البسكري

” حديث عن مفهوم ” الحقوق و الحريات الإنسانية” ” … بقلم الناشط محمد البسكري

” حديث عن مفهوم ” الحقوق و الحريات الإنسانية” ” … بقلم الناشط محمد البسكري 
منذ إعلان حالة الطوارئ في تونس انبرى جمعٌ من السياسيين سواءً في الحكم او خارجه ومن دعاة حقوق الانسان سواءً المؤمنين بها او المناكفين والمزايدين بها على السلطة في جدال وصخب حول تداعيات الاعلان و مدى تأثيره على الحقوق و الحريات , فقد استدعي رئيس الحكومة للبرلمان ووُجّهت له الأسئلة في هذا الخصوص…كما لم يُخفي خطاب رئيس الدولة الاستثناء بما لا يمسّ الحقوق والحريات حين اعلانه حالة الطوارئ…وأصدرت الاحزاب والمنظمات القضائية منها والحقوقية  البيانات (واستوت في ذلك المحلية منها وحتّى الاجنبية !!) وأبدت عن تخوّفها من هذا الاعلان في علاقته بالمسّ بالحقوق والحريات , فمن قائل بضرورة استكمال شروط اعلان الطوارئ و اعتبار انّ الاجراء غير دستوري , ومن قائل بانّ هذا الاعلان سيفتح الباب مجددا لعودة دولة البوليس و سيُطلق اليد الطولى للانتهاكات و التجاوزات تحت ذريعة حالة الطوارئ خاصة في خضم أصوات تنادي بتمديد حالة الطوارئ…وفي المقابل نجد السلطة برأسيْها تُبرّر لجوئها إلى هذا الخيار بحجج كثيرة على رأسها المصلحة الوطنية العليا وسلامة واستقرار البلد  خاصة وانّ البلاد تواجه شبحًا سُمّي ارهابًا تسيل فيه الدماء من أمن ومن جيش وحتّى من الضيوف…وبذلك سيعيش الشعب حالة طوارئ مضاعفة على حالته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وعلى كلّ المستويات التي هي أصلا حالة ” طوارئ ” تحتاج النظر والتدبير.

وبعيدًا عن سياق اعلان حالة الطوارئ والظروف التي اكتنفته وما يُمكن ان يترتّب على هذا الاعلان أردنا ان نناقش دعاة حقوق الانسان والحريات و نُزيل عنهم الوهم الذي يتصورونه في التشبّث بفكرة الحقوق و الحريات واعتبارها ضمانة للعيش الكريم مقابل الاستبداد بالأصالة الذي تمارسه الدكتاتوريات او بالاستثناءات الذي تمارسه الدكتاتوريات المقنّعة “الديمقراطية ”

ابتدءًا ,لن نُقدّم تعريفا لمفهوم الحقوق والحريات على اختلاف المذاهب والرؤى والأنواع وعلاقة الحقوق بالحريات وحدود السلطة في علاقتها بالحقوق الطبيعية للأفراد وغيرها من التفريعات والمفاهيم والمواثيق التي اعلنت والقوانين الجاري بها العمل…وإذا تجاوزنا مناقشة ما هو مفاهيمي (وليس عجزا و انما يكفي أن سؤال:  ما هي الحقوق الطبيعية ؟ ليس بالسؤال المناسب ذلك أن نصوصها تعدّدت واختلفت فلا عبرة بنقلها و ترجمتها…وهكذا يصبح التساؤل المناسب الأصح عنها هو:  كيف فهِمها مفكر معيّن مثل هوبس أو لوك أو روسو؟ وما هي المهمّات التي كُلفت بالقيام بها في نظامه السياسي ؟ وهل نجحت بالقيام بهذه المهمّات نظريًا على الأقل ؟ وهل لعاشقي هذه المفاهيم من حظّ إلّا الحفظ و النقل بدون تفكير فيها !! وفي أحسن الحالات التفكير بها ؟؟) إلى ما هو واقعي والذي تُصدّقه الاحداث و الوقائع ,حيث أنّ فكرة الحقوق و الحريات وإن ضُمّنت في أدبيات النظام التي تتمثل في الدستور ووُقّْع عليها في الاتفاقات الدولية والمعاهدات إلاّ انها بقيت حبرًا على ورق .

الصياغة و التوظيف و فقدان الوسائل

بالنظر إلى الواقع وباستقراء دساتير الدول الكبرى و الدول المقلّدة لها والمواثيق الدولية نجدها لم تتناول تحديد الحقوق بشكل قانوني واضح وإنما عمدت إلى تقرير الحرية والمساواة بأسلوب عاطفي أدبي وصيغت بشكل انشائي مما يزيد من مرونة السلطة الحاكمة في إقرار بعض الحقوق أو عدم إقرارها في المجتمع..وليس أدلّ على ذلك من التفرقة العنصرية ضد السُود والجنوبيين التي تمارسها أكبر الدول الديمقراطية امريكا وتعيش بسببها احداثا طالت الممتلكات والعباد في يوم غير بعيد…وهي التي تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان وحاملة لوائه!! بل انّ أمريكا في سياستها الخارجية تستعمل شعار حقوق الانسان حينًا اذا أرادت المكر والتدخل في شؤون الآخرين فتُحرّك به المعارضة وتنسج خيوط المؤامرة للضغط وإغتنام المصالح وما أمر رومانيا وثورتها عنّا ببعيد…كما تتغاضى عنه حينًا آخر اذا رأت في الملف (الحقوق و الحريات) مالا يخدمُ مصالحها مثل الروهنجيا في بورما..

علاوة على أن المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948 والعهد الدولي بشأن الحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الأمم المتحدة عام 1966 لم تنص صراحة على الوسائل الكفيلة بضمان حقوق الإنسان واكتفت بالنص على ضرورة صيانتها فقط… فعلى الرغم من إقرار الإعلان العالمي والعهد الدولي لحقوق الإنسان المتعلقة بشخصه وبدنه وحرية تفكيره وعدم اعتقاله اعتقالاً تعسفياً وعدم تعذيبه أو حبسه بدون نص قانون…إلا أن الإعلان الدولي لم يحدد الوسائل المادية أي العملية لكفالة تمتع الإنسان بحقوقه وحرياته المقررة فيه وهذا ما يجعل حقوق الإنسان خاضعة لاعتبارات ذاتيّة ترتبط بمصلحة الدولة تأويلًا واستثمارًا وتوظيفًا.

من ضبابيّة المواثيق والدساتير الى الاستثناءات

أضف إلى ذلك , أن الحماية الصورية التي كفلتها الدساتير الغربية وغيرها من دساتير الدول المقلّدة لها قد قُيدت بالنصوص القانونية التي تنصّ عادة على عدم جواز الاعتقال أو الحبس أو التجسّس إلا بحكم القانون… ولمّا كان القانون أصلاً من وضع الحكّام فقد نجم عن ذلك في كثير من الأحيان فقدان الحقوق الإنسانية وانتهاك كرامة الأفراد باسم القانون وتقنين تلك الانتهاكات بوضعها في نصوص تشريعية نحو “قانون الطوارئ”و”الأحكام العرفية” و”المحاكم الاستثنائية” وغيرها من الاستثناءات التي تصير في نهاية الأمر هي الأصل في تقرير الحقوق الإنسانية , و يترتّب على ما سبق أن يتقلّص عدد المنتفعين عملياً في واقع الأمر من الألفاظ الرنّانة الفخمة , التي تضمّنتها هذه الوثائق وتُصبح مزاياها وقفًا على فئة مُحددة من القابضين على السلطة تمارس الحكم بدكتاتوريّة متجبرة , تقمع أغلبية الشعب , وتُصفّي خصومها السياسيين على الحكم أولاً بأول , ليحتكر في الاخير الحقوق أقلّ عدد من الأفراد.

في الاخير وليس آخرًا , وفي انتظار أن يجد دعاة الحقوق حلاً مفاهيميًا لجدليّة تعارض إقرار الحقوق الطبيعية الازلية في مقابل التشريعات التي يجب ان تكون وليدة التطور الاجتماعي المعبّر عن رأي الجماعة…فلن ينفع التنصيص على الحقوق والحريات في الدساتير والمواثيق ولا الدعوة للالتزام بها.     فقد استبان ان الفكرة نظريّة مجرّدة لم تتمثل في الواقع المحسوس وغير ممكن تطبيقها , فضلا على غياب التصوّر لواقع الانسان وما يحتاجه , ومن ثمّ ما يترتّب له من حقوق محددّة بنصوص ثابتة لا تقبل التأويل ولا تخضع للتصويت ومنها الواجب الذي لا يمكن التنازل عنه بل له تبعاته في الدنيا والآخرة , وبحسبه أيضا يتحدّد ما يجب على الانسان من واجبات تجاه الفرد والمجتمع والدولة خطابا تكليفيًا بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع…وبذلك فالبحثُ عن الحقوق خارج التصوّر الاسلامي عقيدةً وطريقًة تنفيذْ وضمَانة تطبيقْ لا يعدو إلاّ ان يكون كمثل الظمآن الذي نظرَ للسراب فظنّه ماءً.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: