459644236

حرب الهوية و الدين و الثقافة: النظام السوري يفرض اللغتين الروسية و الفارسية على المدارس في ما تبقى له من مناطق تحت سيطرته

[ads1]

حرب الهوية و الدين و الثقافة: النظام السوري يفرض اللغتين الروسية و الفارسية على المدارس في ما تبقى له من مناطق تحت سيطرته

[ads2]

بعد الحرب العالمية الثانية، ورغم الهزيمة الساحقة التي لحقت بهم، قَبِل اليابانيون بشروط اعتبرت مهينة على المستوى العسكري والاقتصادي، لكنهم رفضوا أي شروط تحد من تطور ثقافتهم ولغتهم؛ مُدركين الأثر السلبي للتخلي عن لغتهم، على ثقافتهم وتقاليدهم.

لكن المفارقة الكبيرة اليوم، هي أن النظام السوري يمهد بكل ما أوتي من قوة، لفرض لغة حلفائه، وأعداء شعبه، على السوريين. أصبح تعلم اللغة الروسية والإيرانية أشبه بظاهرة في المناطق التابعة للنظام السوري؛ ليستكمل بذلك مشاهد التبعية التي يريدها النظام السوري لحلفائه. تقرير «ساسة بوست»، يتساءل عن الأثر الثقافي والعقائدي والاجتماعي، المترتب على فرض اللغة الروسية والإيرانية على السوريين.

اللغة الروسية.. رسميًا في المدارس

فيما كانت القوات الروسية، تقصف الأراضي السورية، كان مسئولو وزارة التربية والتعليم في نظام الأسد، يعكفون على تأليف منهج دراسي للغة الروسية، فُرض مع بداية العام الجاري، على الصف التاسع، لينضم طلبة هذه المرحلة إلى زملائهم في الصف السابع والثامن، ويُصبح عدد المدارس التي تُدرس الروسية في دمشق وحدها، حوالي 18 مدرسة.

لم تكن تجربة النظام السوري مع اللغة الروسية وليدة أيام التدخل الروسي في سوريا؛ ففي فترة الثمانينات، قام هذا النظام بإرسال الكثير من أبناء الطائفة العلوية إلى روسيا من أجل الدراسة هناك، وهو ما أدى إلى انتشار اللغة الروسية في المناطق السورية آنذاك. واليوم لم يكن فرض تعليم اللغة الروسية مجرد اهتمام أو فرض لمساق تعلم لغة ثانية، فبينما تسعى روسيا إلى بسط سيطرتها الثقافية، أخذ النظام السوري يرغب ويحث الطلاب على تعلم اللغة الروسية، ويمنح الطلاب السوريين الأوائل في قسم اللغة الروسية برنامجًا تدريبيًا ـ ترفيهيًا في موسكو؛ لتعريفهم بواقع الحياة الثقافية والتاريخية، والحركة العمرانية في روسيا.

قام أيضًا باستقدام 450 مدرّسة روسية؛ لتعليم اللغة في سوريا، كما استعان بالسوريين الذين يحملون إجازات جامعية؛ أو شهادات عليا في الأدب الروسي، بل إن الروسيات المتزوجات من سوريين يقمن بتدريس اللغة الجديدة التي أقرتها وزارة التربية، حتى أصبح كما قال وزير التعليم السوري «لا يوجد أي نقص في الكادر التدريسي».

أما في الجامعات، فقد افتتحت وزارة التعليم السورية، في تشرين الثاني 2014، قسمًا للغة الروسية وآدابها، في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة دمشق، وتعهد روسيا مؤخرًا بأنها ستعمل على رفع كفاءة أساتذة قسم اللغة الروسية في جامعة دمشق، عن طريق إرسال أعضاء هيئة تدريسية لإعداد برنامج تعليمي خاص بقسم اللغة الروسية.

وتحجج مدير الشئون التعليمية في وزارة السياحة في سوريا «فيصل نجاتي»، بأن اهتمام وزارة السياحة بالتحضير لتأهيل الكوادر باللغة الروسية كان لما أسماه «مواكبة التطورات السياحية خلال مرحلة الاستقرار»، وكأن المعاهد السياحية والمدارس الفندقية التي أدرجت اللغة الروسية ضمن خططهم الدراسية لا تكف عن استقبال السياح الروس.

أما في الشارع السوري، فقد انتشرت اللغة الروسية بين غير المتعلمين الذين يقدمون المشروبات للروس في المقاهي والمطاعم السورية، أو يقومون ببيع الروس في المحلات العامة؛ إذ تساعدهم اللغة على التواصل معهم أثناء عمليات البيع وتقديم الخدمات.

اللغة الفارسية

في 18 أبريل (نيسان) الماضي، طالب السفير الإيراني بسوريا «محمد رضا شيباني»، بضرورة تعزيز تعلم اللغة الفارسية في الجامعات والمدارس السورية، وقال إن «ذلك جزء من تعزيز مجالات التعاون المستقبلي بين سوريا وإيران في المجال العلمي والثقافي».
إعلان مركز سوري لتعليم اللغة الفارسية
ويبدو أن الحليف الإيراني أراد من النظام السوري أن يمنحه ما منح الروس، من فرض للغتهم في المدارس الحكومية السورية، لكنه رغم أن اللغة الفارسية، لم تدرس حتى الآن في المدارس الحكومية، إلا أنه يتم تعليمها بأكثر من طريقة، إذ تم افتتاح عدد من المدارس والحوزات الشيعية؛ بهدف تدريس المذهب الجعفري، في بعض مناطق غرب سوريا.

فهناك معاهد سورية تقدم عروضًا مجانية لتعليم اللغة الفارسية، وإعلاناتها تملأ المناطق الخاضعة للنظام السوري، أما في مدارس النظام السوري، فالطلاب السوريين يرددون الأغاني الإيرانية، ويدعون الإيرانيين وحزب الله لـ«سعادة البلاد». على الصعيد الرسمي، تؤدي إيران مهامًا متعددة لنشر اللغة الفارسية بين السوريين، كالدور الكبير الذي يؤديه المركز الثقافي الإيراني في دمشق؛ لتعزيز اللغة الفارسية، إذ يستمر التعاون بين هذا المركز والجامعات السورية الأربع الرئيسة، ووقعت مؤخرًا اتفاقية بين وزارة التربية والتعليم العالي السوري والإيراني؛ لتوسيع وتدريس اللغة الفارسية بين المدارس والجامعات السورية، تلك الجامعات التي تدرس اللغة الفارسية بكليات الآداب والعلوم الإنسانية فيها.

اللغة هي الفكر

مثلما كان يفعل الفرنسيون والإنجليز عندما يحتلون أي بلد، يفعل الروس والإيرانيون الآن في سوريا، لقد أدركوا أن اللغة هي أصل الثقافة وأساس الفكر، وأن إتقان لغة ما سيؤثر مستقبلًا على الأجيال التي ستتعلم هذه اللغات، بعيدًا عن اللغة العربية الأم.

يقول أستاذ العلوم اللغوية بكلية العلوم الإسلامية بـ«جيرسن» تركيا، «حمدي بخيت»، إن «اللغة هي الفكر، والفكر إذا تغلغل في النفس سيكون محوه صعبًا؛ لأنه يتحول إلى عقيدة يدافع عنها ويؤمن بها».

ويوضح بخيت لـ«ساسة بوست»، أنه رغم أن اللغة الروسية ليست باللغة القوية التي تتغلب على اللغة العربية، إلا أن الخطورة تكمن في أن الأجيال التي تتعلم اللغة الروسية، ولا تتعلم اللغة العربية؛ ستدفع لاعتناق فكر أهل اللغة الروسية، وهو ـ كما هو معروف ـ فكر لا ديني، ينتج أناسًا من المسلمين يدافعون عن الروس، وعن أفعالهم.

وتابع الأستاذ الجامعي: «هذا الجيل إن لم يُتدارك سيكون جيلًا روسيًا إيرانيًا ناقمًا على المسلمين من السنة؛ فاللغة عندما يتقنها الإنسان يفكر بها، ويقلد أهلها في كل شيء؛ لأنه يتثقف بثقافتهم، أي يتحول الدارسون إلى روس بأسماء إسلامية، وكذلك يتحولون إلى شيعة، وسينقمون على أهل السنة مما درسوه عنهم«.

تشكيل العقول وفق العقلية الإيرانية والروسية

أدرك الروس والإيرانيون أن أية توطئة لتدمير المجتمع تبدأ بفرض اللغة وتدمير نظام التعليم فيه، كما أدركوا أن تجهيل الشعب بتاريخه وثقافته يبدأ بإضعاف لغته، ومن ثم السيطرة عليه، لذلك كانت مطالبة السفير الإيراني بدمشق «محمد رضا شيباني» علنية في مارس (آذار) الماضي بضرورة تعزيز تعليم اللغة الفارسية في الجامعات والمدارس السورية.
ولأن القوي هو الذي يفرض نفسه على الضعيف، ساعد النظام السوري حلفاءه بكل ما أوتي من إمكانيات لفرض اللغتين الروسية والفارسية على السوريين. يؤكد المختص في اللسانيات الحديثة «حسين الجرادي»، أن فرض النظام السوري للغة الفارسية والروسية على الجزء الذي يخضع لسيطرته، له عواقب وخيمة على أبناء المناطق التي ستدرس هذه اللغة، ويضيف الجرادي لـ«ساسة بوست»، قائلًا إنه «مع فرض هذه اللغة سيتم فرض الثقافة الروسية والإيرانية، وسيتم تشكيل العقول ونمط التفكير وفق العقلية الإيرانية والروسية، فضلًا عن خطر التشيع والانحلال اللذين سيسيران بتوازٍ مع نشر اللغتين».

ويرى الجرادي أن فرض اللغتين الفارسية والروسية له أثر وخيم، من الناحية الثقافية والجغرافيا اللغوية، وهو يمثل خطرًا على عمق الأمة الاستراتيجي في سوريا، ولم يضعف وطأة هذا الأثر، إلا تعليم الأطفال السوريين للغة العربية والقرآن الكريم في البيوت، وتابع الجرادي القول «اللغة العربية الفصحى لها ظروف، لم تتوفر لأية لغة أخرى من لغات العالم، وهو ارتباطها بالقرآن الكريم الذي تكفل الله بحفظه، وبالتالي لا يمكننا أن نقيس العربية الفصحى بما حدث، ويحدث في اللغات الحية المعاصرة الأخرى، فإن أقصى عمر لهذه اللغات لا يتعدى قرنين من الزمان؛ لأنها دائمة التطور والتغير، ومعرضة للتفاعل مع اللغات المجاورة، تأخذ منها، وتعطي، وهو حال مخالف للغة العربية».

المصدر: ساسة بوست / ميرفت عوف

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: