حذار من تحميل المسلمينَ المسؤولية.. والهجوم على «شارلي إيبدو» جريمة قتل وليست حرباً.. (إبراهيم درويش)

في فرنسا، كراهية الإسلام طريقة حياة.. والتمييز ضد المهاجرين دفعهم للتشدد.. وقصة سعيد وشريف كواشي دليل..

في ظل الهوس الإعلامي الذي نجم عن الهجوم على مقر المجلة الفرنسية الساخرة «تشارلي إيبدو» والصرخات الداعية لتحميل المسلمين/المهاجرين المسؤولية، وتفاخر اليمين الأوروبي المتطرف بإعادة العمل بعقوبة الإعدام كما طالبت ماري لوبان زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية، أو مواجهة «الطابور الخامس» حسب نايجل فاراج زعيم حزب الاستقلال البريطاني، يصبح المسلمون ولسوء حظهم في كل مرة «كبش فداء» كما نقلت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» عن عبدالله ذكري، رئيس المرصد الوطني ضد الإسلاموفوبيا في باريس. ففي كل مرة يحدث هجوم يتعرض المسلمون للهجوم ويطالبون بتأكيد ولائهم للدول التي يعيشون فيها.
ومن سوء حظ المسلمين أن اليمين الأوروبي المتطرف في تصاعد. ويتغذى من فشل الأحزاب الرئيسية والكساد الاقتصادي والبطالة العالية.
واستطاع اليمين الأوروبي تقديم نفسه بصورة معتدلة تخلت عن الصورة التي ربطته عادة بالنازيين الجدد، وأصبح في الكثير من الدول جزءا من التيار الرئيسي في السياسة.

ليست حرباً

وهذا لا يمنع كما تقول صحيفة «الغارديان» في افتتاحيتها من التفكير مليا والفصل بين ما قام به المهاجمون الثلاثة يوم الأربعاء باعتباره فعلا إجراميا وبين فعل الحرب. فقد تعلم العالم من حقبة جورج دبليو بوش وآخطائها الفادحة كيف خلطت إدارته بعد هجمات 9/11 بين الجريمة المنكرة والحرب.
فقد كانت «الحرب على الإرهاب» التي أعلن عنها بوش وراء تشريع التعذيب وشوهت موقف أمريكا الأخلاقي في العالم. وعليه ترى الصحيفة أن على فرنسا وأوربا تجنب أخطاء أمريكا في تلك الفترة. مشيرة إلى ارتفاع أصوات اليمين التي تقول إن فرنسا في حالة «حرب»، بل وذهب الرئيس الفرنسي السابق نيكولاي ساركوزي للقول إن الحضارة/فرنسا عليها الدفاع عن نفسها ضد البربرية.
وترى الصحيفة أن فرنسا تعيش أوقاتا صعبة والتي قد تدفع المتطرفين من كل الألوان للانتقام من المسلمين. فبعد الهجوم على الصحيفة سجلت أكثر من 5 اعتداءات ضد المسلمين في فرنسا.
وتخشى الصحيفة من قيام الأحزاب الشعبية اليمينية بتوجيه الغضب ضد مسلمي فرنسا البالغ عددهم 6 ملايين نسمة، فيما ستلجأ جماعات لوسائل التواصل الاجتماعي للتحشيد ضد المسلمين، وهذا حاصل في ألمانيا التي استفاد حزب «وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب» (بيجيدا) من الهجمات.
ولسان حال اليمين المتطرف اليوم يقول «لقد حذرناكم» من الأصولية الإسلامية. وترى الصحيفة أن الموقف الرسمي كان داعيا للوحدة الوطنية والهدوء والتصميم على حماية حرية التعبير «أنا تشارلي» هو شعار الذين وقفوا دقيقة صمت حدادا على الضحايا و «كلنا تشارلي» شعار آخر.

دعوة للحذر

فيما دعا القادة المسلمون أبناء الجالية للحذر وطلبوا من النساء المحجبات عدم مغادرة بيوتهن بدون مرافق، ودعا قادة الأديان إلى الامتناع عن ربط الاسلام بهذا الهجوم. ورغم مظاهر الوحدة الوطنية إلا أن فرنسا قد تعيش اضطرابات، خاصة أن قطاعا واسعا من الشبان المسلمين يشعرون بالحرمان في سياق العمل والتمييز العنصري.
وانتشرت مظاهر التشدد الإسلامي بينهم في السنوات الأخيرة خاصة في الأحياء المتداعية التي يعيش فيها المهاجرون.
وترى الصحيفة أن الكثير من الشبان الساخطين على مبادئ العلمانية التي تقوم عليها الجمهورية شعروا بأن التطرف هو الطريق للتمرد على وضعهم أي البطالة والتمييز العنصري.
وتحول التشدد في بعض الأحيان لطريقة يحمي فيها الشباب هويتهم ويؤكدون أنفسهم. وتعتقد الصحيفة أن مسيرات الأحد التي ستشارك فيها كل الأحزاب يوم الأحد هي لحظة حاسمة لفرنسا وتعافيها.

تاريخ دموي

ومن هنا دعت الباحثة نبيلة رمضاني في مقال نشرته في الصحيفة نفسها لعدم تحميل مسلمي فرنسا مسؤولية الدم في «تشارلي إيبدو».
ودعت الكاتبة لفهم «التاريخ الدموي لمدينتي – باريس»، المدينة التي ترتبط كما تقول بأسوأ أشكال البربرية في التاريخ الإنساني، رغم ما فيها من مؤسسات للتنوير وحرية للفكر. وتشير هنا لمذابح الثورة الفرنسية عام 1789 والمذابح التي أخذت مكانها في شوارع المدينة في القرنين التاسع عشر والعشرين.
وتقول إن الفرنسيين – الجزائريين الذي نفذوا الهجوم متجذرون في تاريخ العنف الذي تم تصديره في الستينات من ساحات المعارك في الجزائر إلى شوارع باريس. ففي مذبحة واحدة عام 1961 ذبح أكثر من 200 جزائري حول معالم فرنسا الوطنية بما فيها برج إيفل وكاتدرائية نوتردام.
وتقول أن نصف قرن مضى على العنف لكن السخط والشعور بالعزلة لا يزال قائما بين السكان الذين يعيشون في عمارات معزولة حول العاصمة. ويشتكي سكانها ومعظمهم من شمال أفريقيا من التمييز في كل مجالات الحياة: من السكن للحصول على عمل إلى حرية التعبير الديني. يحدث هذا في وقت يلقي الساسة من اليمين واليسار اللوم على المسلمين ويحملونهم وزر المشاكل الاجتماعية التي لا علاقة لها بدينهم.
وتقول إن الخطاب المعادي للدين أصبح سائدا في فرنسا الحديثة ويتلاعب به الساسة من كل الألوان، ومنهم جان ماري لوبان، مؤسس الجبهة الوطنية والشخص المدان بالعنصرية وعداء السامية وتقودها اليوم ابنته ماريان التي لا تفتأ عن مهاجمة المسلمين والأقليات الأخرى.
وتقول إن السياسات المعادية للهجرة متجذرة في هذا الخطاب، مشيرة لتصريحات الوزير الاشتراكي الرجعي مانويل فاليس الذي دعا لترحيل الغجر إلى رومانيا لصعوبة دمجهم في المجتمع.
وهو ما أدى لهجمات ضد الغجر وحرمتهم بلدية من حق دفن موتاهم. وتعود للحديث عن موقف فريق تحرير المجلة من الإسلام، الدين الذي محط اهتمام المجلة، بعد نشرها رسما كرتونيا ساخرا للرسول الكريم عام 2011. فمحرر المجلة ستيفان شاربنيير عبر احتقار واضح للإسلام، وهو موقف كان محل نقد من البيت الأبيض عام 2012 عندما تساءل المتحدث باسمه عن الحكمة من نشر صورة «تمس مشاعر الكثير وتلهب المشاعر». وترى الكاتبة أن مناخ عدم التسامح لم يكن من صناعة تشارلي إيبدو ولكنها استغلته. ولو وجدت قوانين صارمة لمنعت الكثير من أعدادها.
وترفض الكاتبة المقارنة بين المجلة الفرنسية والبريطانية «برايفت آي» لأن الأولى نشرت صورا أكثر عدوانية.
رغم كل هذا فالعنف الذي مورس على المجلة والذبح يوم الأربعاء غير مبرر، وتشير لموقف الفرنسيين الجزائريين وقادة المسلمين الذين شجبوا الفعل وعبروا عن صدمتهم واعتبروه عملا «بربريا». ومن بين القتلى مسلمان، أحمد مرابط ومصطفى وراد. ورغم مواقف المسلمين الشاجبة إلا أن الحملة ضدهم بدأت كما تقول «فكما يشير تاريخ باريس فالعنف المتطرف يولد عنفا آخر، فداومة العنف الدموية ستستمر كما من قبل، لكن ربط أسبابها بملايين المسلمين الملتزمين بالقانون مثير للسخرية بالطريقة نفسها لتحميل مجموعة صغيرة من الفنانين والكتاب مسؤوليته».

فرنسا تدفع الثمن

وفي المعنى نفسه يرى تشارلز بريمنر في «التايمز» أن فرنسا تدفع ثمن معاملتها القاسية للمسلمين.
وناقش فيه تصرف الدولة الفرنسية مع المهاجرين حيث فشلت في استيعاب ودمج أربعة ملايين من المهاجرين المغاربة وأحفاد المهاجرين إليها منذ نصف قرن من أبناء شمال أفريقيا.
وينقل ما كتبه إدوي بيلنيل، المحرر السابق لـ «لوموند» الذي اعتبر أن هجوم تشارلي إيبدو هو «تحذير لكل المجتمع، لأؤلئك الذين يلعبون بالكراهية ولأؤلئك الذين يلعبون بالخوف» وهذا الكلام لم يكن موجها للإسلاميين بقدر ما كان موجها لليمين الممثل بلوبان وساركوزي، فقبل الهجوم على المجلة وصل العداء للمسلمين ذروته بنشر مايكل هولبيك روايته «خضوع» التي يتخيل فيها رئيسا مسلما لفرنسا في عام 2022.
وكتب بيلينل قائلا إن» العقيدة السائدة التي تجعل الإسلام معارضا للدولة العلمانية هي وسيلة لجعل العنصرية مقبولة».
وقال «هذا الإجماع الخبيث ضد المسلمين في فرنسا هو خاص بفرنسا وتغذيه النخبة». ويضيف أيضا أن قانون الحجاب ورفض بناء المساجد والعلمانية الشرسة كانت بالضرورة أعذارا لرفض ثقافة الأقليات. ويرى باحث بريطاني أن ثقافة «بانليو» أو الأحياء التي يعيش فيها المهاجرون هي مرتبطة بالتاريخ الإستعماري الفرنسي. فقد كتب أندرو هاسي في كتاب «الإنتفاضة الفرنسية» أن ما يجري في فرنسا ليس نزاعا بين الإسلام والغرب، الإغنياء والفقراء أو الشمال والجنوب بل بين المستعمر والمستعمر (بفتح الميم).
ويقول بربمنر إن الدولة طالما تجاهلت التمييز المستمر في أحياء الفقر ضد المسلمين حيث يعيشون من الستينات والسبعينات من القرن الماضي.
ورغم أن نسبة المسلمين في فرنسا لا تتجاوز 10% إلا ان نسبة 70% من السجناء في السجون الفرنسية هم مسلمون، وتعرف السلطات الفرنسية أن هذه السجون هي مركز تجنيد للجهاد.
وفي قلب الرفض الفرنسي للمسلمين محاولة لدمجهم وتغييرهم. وكما يقول عمار لاصفر إمام مسجد جنوب ليل، «تقبلت بريطانيا المهاجرين كما هم ولكن فرنسا حاولت تغييرهم». وقال إن المسلمين في بريطانيا كانوا قادرين على التنفس بسهولة فيما عاش المسلمون في فرنسا حالة من الفصل العنصري.
وكان هذا الوضع سببا لولادة نزعات التطرف حيث عاشت الطبقة المحرومة من المهاجرين المسلمين.
وقصة سعيد وشريف كواشي منفذي الهجوم تعبر عن هذه الحالة. وكما حدث في معظم مناطق العالم الإسلامي سحب المتشددون البساط من تحت أقدام المعتدلين.

بروفايل

فسعيد كواشي كما تقول صحيفة «نيويورك تايمز» قد سافر إلى اليمن عام 2011 وتلقى تدريبا عسكريا قبل عودته إلى باريس. وشارك سعيد مع شقيقه شريف كواشي في العملية التي استهدفت مجلة «تشارلي إيبدو» الساخرة وقتلا مع منفذ آخر وهو حميد مراد 12 شخصا.
وقال مسؤول نقلت عنه الصحيفة إن سعيد (34عاما) قضى « أشهر عدة « في معسكر صغير وتدرب على الأساليب القتالية وإطلاق النار والقنص وهي مهارات بدا أنه استخدمها بشكل جيد يوم الأربعاء.
ويقول المسؤولون الأمريكيون والفرنسيون إنهم كانوا على علم بتلقي كواشي تدريبات في اليمن، وسافر إلى هناك في وقت سافر فيه الكثير من الغربيين إلى هناك حيث تأثروا بأفكار المنظر والناشط اليمني ـ الأمريكي أنور العولقي. وتقول الصحيفة إن سعيد وشقيقه شريف كانا تحت رقابة الشرطة الفرنسية والولايات المتحدة، وبحسب مسؤولين أمنيين أمريكيين كان الشقيقان على قائمة الأشخاص المشتبه بعلاقتهم بالإرهاب وممنوعان من السفر.
أما شريف فقد أثار انتباه الأمن الفرنسي أول مرة عندما كان في العشرينات من عمره، حيث اعتقل في عام 2005 عندما كان يحضر للسفر إلى سوريا في أول مرحلة من رحلة على أمل الانضمام للحرب في العراق، وحوكم وسجن ثلاثة أعوام حيث أفرج عنه عام 2008. وحسب المعلومات التي صدرت عن وزير الداخلية الفرنسي برنارد كازانو فقد وصف سعيد بالمعتدي وكان عاطلا عن العمل مما يعطى صورة أنه هو القوة الدافعة وراء المذبحة.
ولا يزال المحققون الفرنسيون والأمريكيون يبحثون في وجود علاقة بين الهجوم وتنظيم القاعدة في اليمن وإن كانت هي التي أمرت بتنفيذه.
ولا يوجد حتى الآن ما يشير إلى أن المنفذين هم جزء من خلية كبيرة تعمل في فرنسا، ولكن عندما قام الشقيقان بالهجوم على المجلة قاما بالإعلان عن ولائهما لتنظيم القاعدة في اليمن «قولوا للإعلام أننا من تنظيم القاعدة في اليمن».
أما بالنسبة لحياة الشقيقين فقد عاشا حياة بعيدة عن الأضواء في حي ريم في شمال شرقي باريس. وعندما توفي والداهما المهاجران من الجزائر، تبنتهما عائلة في رين، غرب فرنسا، حيث تدرب شريف ليصبح مشرف لياقة بدنية وانتقل إلى باريس، حيث عاش مع شقيقه سعيد في بيت يعود لأحد الفرنسيين الذين اعتنقوا الإسلام.
ولا يعرف الكثير عن توجهات شريف الذي عمل في عدد من المحلات ومارس أعمالا يدوية منها توزيع البيتزا واشتغل في بيع السمك، وعاش كبقية المهاجرين في باريس حيث تعرف على شبكة من الجهاديين وارتبط بنشاطاتهم.
وكان معروفا بنشاطاته المتطرفة حيث ظهر في فيلم وثائقي عرضته القناة الفرنسية الثالثة حول العالم السري للجهاديين. وظهر في الفيلم كمهاجر عادي يحب «الراب» والنوادي الليلية قبل أن يدخل سراديب الجهاديين وبدأ يدعو للانتقام من الولايات المتحدة.
وفي السجن تعرف شريف على جمال بيغال الذي سجن عام2001 بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم على السفارة الأمريكية في باريس.
وبعد خروج شريف من السجن تعرف على فتاة وصادقها وعمل في بيع السمك وودع ماضيه على ما يبدو.
ولكن صحيفة «لوموند» الفرنسية تقول إنه قام وبشكل هادئ بإعادة علاقاته مع الجهادي، وعندها عاد للظهور على رادار المخابرات خاصة بعد تجديد صلته مع متشدد إسلامي متهم بتنفيذ هجو على محطة القطار في موسي دي أورسي عام 1995. وعلى ما يبدو كان شريف الذي شهدت صاحبة محل السمك الذي عمل فيه عام 2009 بأمانته وصدقه لم يترك عالمه الجهادي وراءه في السجن.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: