حذار من السكوت عن الإرهاب الإيراني/بقلم أنور مالك

حذار من السكوت عن الإرهاب الإيراني/بقلم أنور مالك

 

يدّعي العالم عموماً والولايات المتحدة الأمريكية بصفة أخص أنهم يحاربون الإرهاب الدولي العابر للحدود والقارات، وقد تحركت أساطيل أمريكا وخاضت الحروب في أفغانستان والعراق مباشرة بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 في إطار ما سميت الحرب على الإرهاب.

بوش أسقط نظام حكم طالبان لأنه يأوي تنظيم “القاعدة” الذي تبنى هجوم منهاتن في نيويورك، وأيضاً أسقط نظام صدام حسين لأن لديه السلاح الكيمياوي والنووي وله علاقات مع أسامة بن لادن كما كانوا يزعمون ومن دون أي دليل، بل ظهر ذلك كله مجرد أكاذيب قدمتها المخابرات الإيرانية عبر عملائها “العراقيين” الذين تسلموا الحكم بعد سقوط بغداد.

الفترة التي أعقبت حادثة منهاتن في نيويورك، ركز العالم سياسته ضد الإرهاب على الدول العربية والسنية تحديداً، وكانت أصابع الاتهام توجه دائماً نحو المملكة العربية السعودية ومناهجها وجمعياتها الخيرية.

حتى الكثير من الإعلام العربي ركز على ذلك وراح يخدم الأطروحة الأمريكية حينها، ففي الجزائر التي كانت تعيش صراعاً دموياً مع تنظيمات مسلحة جهادية، راحت وسائل الإعلام الجزائرية تبحث عن العلاقات المفترضة بين بن لادن وأمراء الإرهاب الجزائريين، وكادت الصحف حينها أن تقول لإدارة جورج بوش وجه دباباتك فوراً نحو الجزائر ففيها العشرات من أسامة بن لادن، رغم أن الجماعات المسلحة حينها لم تبايع القاعدة بل رفضت حتى استقبال بن لادن في منتصف التسعينات. الغريب أن تنظيم “الجماعة السلفية للدعوة والقتال” لما بايع تنظيم “القاعدة” وأعلن عن تسميته الجديدة “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” هبت وسائل الاعلام نفسها لتشكك في ذلك وتزعم أن فلول الإرهاب يبحثون عن الدعاية فقط والقاعدة غير موجودة في الجزائر.

الأمر نفسه يجري على الإعلام العربي في هجوم 11 سبتمبر/ أيلول، حيث جرى التركيز على الجمعيات الخيرية والدعوية، وكذلك الدعاة خاصة السعوديين منهم الذين ينتشرون في بقاع الأرض يدعون لدين الله ويقيمون المشاريع الخيرية المختلفة في مساعدة الفقراء والمساكين خاصة في القارة السمراء.

بل وصل الحال إلى الضغط الإعلامي والسياسي من أجل تغيير السعودية لمناهجها الدينية والتربوية على أساس أنها تصنع الإرهاب، ومبرر هؤلاء العلمانجيين واللبيرالجيين العرب أن الأكثرية من المنفذين لعملية نيويورك في 11 سبتمبر/ أيلول 2001 هم السعوديين، حسب الأسماء التي كشفتها الولايات المتحدة عقب الهجوم، وطبعاً إن صحت المعلومات فهذا الاختيار ليس صدفة ولا جزافاً من قبل الجهات التي تقف خلف الحادثة.

لقد سارعت أطراف كثيرة في محاولة إلصاق التهمة بالمسلمين السنّة، بعد تبني أسامة بن لادن للحادثة التي ستظل مشبوهة وغامضة وعليها علامات استفهام كثيرة، وللتاريخ أن الملا عمر زعيم طالبان كان يرفض تنفيذ أي عملية ضد أمريكا وحث بن لادن حينها على استهداف “إسرائيل” فقط من أجل كسب التعاطف العربي والإسلامي.

إيران المعادية للعرب والمسلمين وجدت ضالتها في تلك المرحلة التي انشغل فيها العالم بالإرهاب، حيث راحت تعمل على تنمية مشروعها النووي، والأمر الآخر الذي هو أخطر بكثير يتمثل في نشر مليشياتها بعالم صار ينظر إلى الإرهاب على أنه سنّي بامتياز، في حين أن الإرهاب الشيعي حلال ومرغوب فيه بل ليس بالإرهاب أصلاً مهما كان حجم جرائمه، ما دام يخدم مصالح قوى كبرى وعلى رأسها الكيان العبري.

– تورط إيران في هجوم 11 سبتمبر

ما حدث مؤخراً خلط أوراقاً كثيرة، وللأسف لم يستغل على المستوى الإعلامي العربي كما يجب أن يكون، ولا قامت وسائل الإعلام العالمية في الخوض بتفاصيله ولم تنجز البرامج المتتالية عنه، بل خرس حتى الذين الذين كانوا يكيلون الاتهامات لمناهج السعودية وسياستها رغم عدم وجود أدنى دليل يثبت تلك المزاعم.

الخبر الخطير للغاية لم يتحدث به كاتب أو صحفي أو شاهد عيان في مؤسسة إعلامية أو نشر في كتاب، بل صدر عن محكمة فيدرالية أمريكية في نيويورك، التي قضت مطلع مارس/ آذار الجاري بتغريم إيران نحو 11 مليار دولار، لتورطها في هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2011 التي هزت أمريكا والعالم.

يقول الخبر إن قاضي محكمة اتحادية في نيويورك أمر حكومة إيران، بدفع مليارات الدولارات لتعويض ضحايا الهجمات الإرهابية وشركات التأمين التي تعرّضت لأضرار مالية إثرها، محمّلاً إيران مسؤولية مساعدة الإرهابيين الذين خطفوا الطائرات التي استعملت في الهجوم.

من المفترض أن تدفع طهران، بموجب هذا الحكم القضائي، نحو 11 مليار دولار، تشمل مليون دولار لعائلة كل ضحية في الهجوم على البرجين في منهاتن، وقرابة ثلاثة مليارات لشركات التأمين التي دفعت تعويضات الخسائر المادية، وأكثر من مليار دولار لنفقات المحامين، بحسب ما أشارت إليه صحيفة “الشرق الأوسط” في عددها الصادر بتاريخ 15 مارس/ آذار 2006.

كما أوضحت الوثائق التي استندت إليها المحكمة الفيدرالية أن بعض الأشخاص الذين نفذوا الهجوم زاروا إيران خلال الفترة القصيرة التي سبقت 11 سبتمبر/ أيلول 2001، ولم تحمل جوازات سفرهم ختم الدخول إلى الأراضي الإيرانية، مما يفيد تورط رسمي لنظام طهران. كما كشفت أن منظمة “حزب الله” الإرهابية، التي تمولها إيران وتخضع مباشرة لأوامر مرشد الثورة علي خامنئي، قد قدمت مساعدات وتوجيهات لهؤلاء الإرهابيين.

ونقلت بعض وسائل الإعلام أن قاضي المحكمة، جورج دانيالز، أعلن الحكم غيابياً نظراً لعدم اعتراض الحكومة الإيرانية على القضية، كما أنها لم تسمع تفاصيل الأدلة المقدّمة في المحكمة.

وكانت فيونا هافليش، أرملة أحد ضحايا هجمات نيويورك قد رفعت دعوى عام 2011، ضد كل من أسامة بن لادن، مؤسس وزعيم “القاعدة”، والملا محمد عمر، زعيم “طالبان” آنذاك، و”حزب الله” في لبنان.

كما شملت الدعوى عدداً من الشخصيات والمؤسسات الإيرانية، من بينها المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي، وعلي أكبر رفسنجاني، وجهاز الاستخبارات، والحرس الثوري، ومؤسسة ناقلات النفط، ووزارات النفط والتجارة والدفاع.

وجاء في الدعوى ضد الإيرانيين، التي بتّ فيها القاضي دانيلز، أن حكومة إيران “ومنذ تأسيسها بعد ثورة 1979 تورطت في أعمال إرهابية وفي دعم أعمال إرهابية كجزء من سياستها الخارجية”. واعتمدت الدعوى على تقارير الخارجية الأمريكية السنوية عن حقوق الإنسان.

كما ذكرت الوثائق أن الخارجية الأمريكية وضعت إيران في قائمة الدول الإرهابية منذ عام 1984. كما كانت تصفها منذ عام 1980، في تقاريرها السنوية لحقوق الإنسان وتلك المتهمة بالإرهاب، بأنها دولة تمارس الإرهاب.

إلى ذلك، قدّمت الدعوى 274 دليلاً على دور إيران في تمويل الإرهاب، وعلى تعاونها مع منظمات إرهابية مثل تنظيم “القاعدة”، وعلى علاقاتها الوثيقة بدول أخرى مدرجة في قائمة الإرهاب الدولي.

– طهران عاصمة الإرهاب الدولي

لقد كنّا دائماً نؤكد أن أي عملية إرهابية تحدث في العالم ويكون هدفها الإضرار بالعالم الإسلامي يجب التفتيش عن المخابرات الإيرانية، فلا يوجد في العالم أكثر حقداً وكراهية للمسلمين ويعمل على تخريبها مثل ملالي إيران.

إن صدور حكم قضائي يدين إيران ومنظمة “حزب الله” الإرهابية، لا يختلف في بركانه عن واقعة 11 سبتمبر ذاتها، ولكن للأسف هذا العالم المصاب بفوبيا الإرهاب إن كان المتهم هو المسلم السنّي فقط، وجه حروبه المختلفة إلى الجهات العربية والإسلامية لما كانت التهم مجرد احتمالات ودعايات إعلامية، في حين لما تصدر العدالة الأمريكية حكماً قضائياً فإن ذلك يقابل بالصمت الرسمي، وقد يكون السبب هو التواطؤ، أو الخوف من اجترار الماضي الذي سيؤدي حتماً إلى فضح الكثير من المغالطات الرسمية من قبل الإدارة الأمريكية ويحملها مسؤولية دماء الملايين الذين قتلوا في أفغانستان والعراق.

ماذا ستقول الولايات المتحدة الأمريكية عن فضيحتها وهي التي جيّشت جيوشها وخاضت حرباً مدمرة للعراق بتهمة دعم القاعدة ثم سلمت بغداد على طبق من ذهب إلى إيران التي كانت تأوي القاعدة وتورطت حتى في 11 سبتمبر؟

ماذا ستقول أمريكا وهي التي حققت أطماع الملالي في احتلال العراق وتكتشف الآن -إن لم تكن تعلم من قبل- أنهم يقفون وراء هجوم منهاتن؟

الحقيقة التي صارت ثابتة وواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، أن ما يجري في العالم من إرهاب تقف خلفه أو تنفذه إيران بأدوات مختلفة، فهي التي تمارس إرهاب دولة من خلال احتلالها لدول عربية مثل الأحواز وغيرها.

بل إنها تقوم برعاية مليشيات شيعية إرهابية تابعة لها، وتقترف كل أنواع الجرائم ضد الإنسانية، فهذا “حزب الله” يتسلل إلى سوريا ويمارس الإرهاب فيها بعدما مارسه ضد الدولة اللبنانية وما زال يفعل ذلك، والأمر نفسه بالنسبة للحرس الثوري الذي ينتشر في عدة دول يمارس الإرهاب ضد الشعوب الآمنة.

بل وصل الأمر بطهران لجلب مرتزقة من أفغانستان التي احتلتها أمريكا بسبب “القاعدة”، وأيضا نجد مليشيات الحوثيين الإرهابية التي أسقطت الدولة اليمنية وكادت أن تحولها إلى دولة تصدر الإرهاب للعالم لولا الله ثم عاصفة الحزم بقيادة السعودية التي أنقذت هذا البلد مما يحاك له في دهاليز المخابرات الإيرانية، التي تنسق منذ سنوات طويلة مع مخابرات الصهاينة في كل كبيرة وصغيرة.

لم يقتصر شأن الإرهاب الإيراني على ممارسته داخل الكيان الإيراني ضد الإيرانيين أنفسهم كما يجري مع مجاهدي خلق وغيرهم من عموم الشعب الإيراني، أو إعدامات وملاحقات تطال الشعوب غير الفارسية التي تناضل من أجل استقلالها وتقرير مصيرها، وتتعرض لأبشع ما يمكن تصوره من انتهاكات لحقوقهم الآدمية.

لم يقتصر الإرهاب الإيراني على رعاية مليشيات شيعية في الدول العربية متمردة على القانون والحكومات وسلطة الدولة وتمارس الإبادة الجماعية على الهوية، كما يجري في لبنان والعراق وسوريا واليمن وسيظهر في دول أخرى إن تواصل السكوت عن التمدد الخميني الشيعي.

لم يكتف الإرهاب الإيراني على ممارسات في عدة دول عربية من خلال دعم عمليات إرهابية استهدفت الآمنين من المواطنين والرعايا الأجانب، وهذا ما قام به “حزب الله” من خلال فروعه في دول الخليج العربي مثل السعودية والكويت والبحرين وغيرهم.

وهو أيضا ما جرى في الجزائر خلال الحرب الأهلية الدامية التي عاشتها البلاد وأدت إلى مقتل نحو ربع مليون مواطن، وثبت بأدلة دامغة أن مخابرات إيران وحزبها في لبنان قاموا بتدريب إرهابيين ودعموهم لوجستياً لنحر الجزائريين والجزائريات.

بل تعدى الأمر إلى صناعة تنظيمات ودعمها وهو ما جرى مع “القاعدة” التي كانت إيران تأوي قادتها وتدرّبهم وتمكّنهم من كل ما يريدونه لتنفيذ عملياتهم في الشرق والغرب، حتى بيدقها في العراق المدعو نوري المالكي سبق وأن اتهم نظام الأسد برعاية القاعدة لتنفيذ عمليات إرهابية في التراب العراقي على خلفية تفجيرات 2009/08/19 التي أدت لمقتل وجرح أكثر من 600 شخص، وسيتأكد مستقبلاً أن أغلب عمليات “القاعدة” جرت تحت رعاية كاملة ومباشرة من المخابرات الإيرانية.

لم يقتصر الأمر على “القاعدة” بل إن تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” المعروف اختصاراً بـ “داعش” الذي هز العالم بوحشيته وعملياته الإرهابية، تقف إيران خلف تصاعد قوته وتمدده نحو سوريا، حيث قدمت له حكومة المالكي مساعدات عبر تسهيل عمليات الفرار من السجون العراقية وهو الأمر نفسه الذي قام به نظام الأسد، وفتحت لهم الحدود لدخول سوريا، وسهل لهم عملية السيطرة على الموصل بما فيها من عتاد عسكري كبير وأموال طائلة تقدر بالمليارات من الدولارات.

طبعاً بفضل المخابرات الإيرانية التي تخترق أعلى هرم “داعش” تحول التنظيم إلى أخطر تنظيم إرهابي في العالم.

لو استرسلنا في حصر الإرهاب الإيراني الرسمي الذي يجري تنفيذه في العالم ما كفتنا المجلدات، وللأسف أن إيران تصنع الإرهاب وتمارسه غير أن دول العالم تحاربه في الدول الضحية لهذا الإرهاب، لذلك راح العالم يغرق في الأمن بسبب هذه الازدواجية المقيتة في التعامل مع الإرهاب، حيث صرنا نرى نظام بشار الأسد المدعوم إيرانياً يصنع الإرهاب ويمتلك أسلحة كيمياوية وهي التهم نفسها التي أسقطت بها أمريكا نظام صدام، غير أنها لم تتحرك ضده أصلاً، مما يؤكد أن الأمر فيه كيل بمكيالين فقط وفق مصالح أخرى لا علاقة لها بالإنسان ولا الأمن العالمي.

لن ينته الإرهاب في العالم ما دام مصدره في إيران يعيش بأمن وسلام، ويمارس نشاطاته ويجد التسهيلات الكاملة من قبل المجتمع الدولي، وسيبقى العالم ينتقل من وحشية إلى أخرى أكثر إن تواصل الصمت الدولي على نظام طهران الذي يصنع الوحشية ويصدرها ويشرعنها دينياً وسياسياً ودبلوماسياً وأمنياً على مرأى العالم برمته.

لن يهنأ البشر ما دام يوجد إرهاب حرام وهو الذي تقوم به تنظيمات متشددة محسوبة على السنّة، ويوجد إرهاب حلال تمارسه إيران التي لا يوجد إرهاب يحدث في العالم لم تكن طرفا فيه بطرق مختلفة.

في الأخير:

إن كان العالم يحارب الإرهاب الذي تمارسه تنظيمات متشددة محسوبة على المسلمين السنّة في مناطق الحروب والنزاعات المسلحة فإنه يوجد إرهاب آخر مسكوت عنه ومدعوم من قبل قوى كبرى، ولديه كيان يسمى إيران وعاصمة تدعى طهران، تتمتع بمقعد في الأمم المتحدة التي يوجد مقرها في نيويورك على بعد خطوات من منهاتن التي كانت ضحية إرهاب غيّر وجه العالم، كما أن رئيسها المعمم يزور عواصم دول كبرى تضررت كثيراً من عمليات إرهابية وما زالت مهددة من “داعش” وغيرها.

الخليج أونلاين

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: