حذار من الخداع الإيراني المستمر (3)/ بقلم أنور مالك

حذار من الخداع الإيراني المستمر (3)/ بقلم أنور مالك

أكثر ما كان يخشاه الشيعة كثيراً جداً قبل نشوء دولتهم في إيران هو أن يجمع علماء المسلمين على أن الإمامية أو الجعفرية ليست مذهباً من مذاهب الإسلام.

لذلك ظل عملهم على تحصيل فتاوى تقرّ بذلك، وهو ما تحقق لهم من خلال جماعة التقريب التي تأسست في القاهرة المصرية عام 1948 واستمرت إلى 1970، حيث أغلقها جمال عبد الناصر بسبب خلافات سياسية بين إيران ومصر، وشارك في تأسيسها علماء سنة من بينهم محمود شلتوت ومحمد مصطفى المراغي ومصطفى عبد الرزاق وعبد المجيد سليم، أما من الشيعة الإمامية نذكر العراقي محمد حسين آل كاشف الغطاء واللبناني عبد الحسين شرف الدين الموسوي والإيراني محمد تقي القمّي.

لقد نجح الشيعة الإمامية في تأثيرهم على شيخ الأزهر السابق محمود شلتوت الذي كان من أوائل المتأثرين بفكر التقريب بين السنّة والشيعة، وهو أول مؤسس لدار التقريب بالقاهرة، وقد قال بخصوص ذلك:

“دعوة التقريب هي دعوة التوحيد، والوحدة، وهي دعوة الإسلام والسلام”.

وقد بالغ شلتوت في إيمانه بالتقريب لحد بعيد، حتى إنه تمنى أن يحشر مع الشيعي محمد تقي القمّي، وأنه ائتمّ في صلاته بالمرجع الشيعي محمد عبد الحسين آل كاشف الغطاء، ووصل به الأمر إلى فتواه الشهيرة التي قال فيها:

إن “مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنّة”.

في عام 2007 تقرر إعادة فتح دار التقريب بعد اتفاق بين الرئيس الإيراني محمد خاتمي خلال زيارته إلى مصر. من جهة أخرى سبق وأن تأسس بإيران أيضاً في عهد الخميني “مجمع التقريب العالمي بين المذاهب”.

لم يتوقف الأمر عند من ذكرنا فيوجد الكثير ممن تأثروا بهذا التقريب، ونذكر منهم الشيوخ والدعاة: حسن البنا، سيد قطب، محمد الغزالي، محمد سعيد رمضان البوطي، راشد الغنوشي، أنور الجندي، محمد أبو زهرة، فتحي يكن، محمد المدني، سيد طنطاوي، أحمد الطيب، حمد سليم العوا، علي جمعة وغيرهم.

غير أنه يوجد من ناهضوا أو اكتشفوا حقيقة التقريب بين الشيعة والسنّة سواء بسبب تجربتهم مع ذلك أو فهمهم للفكر الشيعي الذي لا يمكن أن يجري معه أي تقريب أبداً، ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:

1- المفكر اللبناني محمد رشيد رضا صاحب “تفسير المنار” وهو من تلامذة الشيخ محمد عبده، الذي كان من دعاة التقريب والمتحمسين له، غير أنه بعد تمحيص وبحث تحدث في كتابه “السنة والشيعة”، قائلاً رحمه الله:

“أعتقد جازماً بما تيسر لي من الاختبار الطويل، بأن هذه الخرافات والبدع التي كان التشيّع مثارها الأعظم ستقضي على الإسلام إن لم يقض المصلحون عليها”.

2- المفكر السوري مصطفى السباعي الذي تفطن لخديعة التقريب، حيث تحدث عمّا قام به علماء السنة عملياً في إطار التقريب، في حين أن مراجع الشيعة لم يفعلوا شيئاً عملياً، حيث قال: “كل ما فعلوه جملة من المجاملة في الندوات والمجالس، مع استمرار كثير منهم في سبّ الصحابة رضي الله عنهم، وإساءة الظن بهم، واعتقاد كل ما يُروى في كتب أسلافهم من تلك الروايات والأخبار، بل إن بعضهم يفعل خلاف ما يقول في موضوع التقريب، فبينما يتحمس في موضوع التقريب بين السنة والشيعة، إذا هو يُصدر الكتب المليئة بالطعن في حقّ الصحابة، أو بعضهم ممن هم موضع الحب والتقدير من جمهور أهل السنّة”.

إلى أن يقول رحمه الله: “كأن المقصود من دعوة التقريب هي تقريب أهل السنة إلى مذهب الشيعة، لا تقريب المذهبين كل منهما إلى الآخر”.

3- العلامة محب الدين الخطيب، كانت له جهود ومحاولات للتقريب مع أحد مراجع الشيعة وهو عبد الله الزنجاني، حيث طلب منه بأن يترك الشيعة التعرّض للصحابة الكرام، لأن ذلك من معوقات التقريب، وقد قال بخصوص ذلك:

“وكنّا ننتظر منه إذا عاد إلى إيران أن ينظم العمل بهذا الغرض مع تلك الفئة من الخاصة التي بشرنا بها، وتوقعنا إذا هو قام بذلك أن لعمله رد فعل عظيم الأثر عند أهل السنّة والجماعة، وأن ندخل كلنا في دور جديد من التعاون والتضامن، يليق بظروف هذا العصر وبموقفنا جميعاً من أحداثه، إلا أنه – ويا للأسف – لم يفعل شيئاً”.

ثم يقول رحمه الله: “يستحيل هذا التفاهم بين الشيعة والسنة، لأنها تخالف جميع المسلمين في أصولهم”.

4- الشيخ إحسان إلهي ظهير من باكستان، الذي قال: “لقد بدأ الشيعة منذ قريب ينشرون كتباً ملفقة مزوّرة في بلاد الإسلام، يدعون فيها التقريب إلى أهل السنّة، ولكن بتغيير صحيح يريدون بها تقريب السنة إليهم بترك عقائدهم”.

ثم يضيف رحمه الله: “أليس من المعقول أن يُدعى إلى التقارب قوم جعلوا الشتائم والسباب ديناً، واللعائن والمطاعن مذهباً”.

5- العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز، ويعتبر من الذين تنبّهوا مسبقاً لمخاطر التقريب بين السنّة والشيعة، وقد أصدرت اللجنة الدائمة للإفتاء رئاسته فتوى، ومما جاء فيها: “ولأمر ما سعى جماعة من علماء الأزهر المصريين مع القمّي الإيراني الرافضي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وجدوا في التقارب المزعوم، وانخدع بذلك قلة من كبار العلماء الصادقين ممن طهرت قلوبهم ولم تعركهم الحياة، وأصدروا مجلة سموها: (مجلة التقريب) وسرعان ما انكشف أمرهم لمن خدع بهم، فباء أمر جماعة التقريب بالفشل، ولا عجب فالقلوب متباينة والأفكار متضاربة والعقائد متناقضة، وهيهات هيهات أن يجتمع النقيضان أو يتفق الضدان”.

ثم في فتوى أخرى قال رحمه الله: “التقريب بين الرافضة وبين أهل السنة غير ممكن” وبين عقائد الطرفين التي تحول دون ذلك.

6- المحدث محمد ناصر الدين الألباني الذي أبطل فكرة التقريب بين السنّة والشيعة، ومما قاله رحمه الله:

“إن عجبي لا يكاد ينتهي من أناس يدعون أنهم من أهل السنّة والجماعة يتعاونون مع (الخمينيين) في الدعوة إلى إقامة دولتهم، والتمكن لها في أرض المسلمين، جاهلين أو متجاهلين عمّا فيها من الكفر والضلال والفساد في الأرض”.

7- الدكتور يوسف القرضاوي الذي كان من دعاة التقريب والوحدة بين السنّة والشيعة، حيث ظل يقول:

“أنا أدعو إلى التقريب بين المذاهب وأؤيد حزب الله في مقاومته”، بل حصر الخلاف بين السنة والشيعة في مسألة الخلافة، وأن “أصل المشكلة كلها مشكلة تاريخية، من أحق بالخلافة؟”، ومدح إيران ووصفها بـ”دولة الإسلام”.

غير أنه لاحقاً تنبّه لخطرهم ومما قاله:

“إن الخطر في نشر التشيّع، أن وراءه دولة لها أهدافها الاستراتيجية، وهي تسعى إلى توظيف الدين والمذهب لتحقيق أهداف التوسّع ومد مناطق النفوذ”، وانتقد المحاولات الإيرانية لنشر التشيّع في الدول السنّية منها مصر والسودان والجزائر وغيرها.

ثم انتهى به المطاف إلى التراجع عن مدحه لـ”حزب الله” قائلاً: “تبيّن لي أنني خدعت.. وأني أقل نضجاً من علماء المملكة الذين كانوا يدركون حقيقة هذا الحزب”. ليختتم مسيرته بمحاولات التقريب إلى أنه ضيّع سنين عمره وهو يسعى للتقريب بين السنة والشيعة وأعترف أنه ندم على ذلك لأنهم يكفّرون المسلمين وكل صحابة رسول الله بل يعتقدون أن أبا جهل والنمرود أفضل من الصحابة، ودعا الأمة للتصدي لما يفعلونه ببلاد المسلمين من تدمير وخراب.

يوجد أيضاً الشيخ أبو الحسن الندوي، الشيخ علي الطنطاوي، الشيخ سعيد حوى، وغيرهم ممن تنبهوا إلى خدعة التقريب التي بذلت فيها إيران الكثير ولكن من دون أن تقدم أي تنازل عقائدي أبداً، في حين تريد من السنّة هم من يتنازلون فقط، وقد كفاها بلا شك فتوى الشيخ شلتوت رحمه الله.

ليس هدفنا الخوض في تاريخ ظاهرة التقريب أو المذهبية أو غير ذلك، فهذا يحتاج إلى وقت كبير جداً، ولكن نريد أن نكشف عن مدى الخداع الإيراني المستمر منذ الأربعينات باستغلال التقريب بين المذاهب لتحقيق غايتها في اختراق العالم الإسلامي وتدميره من داخله.

إن كانت إيران ترى أن الإمامية مذهب خامس من مذاهب الإسلام، فلماذا تعمل على نشر تشيّعها في العالم الإسلامي؟

إيران التي تدّعي أنها تؤمن بالتقريب وترى أن التشيّع مذهب من مذاهب الإسلام، نجدها في دستورها تتعصّب إلى “مذهبها” حيث إن المادة 12 تقول: “الدين الرسمي لإيران هو الإسلام، والمذهب الجعفر الشيعي الاثني عشري، وهذه المادة تبقى للأبد غير قابلة للتغيير”.

أما المادة 115 فجاء فيها: “يُنتخب رئيس الجمهورية من بين رجال المتدينين السياسيين الذين تتوفر فيهم الشروط”، وتذكر الشرط الخامس: “مؤمناً ومعتقداً بمبادئ جمهورية إيران الإسلامية والمذهب الرسمي للبلاد”.

وعندما يقسم الرئيس لما يتولى مهامه: “إنني باعتباري رئيساً للجمهورية أقسم بالله القادر المتعال في حضرة القرآن الكريم، وأمام الشعب الإيراني، أن أكون حامياً للمذهب الرسمي… وأن أعمل كالأمين المضحّي على صيانة السلطة التي أودعها الشعب عندي، وديعة مقدسة، مستعيناً بالله، ومتبعاً لنبي الإسلام، والأئمة الأطهار عليهم السلام”.

في المادة 144 جاء فيها: “يجب أن يكون جيش جمهورية إيران الإسلامية، جيشاً إسلامياً، وذلك بأن يكون جيشاً عقائدياً، وشعبياً”، والعقائدي معناه شيعي فقط.

إيران التي ترى أن مذهبها هو خامس المذاهب، جعلت تشيّعها مذهباً رسمياً للدولة، ولا يحق لغير الشيعي أن يتولى منصباً ولا حتى يصير عسكرياً، فهل يوجد تعصب أكثر من هذا؟ هل يعقل أن من يفكر بهذه الطريقة يمكن أن يقبل التعايش مع مذاهب أخرى يحرم أهلها حتى من حقهم في الحياة؟

إيران التي تدّعي التقريب لا تسمح بوجود مسجد للسنّة في طهران رغم وجود الملايين من أهل السنّة، في حين سمحت لليهود بفتح معابدهم، كما أنها تجرّم السنّة وأعدمت الكثيرين منهم بتهم مختلفة وذنبهم الوحيد أنهم يدعون إلى المذاهب السنّية التي يزعم الخمينيون أنهم منهم.

هل يعقل أن من يسب الصحابة ويطعن في عرض عائشة رضي الله عنها يمكن أن يتقارب مع من يقدسهم ويرى زوج النبي عليه الصلاة والسلام هي أمه؟

هل من الممكن أن يصطف في مسجد واحد سنّي يترضى على الصحابة رضي الله عنهم مع شيعي يلعنهم حتى في صلاته أصلاً؟

لقد بحثت في التشيّع علّني أجد ما يمكن أن يجعل الشيعة يتقاربوا مع أهل السنّة ولم أجد شيئاً، بل كل ما وجدته هي عقائد متناقضة لا يمكن الجمع بينها أبداً.

كما أن المشكلة في الشيعة وليست في السنّة، ومن يريد التقريب وحوار المذاهب عليه أن يطالب الشيعة بتنقيح مراجعهم من السب والشتم والطعن، وإن فعلوا ذلك فلن يبقى من تديّنهم أي شيء يفرض علينا الدعوة إلى التقارب أصلاً، في حين نرى أن السنّة لا يطعنون في أي مقدس شيعي سواء بالنسبة لآل البيت رضي الله عنهم أو الأئمة لكنهم يرفضون الغلو فيه وتأليههم إلى درجة الخرافة التي تتنافى مع قيم الإسلام وعقيدته.

إن إيران تعمل على تقريب السنّة إليها بما يخدم مشروعها التوسعي والتخريبي للعالم الإسلامي وليس التقريب بين السنّة والشيعة من أجل التعايش والحفاظ على أوطان المسلمين، فلم نسمع يوماً أن علماء دعوا -مثلاً- إلى التقريب بين الحنابلة والمالكية أو الشافعية والحنفية أو الحنابلة والشافعية أو المالكية والحنفية، لأن الخلاف بين هذه المذاهب في مسائل فرعية وفقهية اجتهادية تقبل أن يختلف فيها لأسباب عديدة تتعلق بوصول الأدلة إلى هؤلاء الأئمة أو غير ذلك، في حين أن الخلاف القائم بين الشيعة والسنة في الأصول العقائدية أساساً، وهذا مما لا يمكن أن يجتمع عليه الناس فالأمر يتعلق بالعبودية لله وليس بأشياء هامشية أخرى.

لقد تابعت نشاطات الشيعة الإيرانيين بخصوص التقريب بين المذاهب ولم أجدهم قد قدموا شيئاً يذكر، فحتى رفض بعضهم للطعن في الصحابة ولم يصدروا فتاوى شرعية ضد من يفعل ذلك حتى لو كان مجرد تفسيق وليس تكفير.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن المراجع التقريبيين يمارسون التقية فقط من أجل تحقيق غاية كيانهم الفارسي في اختراق العالم الإسلامي.

حذار من إيران فهي تخادع عموم المسلمين وخاصتهم بقضية ما تسمى “حوار المذاهب” أو “التقريب بين المذاهب”، كما تفعل بقضايا المقاومة المزعومة وتهمة الطائفية وأشياء أخرى تخدم مشروعها التدميري العنصري للوطن العربي والإسلامي.

الخليج أونلاين

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: