حذاري من صرخة المهمشين…( بقلم فاطمة كمون)

رغم كل الإدعاءات في الساحة السياسية والتجاذبات بين الأحزاب والقواعد و التنظير في الساحة الإعلامية و تعدد آراء الخبراء المتضاربة دوما فان المؤكد في كل هذا الحراك أننا نعيش بين الميكافيلية السياسية والبراغماتية …فقد اختصت النخبة بالتنظير السياسي الواقعي مع التخلي على بعض أطر هذا التوجه لخلق دولة وطنية حرة …. وفي الجانب المقابل نرى أن هناك من يغلب الجانب النفعي على المبادئ العامة للدولة والجانب العملي عن النظري أي البراغماتية السياسية …وتخلت على الأهم في بناء الدولة الجديدة ..وبنظرة شمولية نلاحظ أن القضية هي قضيته أفراد بعينها …هناك من قضيته فصيل أو حزب أو جماعة وهناك من يحمل هم الوطن وهذا من يناضل في صمت إلى أن يتحقق الأمن واﻻستقرار ثم يقوم بالتوعية السياسية حين يتوفر مجال  لذلك وهم معلومون و استبعادهم متعمد بحجج واهية

إن من سبق ذكرهم أولا متشبثون برأيهم حد الحماقة والجنون..دون الوعي بأن الأهم الآن مصلحة الوطن… وفي ضمن هذا الصراع غابت حقوق الشهداء رحمهم الله وحقوق الجرحى وسعت بعض الأطراف لتغييب ملف المحاسبة بدعوى أن العدالة الانتقالية أعم وأشمل في مرحلة أولى للوصول لغلق الملف نهائيا … ولم يعد ملف التنمية من أهم الطروحات التي تجمع و تتعدد فيها المبادرات ..كلها أصبحت شعارات انتخابية يزايد عليها… و نجد في نفس المشهد الإتحاد العام التونسي للشغل الذي أصبح له دور أكثر من دوره النقابي وهمه التموقع السياسي في الساحة بنفس مستوى الأحزاب الكبيرة والفاعلة بمنطق الدفاع عن مصالحه ..وأصبح جزءا من التجاذبات بل منظرا للحياة السياسية … تونس اليوم ابتعدت كليا على هم الشعب والذي هو غير منخرط لا في منظمة عمالية ولا في أحزاب ولا في دواوين وليسوا هم من أصحاب رؤوس الأموال ولا أصحاب عقارات…أي الشعب المهمّش الذي يعيش في قلب المشهد الإقتصادي المتأزم وعلى ضفاف الحياة السياسية حيث هو صوت يستعمل انتخابيا فقط ..مستغل سياسيا وهو جزء من الأزمة الإجتماعية التي ليس له فيها يد بل هو مضطهدا قانونيا حيث تطبق عليه القوانين لإتعدام الوساطة لديه إذ أنه يدفع فاتورة المخالفات دون أن ينعم بمنجزات الدولة كالضمان الاجتماعي والرعاية الصحية و ليس له مجالات تأطير يجد فيها نفسه أي أنه يعيش على هامش الحياة بصفة موازية تجاريا وأخلاقيا و حتى دينيا دون وعي أو ربما ذاك هو المجال الوحيد المتاح له هؤلاء تجمعهم الأحياء الفوضوية على أطراف الحاضرة تربطهم علاقات مركبة ودقيقة إما أولاد عمّ أو عروشات أو أولاد حومة … هؤلاء هم الذين يدفعون في ضريبة الصراعات بكل أنواعها وهم عمق تونس لم تقع دعوتهم للإنخراط في برامج التشغيل ولا الإهتمام بهم في قوانين العدالة الاجتماعية ولم يستحدث لهم مراكز جديدة عصرية مهيكلة في ميدان الرعاية الصحية المجانية أو بتكلفة رمزية ولا التكوين … هم كانوا ولا زالوا محور “الحراك” وتغييبهم من المشهد فيه ظلم إضافي لهم لا الديمقراطية تعنيهم و لا حقوق الإنسان المتغافل عنهم يضيف لهم شيئا و لا الدستور والصراعات حوله من مشاغلهم همهم لقمة العيش والبحث عن حياة كريمة بعدما أصبح الشارع بكل ما فيه من إخلالات وتجاوزات مستقرا لهم … هم يعون جيدا أنهم آلية للانتخابات وأنهم بامكانهم تدمير كل هذا لو زحفوا على الحاضرة بعد أن تكسر حاجز الخوف لديهم …في ظل تواصل الحديث عن مشاريع الساسة ونضالاتهم التي أصبحت مستهلكة حد القرف وفي تغييب كلي لهؤلاء المهمشين سياسيا وإعلاميا وعدم السعي الجاد للإنصات اليهم و العمل الفوري لحل أغلب مشاكلهم فان للصبر حدود كما يقال ويا ويلنا لو نفذ صبرهم … وتحول تذمرهم لأصوات عالية وصرخات تهز عرش الحكام …يا ليتنا نهتم قليلا بمشاغلهم ونحاول أن نبني قيما جديدة تقطع مع التواكل والكسل والتسول ولا نتواطأ مع المتاجرين بهم وبهمومهم ونأسس لحراك جدي يعتمد قيم إنسانية وأخلاقية تحفظ كرامة الجميع وتكرس العدالة الإجتماعية والمساواة لنبني مجتمعا  معاصرا  بقيم جديدة ننهض به ونتقدم..
فاطمة كمون

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: