goui

حديث السيسي بين عشوائيات الإسكان وعشوائيات السياسة / بقلم جمال سلطان

حديث السيسي بين عشوائيات الإسكان وعشوائيات السياسة / بقلم جمال سلطان

 

مشروع الإسكان البديل لسكان العشوائيات الذي افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي مرحلته الأولى اليوم في المقطم هو من أصدق ما يمكن أن يطلق عليه “مشروع قومي” ، وما تحقق منه إنجاز حقيقي ، وهو خطوة إيجابية على طريق طويل من الأمل والصعاب ، لأن تحدي العشوائيات من أخطر ما واجه مصر طوال الخمسين عاما الماضية على الأقل ، وكانت المسئولية الأكبر عنه تعود إلى مؤسسة الحكم في الستينات الماضية التي اتخذت سياسات اقتصادية وصناعية بالأساس على أسس غير سليمة اجتماعيا وتخطيطيا ، فنتج عنها هجرات ضخمة من الصعيد ومن الدلتا إلى القاهرة ، ورفضت خطط زكريا محي الدين لوقف الهجرات ، على خلفية صفقات انتخابية وسياسية رخيصة ، فكان أن تم تشكيل حزام العشوائيات حول خاصرة القاهرة الشمالية من سكان الدلتا في منطقة شبرا الخيمة وما حولها ، وحول خاصرتها الجنوبية من سكان الصعيد في امبابة وبولاق الدكرور ووراق العرب وغيرها ، ثم انتشرت العشوائيات بعد ذلك بعد أن خرجت عن السيطرة فظهرت مناطق عديدة داخل القاهرة ذاتها ، مثل منشية ناصر والكيلو أربعة ونصف وغيرها ، وهذه المناطق هي بالأساس سبب فوضى العاصمة ومشاكلها في الطرق والبنية الأساسية والإسكان والخدمات والحركة بشكل عام ، لأنها تحوي أكثر من نصف سكان القاهرة بالكامل ، كما أن بعض المناطق العشوائية تحولت إلى بؤر خطيرة للغاية ، وأوكار للجريمة بمختلف صورها ، ولذلك وضعت الحكومة الجديدة سياسة البدء بتطهير تلك العشوائيات الخطرة ونقلها إلى مناطق جديدة ، على أن تكون الخطوة التالية للعشوائيات غير الخطيرة ، لإعادة تخطيطها وتطويرها ، هذا مشروع قومي كبير بالفعل ، وكان أولى أن يكون المشروع القومي للسيسي بدلا من مغامرة العاصمة الجديدة ، لأن ما ينفق على العاصمة الجديدة ، لو أنفق ربعه على تطوير القاهرة وإخلائها من العشوائيات وإعادة توزيع مؤسساتها ووزاراتها ، لرأى المصريون والعالم مدينة جديدة مختلفة كل الاختلاف عن القاهرة البائسة التي نعيشها الآن . في وسط تلك الاحتفالية المستحقة من السيسي بالإنجاز الجديد ، كانت هناك ـ كالعادة ـ أخطاء كبيرة في رؤية الأحداث الطارئة أو رؤية خريطة مصر المستقبل ، وتحديدا ثمة ثلاث ملاحظات ، الأولى تتعلق بالحديث الشاعري عن سكان العشوائيات وأنهم “ناس زي الفل” حسب تعبيره ، ثم يعلن أنه لن يسمح بإنتاج أعمال فنية تعرض للعشوائيات لأن ذلك يسيء للمصريين ويضر بسمعة أهلها ، وهذا كلام بالغ الغرابة ، ويعني أن رئيس الجمهورية يريد أن يفرض وصايا شاملة على الانتاج السينمائي والتليفزيوني ، ويحدد له المناطق السكانية والشرائح الاجتماعية التي يتناولها والأخرى التى لا يجوز له أن يتناولها ، أو أنه يريد من الفن أن “يتواطأ” على إخفاء عورات الحكومة وأمراض المجتمع والتستر على الفساد والفوضى ، وليس مستبعدا أن يتم طلب خروج تشريعات قانونية تجرم الأعمال الفنية التي تتحدث عن العشوائيات أو الشرائح الاجتماعية التي تعاني ، وهذا الذي تم طرحه ـ للأمانة ـ هو الإساءة الحقيقية لمصر الآن ، وهذا الخطاب يزيد من الحرج الذي تعانيه الدولة على مستوى الحريات العامة والحقوق البديهية . الملاحظة الثانية ، هو تعجل الرئيس في التعليق على أحداث أبو قرقاص في المنيا ، وإشارته إلى أن ما وقع من اعتداء على سيدة مصرية لا يمكن قبوله ولا بد من معاقبة مرتكبه أيا كان ، وكلام على هذه الشاكلة ، رغم أن رئيس الجمهورية يعلم أن الواقعة في حوزة العدالة الآن ، وتخضع لتحقيقات النيابة العامة ، لبيان حقيقة حدوثها من عدمه ، فلم يكن يليق من الرئيس أن يتدخل فيها أو أن يحدد ملامح للأحداث واعتداءات على النساء ونحو ذلك من روايات لبعض الجهات الكنسية المتشددة رغم أن مقابلها شهادات أخرى لشهود عيان ينفون كل ذلك ، وأيا كان الأمر وما تنتهي إليه التحقيقات في النهاية ، إلا أن كلام الرئيس يعتبر تدخلا في أعمال القضاء وتحقيقاته ، وربما يمثل ضغطا في اتجاه محدد ، وكان ينبغي للرئيس أن يتنزه عن ذلك ، وكان بمقدوره أن يقدم خطابا لتلك الوقائع بصورة مختلفة ، تهدئ الخواطر وتلتزم بسيادة القانون وأحكامه الرادعة . الملاحظة الثالثة ، أن رئيس الجمهورية الذي تحدث عن واقعة أبو قرقاص التي تفجرت قبل يومين إعلاميا من صعيد مصر ، وحرص على مخاطبة الرأي العام فيها ، تعمد تجاهل ما جرى لمؤسسة وطنية مصرية مهمة وبالغة الحساسية للدولة المصرية داخليا وخارجيا في قلب العاصمة ووسطها ، وهي نقابة الصحفيين ، خاصة وأن نقيب الصحفيين ووكيل النقابة والسكرتير العام للنقابة باتوا محبوسين منذ ليلة أمس في أحد أقسام الشرطة على خلفية أمر النيابة بالإفراج عنهم بكفالة ، فبدا الأمر في صورة استهانة بالغة بالصحافة والصحفيين وتحقير لمكانتهم ، وهو أمر غير معهود من أي رئيس سابق ، كما أن حبس نقيب الصحفيين كارثة حقيقية على سمعة مصر ومؤسساتها ، وهو حديث وكالات الأنباء والصحف العالمية اليوم ، فلماذا تعمد الرئيس تجاهل ما حدث ، بل وتجاهل كل ما جرى تجاه النقابة منذ شهر كامل بينما حرص على التعليق على حادث أبو قرقاص . السيسي أبدى غضبه الشديد عندما أمرت النيابة ، قبل عدة أشهر ، بحبس صلاح دياب أربعة أيام على ذمة التحقيق ، وأعلن صراحة وعلانية استنكاره لما حدث ، وأمر بالإفراج عنه فورا بعد عودته من الخارج ، فلم يبق أكثر من يومين قيد الحبس الاحتياطي ، رغم أن الداخلية زعمت أنها حرزت عنده وعند نجله سلاحا ناريا آليا ، بندقيتين آليتين، وحيازتهما تمثل جرائم أمن دولة، ومع ذلك أمر بإطلاق سراحه بعد ساعات من عودته من الخارج ، فلماذا يعطي ظهره لنقابة الصحفيين بكاملها، وأكثر من أحد عشر ألف صحفي مصري أهينت كرامتهم بما جرى ويجري من مؤسسات الدولة وأجهزتها تجاه نقابتهم ورموزها، هل هؤلاء جميعا أقل عند الرئيس من شخص صلاح دياب أو السيدة التي أهينت في مشاجرة في صعيد مصر، هذا ما يحتاج لتفسير فعلا.

المصريون

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: