حركة النهضة و سياسة الهروب إلى الأمام بقلم حمادي الغربي

من الصفات التي تمتاز بها الحركة الاسلامية و خاصة التونسية منها أنها يتسع صدرها للرأي الآخر و ليس هذا منة من أحد بل هي أحد دعائم النقد الإيجابي في السياسة الاسلامية و حتى رسول الله نزل عند رأي الأغلبية و هو نبي يوحى اليه من السماء و ذلك حفاظا على وحدة الصف و حمايته من التراخي و تثبيت مبدأ الشورى و كلكم تعلمون بخطبة عمر بن الخطاب لما طلب من الرعية أن يقوموه إذا ما أخطأ فقام له رجل و قال قولته المشهورة : و الله لرأينا فيك إعوجاجا لقومناه بسيوفنا ، فرد عليه أمير المؤمنين قائلا : أحمد الله الذي جعل في هذه الأمة من يقوم اعوجاج عمر بسيفه . و إن كان قال الرواة انهم لم يجدوا لهذه الرواية في كتاب مسند و لكنهم ذكروا بعض روايات لها نفس المعنى و المدلول . 
أعتقد أن القارئ الكريم أدرك المغزى من سرد هذه المقدمة و لكي يطمئن فؤاد الجميع فإننا نرغب في أن نقوم بدور الرجل الذي وقف امام أمير المؤمنين و نأمل من الطرف الآخر المتلقي أن يقتبس شخصية عمر بن الخطاب و إذا اتفقنا على هذا المبدأ أعتقد اننا سنصل جميعا الى بر الأمان ….أما إذا كانت القيادة ” ما أريكم إلا ما أرى ” و الطرف الثاني ينخر بخنجره جسد الأمة لحاجة في نفس يعقوب ، هنا … ” ضعف الطالب و المطلوب ” . 
و لتأصيل القضية و ردها لمنهج السلف قال الامام مالك : ” كل يؤخذ من كلامه و يرد إلا صاحب هذا القبر ” و نادى أبو بكر رضي الله عنه عند وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم في الصحابة : ” من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات و من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ” و أختم بالقول الشهير للإمام أبي حنيفة حينما قال : ” هم رجال و نحن رجال ” . 
هذه الادلة التي سردتها كثيرا ما يتناولها الباحثون و الإسلاميون في الاستدلال بها في مواضيع الاختلافات الفكرية و مبدأ الشورى كتوطئة لنقاش مسألة خلافية بينهم و أن مصلحة الأمة و رد الأمر الى الله هو القصد لا غيره . 
إذن سوف أتطرق في هذا المقال نقطة واحدة انتبه إليها كثير من المتابعين للمشهد السياسي التونسي و نخص بالذكر منها سياسة حركة النهضة تجاه القضايا التي اعترضتها في مسيرتها السياسية القصيرة العمر في حكم الترويكا و بعدها . و لقد اتفق المراقبون و أنا أحدهم أن حركة النهضة كانت تفتقر لزمام المبادرة ليس هذا فحسب بل الى التجربة و الخبرة و هذه حقيقة اعترف بها قادتها ، و لكن هذا ليس مبررا لجعلها شماعة للفشل و الهروب من المسؤولية ، و قد يجدون لك مبررا لتمرير فشلهم …و رب عذر أقبح من ذنب . 
لما أدركت قيادة الحركة حجم المسؤولية و التركة و تعقيداتها و أنها حقا و حقيقة تورطت في الحكم و أنها استلمت أمانة لا تقدر على إدارتها لأسباب عدة عملت على تأجيل القضايا لليوم الذي يليه و اعتمدت سياسة الهروب الى الأمام و القفز على الحبال و لكنها لا تبارح مكانها . 
حجة حركة النهضة في سياستها التوافقية و التنازلية التي حققت رقم موسوعة غينيس للارقام القياسية العالمية هي الخوف من المجهول و عمل حساب أكثر مما يستحق للخصم الشيوعي أو العلماني المتطرف فضلا عن النفخ في الغول الأجنبي و إمكانية استئصالهم من الوجود …و خرجت النهضة من مربع المبادرة و القيادة الى مربع الدفاع و التبرير و بدل أن تواجه المشاكل و تتصدى لها و لحلها كانت تهرب بالمشكل الى الأمام و تتعلق بالاوهام و الخيال كحبوب تسكين للألام في انتظار معجزة تاتي من السماء .
و في قراءة سريعة لمواقف الحركة تجاه مواقف صعبة كان تفاعل الحركة معها سلبي و صادم …ففي كم من مناسبة تعبر النهضة عن رغبتها في عدم التنازل و لا التفريط في الشرعية و لا التنازل عن أن الاسلام كمصدر للتشريع و عن نقاط كثيرة في الدستور تخالف هوية و مرجعية النهضة ، حتى وصل بهم الأمر الى الاعتذار لشيوعي ملحد نعت القران بكتاب الارهاب خوفا من المجهول و لم يعتذروا لله في تقصيرهم للدفاع عن آياته .
تسلسل التنازلات و سقوط النهضة بدأ من التنازل عن الوزارات السيادية و بعد عملية اغتيال ثانية لأن الأولى آتت أكلها و بعدها تنازلت النهضة عن كل الوزارات و بعد مجموعة اضرابات مصطنعة توقع النهضة على وثيقة الحوار الوطني المشؤومة . 
و في كل حالة تنازل تقول قيادة النهضة : نحن لسنا طلبة سلطة و نريد حماية المسار الديمقراطي و أننا ما زلنا نتصدر المشهد السياسي و خرجنا من الحكومة و لم نخرج من الحكم .
فإذا بالشيخ راشد فوجئ باطلاق سراح قتلة الشهداء و حينها أدرك أنه لا يحكم . 
نتيجة تنازلات النهضة وقع النيل من الاسلام و سن قوانين كان المخلوع يخشى الاقتراب منها و سمح بالالحاد و الدعوة له و تجريم التكفير و حرية الضمير في حين علماء الأمة و مفكريها مثل القرضاوي و باقر الصدر و سيد قطب تكلموا في الضمير على خلاف ما صادقت عليه النهضة في الدستور و بالأمس القريب وافقت تونس على وثيقة العنصرية ضد المرأة التي بها بعض الفصول تتعارض مع القران و التشريع الاسلامي في حين أمريكا رفضت التوقيع عليها . 
بسبب تهاون النهضة و عدم أخذ الأمور بقوة و حزم و نست الله في أمورها و أبعدته من حساباتها تاهت النهضة بين التهديد و الوعيد و الخوف و الرجاء فاتسمت سياستها بالتذبذ و الحيرة و الارتباك الى درجة انقسم نوابها بالمجلس الى قسمين و لم يلتزموا بتوجيهات القيادة . 
نتيجة طبيعية لارتباك النهضة دخل الصهاينة الى تونس بجوازات اسرائيلية بتصريح امني مفتوح و دعت الوزيرة المستوردة صراحة الاسرائيليين لزيارة تونس و نتيجة للتخبط السياسي للنهضة تم اطلاق سراح قتلة الشهداء و لحسابات دنوية تم اسقاط مشروع العزل السياسي و تنصيب موظفين بالمعتمديات و الولايات من حزب التجمع و إعادة رموز المخلوع في مناصب حساسة في الداخلية و غيرها و من الجهة الأخرى تشهد الحركة سلسلة من الاستقالات على مستوى رفيع و أرفعها الأمين العام للحركة كما أصيبت قاعدتها بالإعياء و الإحباط و عجزت القيادة على إقناعهم و توج استياء شباب الثورة بحرق علم النهضة أمام المجلس التأسيسي . 
حجة النهضة في كل ما سبق ذكره هو المرور الى الانتخابات … و لكن حال النهضة اليوم حال جندي ارسل لجبهة القتال بدون سلاح …لقد جردوا النهضة من كل شيء ونزعوا منها عباءة الاسلام و مازالت النهضة تعقد الأمل في وعود السبسي بإشراكها في المشهد السياسي القادم و أن تنال نصيبها من الكعكة و لكن نسيت النهضة أنه كبير السحرة و المزور الأول للانتخابات و الثعلب العجوز و أذكر هنا قيادة النهضة بوعد المخلوع للشيخ راشد إثر انقلابه على المقبور للاعتراف بالاتجاه الاسلامي شريطة تغيير الاسم الى النهضة…فبعد ما تمكن المخلوع من الحكم انقلب على النهضة و لم يعترف بها بل زج بأبنائها بالسجون . 
فإن السبسي من نفس المدرسة بل هو أستاذها و مرشدها و اسرائيل و أمريكا لا يرغبان في حكومة ذات رائحة اسلامية …و أخشى ان تخسر النهضة كل شيء و تجد نفسها في ميدان المعارضة و عصا البوليس تلاحقها في كل مكان نتيجة تهاونها في هدية جاءتها من السماء و فرصة ثمينة ربما لا تأتي مرة أخرى . 
حمادي الغربي

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: