناف وأهدافهما.
ولهذه العلة كان ثقل المعركة في الحقيقة يدور هو هذا الوجه الرمزي من الشرعية الثورية والاستئنافية. والعلامة الدالة على ذلك هي تركيز الأعداء على محاربة أساس المناعة الشعبية التي تنبع منها المطابقة بين الشوق الثوري والتاريخي أعني استئناف المسلمين لدورهم التنويري والحضاري:
الحرب كلها على الإسلام قيما وتاريخا وتعينا تراثيا ومعلميا.
المستهدف الأول من الحرب النفسية والحضارية هو أصل المناعةالشعبية.
والدليل القاطع في ذلك هو الحرب على القرآن الكريم و مبلغه العظيم.

ومن ثم فالمستوى الأوسط أي المستوى الثالث من المعادة هو الأقوى فيها على الأقل من حيث جمعه بين الظاهر والباطن وبين الانحطاطين والثورة عليهما وذلك لتمثيله للعلاقة بين المستويين المتقدمين عليه والمستويين المتأخرين عنه: إنه قلب المعادلة ودليل مسير التحليل لمن يريد أن يفهم ما يجري من الأحداث والأحاديث المؤولة: لذلك فهو رغم جلائه فإنه مثل الجلد في جسد الإنسان.
فهذا المستوى الأوسط رغم سطحيته هو أعمق ما في الوضع وأكثر خصائصه دلالة على أدوائه.
وفهم أبعاده أعني ما تقدم عليه وما تأخر في المعادلة هو منطلق الدواء.
ذلك المستوى الحضاري الجلي هو المجس الذي يدل على المستويين اللذين يتقدمان عليه وعلى المستويين اللذين يتأخران عنه.

تجلي مستويات المعادلة في المعارك الدائرة

فكيف تتجلى هذه المستويات في كل المعارك التي ذكرنا؟

لعل الانطلاق من المستوى الأول الذي يتألف من القوى السياسية التي التقت في جلسة الحوار الأولى سيساعد على فهم المعادلات جميعا.
فوراء الثنائية التي تكتفي بالمستوى السياسي من تحليل الأزمة نجد ثنائية أخرى تتجاوز هذا المستوى لتصل إلى ما يمكن أن يكون من علامات العلل العميقة للخلافات التي قد تؤول بالوضع التونسي إلى ما آل إليه الوضع المصري بمجرد أن يشعر أحد الصفين قد تمكن من أدوات الحسم فيها:

الثنائية الأولى ثنائية المواقف السياسية:
أغلبية الصفين الحاكم والمعارض كليهما يغلب عليها الميل إلى العلاج العملي والبراجماتي.
لذلك فيمكن أن نأمل أنها قد تكتفي بالمستوى السياسي فتصل إلى موافقات وحلول وسطى تخرج البلد من الأزمة حتى بصورة مؤقتة ومرحلية.
لكن هذه البراجماتية لم تصل بعد إلى العلاج السياسي المقبول لأن كلا الصفين يحمل مسؤولية العقبات التي تعترض المرحلة الانتقالية إلى الصف المقابل كما بينا في المحاولة السابقة.

الثنائية الثانية ثنائية المواقف الحضارية:
لكن الصفين الحاكم والمعارض كليهما فيه أقلية يغلب عليها الميل إلى العلاج العقائدي والجذري أعني أنها التجسيد الفعلي لهذا المستوى الأسوط في وجهه الكاريكاتوري أعني أعداء الإسلام من عملاء الغرب الجلي وأعداء الغرب من عملاء الغرب الخفي في المعادلة السياسية العربية الحالية:
والمعنى هو أن كلا التطرفين عملاء أحدهما يحارب التأصيل المستقل والثاني يحارب التحديث المستقل و للاستعمار في الحربين أكبر فائدة.

لذلك فهؤلاء هم الأكثر تمثيلا للمشكلات الحقيقية التي تحاول الثنائية الأولى السكوت عنها رغم أنها تستفيد منها لتمثل بدور المعتدل في حين أن كلا العميلين يشبه دوره دور الحمى عرضا لنفس المرض في النخب العربية والإسلامية التي لم تدرك بعد هذا المنطق العميق لتعويق النهوض العربي والإسلامي واستئناف الدور التاريخي. لذلك فيمكن أن يعكرا بالمزايدات على الثنائية الأولى التي هي بدورها ما تزال دون البراجماتية السياسية الفعلية لغياب النقد الذاتي الموصل إلى تقاسم المسؤولية في الوضع الانتقالي الحالي.

في الدلالة التاريخية و الروحية لثورة الربيع العربي

ما دمنا قد بينا طبيعة البنية و قانون التأثير بين عناصرها فإنه بالوسع أن نحدد الاستراتيجية التي تجعل الصفوف الموجبة في هذه المستويات تنقل ما في الأذهان ممثلا للمثل العليا (ما تريده الثورة مستقلا) ذات الأمثال التاريخية (ما يؤمن به الأصيل والحديث غير المنحط من تجارب بشرية تحرر الإنسان وتسمو به نحو تلك المثل) تنقله إلى الأعيان فيكون الرمزي أقوى من الفعلي بما فيه من فاعلية تقريب الواقع من المثال بالفعل.
ذلك عينه هو ما نراه بعد في صمود الشعبين السوري والمصري ضد الحلف البين في المستويات المحلي والإقليمي والدولي ضد قيم الربيع العربي خاصة بعد أن تبين أنها هي عينها قيم الاستئناف في الحضارة العربية:

فالصامدون في الدفاع الفعلي لا القولي عن قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان وكرامته التي يدوسها الانقلابيون هم الساعون للجمع بين الأصالة والحداثة المتحررتين من الانحطاطين.
ومن ثم فهم بوعي أو بغير وعي التعين الفعلي لهذا المنطق الناقل لما في الأذهان من المثل إلى ما في الأعيان من الوقائع استئناسا بأمثال التاريخ الأصيل والحديث للذات وللإنسانية ككل.

والمحاربون لهذه القيم بالحديد والنار و بالتحالف مع الفاشيتين الناتجتين عن الانحطاطين تمويلا وتفعيلا لخطط الاستعمار هم الساعون لإشعال حرب أهلية جديدة جنيسة للحرب الأهلية الأولى بل ومتحالفة مع من يريد أن يحييها لتكون وسيلته من أجل الثأر من الذين أسسوا حضارة الإسلام على ركام عنجهية ماضيه.
لذلك تطابقت الفتنتان الأولى التي أريد بها إيقاف نشأتنا التاريخية الكونية الأولى والثانية التي يراد بها إيقاف نشأتنا التاريخية الكونية الثانية:

الفتنة الكبرى حول طبيعة الحكم هل هو حق إلهي موروث (الشيعة) أم هو اجتهاد الجماعة لرعاية الصالح العام (السنة) كما وصفه ابن خلدون بعد الغزالي.
الفتنة الصغرى حول الدولة المدنية هل قيم الحكم فيها دنيوية خالصة (الدولة المدنية الفاشية) أم هي بالضرورة لكونها إنسانية لا بد فيها من بعد روحي كما يحددها النقل والعقل في آن (الدولة المدنية الديموقراطية)؟

ولما كانت الفتنتان الماضية التي عادت و الحاضرة التي التصقت بها في سوريا خاصة أعني في الحاضرة التي أسست للترجمة السياسية والإمبراطورية لنشأتنا التاريخية الأولى فإن الجمع بين الأصالة والحداثة لم تعد من جنس الصراع العقيم بين الانحطاطين الجواني والبراني بل هي بفضل هذا التطابق بين قيم الثورة وقيم الاستئناف الجهاد الموجب المحرر منهما والمحقق للتناغم بين القيم الروحية والقيم العقلية في حضارة تستأنف دورها وهي واثقة من نفسها ومستعدة لخوض حرب التحرير الحقيقية أي التحرير التربوي والثقافي رمزيا تحقيقا لبناء الإنسان وشروط سيادته والتحرير السياسي والاقتصادي ماديا إنجازا لذلك البناء حتى نستعيد شروط المناعة الروحية والمادية فتستأنف دورها الذي كان ولا يزال كونيا.

لذلك فالشباب المسلم الذي فزع من كل دار الإسلام ومن كل بلاد العالم للمشاركة في هذه المعركة الحاسمة بوعي أو بدون وعي هو في الحقيقة أداة القدر لتحقيق هذا التطابق بين المطلبين الثوري والاستئنافي.
وليس من الصدفة أن تكون هذه الظاهرة أكثر أحداث الربيع العربي إزعاجا لممثلي الوجه السالب من المستويات التي ذكرنا:
فالسهام توجه إلى هؤلاء الشباب من مستويي المعركة الحضارية خفيها وجليها و من مستويي المعركة السياسية خفيها جليها.
والعلة بينة:
فما كان يتصور مجرد أحلام في أذهان الأمة صار أكبر محرك لشبابها ثورة على الانحطاطين المحرف لقيم الأصالة بجعل الدين في خدمة الفاشية القبلية والمحرف لقيم الحداثة بجعل العقل في خدمة الفاشية العلمانية والقبول بهما أداتي تبعية تحول دون تحرير الإنسان المسلم وتوحيد الأمة حتى تستأنف دورها.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: