حروب وإنتصارات… في حرب واحدة بقلم المحامي/ أحمد سعيد العسلي

كل حرب خاضعة لقانون الحرب الذي يُحرم استهداف الأعيان المدنية والأماكن الدينية _التي تعلمناها ودرسناها وناقشناها خلال دراستنا للقانون_ تكون نتيجتها أما النصر أو الهزيمة، لكننا في غزة كنا أمام النموذج الإستثنائي لهذه القاعدة حيث البقعة الجغرافية الصغيرة، والقلة الثابتة، والإمكانات المحدودة لم يكن أمامها من خيارات إلا النصر أو النصر والتي إستطاعت أن تُسطر صموداً اسطورياً وإنتصاراً تاريخياً في عدوان غاشم اغتال كل معلم للحياة والإنسانية فيها، ولكن هذا الإعتيال لم يزدها (غزة) إلا إصراراً على الحياة ليس لأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة، بل لأن هذه الأرض لا تستحق إلا الحياة، حياة المجاهدين الصابرين أو حياة الشهداء المخلصين.

الحرب الإنسانية: حاولت من خلالها إسرائيل تدمير كل شيئ يحافظ على إنسانية البشر في غزة، فكان جهادنا في الحصول على مياه صالحة للشرب لا يقل عن جهادنا في الحصول على ربطة خبز والذي لا يقل عن جهادنا في الحصول على أنبوبة غاز للطهي، والذي لا يقل عن جهادنا في الحصول على مياه الإستعمال، والذي لا يقل عن جهادنا في الحصول على دواء، والذي لا يقل عن جهادنا في الحصول فترة جيدة من الكهرباء نستطيع من خلالها متابعة التطورات والإطمئنان على الأهل، والذي لا يقل عن جهادنا في الحصول على هواء نقي ينعش أرواحنا التي أنهكتها الآلام والذي يكفي لتلويثه مخلفات الصواريخ والقذائف التي تلقيها إسرائيل على شعب أعزل، ولكن أبت الهمجية أن تفارق أهلها عندما تحاول إسرائيل مرات ومرات من خلال إلقاء الغازات السامة على مواطنين نيام ليس من حقهم أن يحظو ببضع سويعات من الراحة ليستكملوا جهادهم النهاري في الحصول ضروريات الحياة، انتصرت عزة على العدو بالصمود الأسطوري الذي سطره شعبها، والتضامن الإجتماعي في تقاسم الألم بل إن إنتصارها إمتد ليكشف الغطاء عن منظمات حقوق الحيوان والمجتمع الدولي ومن ولاه من إخوان الصهاينة من العرب الذين ما انفكو عن تشديد الخناق على ضحية ذاقت الموت بشتى المذاقات ولكنها رفضت أن تعيش في مجتمع يدّعي المدنية والتقدم ويحترم الحرية والديمقراطية ويعجز عن توفير أدنى مقومات الحياة في بقعة جغرافية لا تتجاوز مساحتها حي من أحياء القاهرة كما يقولون.

الحرب الدينية: بعد أن نجحت إسرائيل بقطع الإتصال بيننا وبين إخواننا من العرب والمسلمين حاولت قطع إتصالنا بالله بعد أن اكتظت بيوت الله بالمصلين والدعاة المبتهلين الذي إلتجوا إلى ربهم بعد أن فقدو الثقة في كل مُجيب، بل وإن هذا الإعتداء لم يقتصر على بيوت الخاصة بالمسلمين حتى طالت دور العبادة الخاصة بالمسيحين، ولكن هيهات هيهات لما يظنون أن اتصالنا بالله في بيوته لا بد أن يكون تحت سقيفة اسمنت. سرعان ما افترش المسلمون الأرض واستقفوا السماء في أداء صلواتهم وعباداتهم مسطرين بذلك نصرا جديداً في ثباتهم على عقيدتهم التي تحثهم على قتال اليهود المعتدين.

حرب وأعدوا: غالباً ما تكون الحرب بين قُطبين متوازيين في القوة العسكرية لكل قطب من يؤيده من الحلفاء، ولكن أن تستفرد رابع أقوى قوة عسكرية في العالم وبدعم وتأييد العَالَمَين العربي والغربي في قلة لا تمتلك من عتادها إلا ما أنتجته من حصار خانق محكم الخناق براً وبحراً وجواً، تنصر غزة بمعية الله لها وبإيمانها بقانون رباني (وأعدوا) يؤيده وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.

حرب الأطفال والنساء: عندما يكون القتال رجلاً لرجل تتحقق نشوة المنتصر وفرحته بالإنتصار، ولكن عندما تكون حرباً كاملة ضد أطفال في بطون أمهاتهم أو في أحضان أماتهم أو رعاية أمهاتهم، أو تكون الحرب ضد رجال تجاوزوا من العمر ما أحنى ظهورهم وشيب رؤوسهم، زاعمة بذلك أنها تقتل الإرهابيين والمخربين ولسان حال الشاعر يقول: (لقد سلم المقاتل والذين بدورهم قُتلوا. نعم هذا قدر الله ولكن ربما سلموا لو كانوا كلهم مقاتلين). يصر الأطفال على عيش حياتهم غصباً عن نتن ياهو كما قال أحدهم حرفياً، وتستمر النساء في قَصَص بطولات أزواجهن لأبنائهن لتستمر الحياة في غزة.

حرب استئصال: عادةً ما تقوم الدول المستعمِرة بإستصال وتطهير عرقي للشعوب المستعمَرة، ولكن اسرائيل تجاوزت هذا الحد وأقدمت على ما هو أخطر من ذلك عندما حاولت قتل حلم كل إنسان من حقه أن يصبح طبيباً أو محامياً … أو يحقق مشروعاً صغيراً أو كبيراً، حاولت أن تقول لنا بصورة ضمنية لا تُتعبوا أنفسكم بعناء وضع الخطط والتخطيط للمستقبل ومحاولة صياغة واقع أجمل وفق معطيات أفضل، ولكن هيهات هيهات لشعب الجبارين أن يحيد عن الطريق هيهات هيات لشعب آمن أن الضربة التي لا تقتله لا تزيده إلا قوة أن يُسلّم بهذا القول الهزار ليُصرح أصحاب المصانع بالتأكيد على عودة العمل تدريجياً ويصر كل صاحب حلم على تحقيقه ولو بعد حين.

حرب همجية: قامت بها اسرائيل عندما قصفت بيوتاً مقصوفة، ومساجد مدمرة، وأرضِ زراعية زرعناها زيتون السلام ونخيل الثبات والصمود، وبيوتاً مأهولة تضم عشرات الصغار المُيتمين، ومستشفيات لم تحمل إثماً سوا علاج المجروحين، ومدراس بحماية دولية ليس لها ذنب سوا إيواء النازحين ومقابر لا تضم بين جنباتها إلا رفاتاً (يريد أن يتأكد الضابط أنهم موتى ربما قاموا، ويطلب طلعة أخرى تقصف نفس البيت ويسأل نفسه لكن: ألم أقتلهم من قبل من ستين عاماً نفس هذا القتل نفس مراحل التنفيذ؟؟؟ فيأتي الجواب من على ركام المباني ومن وسع جنازات التشييع لم ألقَ إلا قاتلاً قلقاً وقتلاً هادئين) وأحياءً صامدين.

حرب الإنسانية الزائفة: التي أعلن الإحتلال رسمياً عن هدفه من العملية العسكرية المتمثل في هدم الأنفاق، وإضعاف قوة حماس والمقاومة.. ولكن ثمة سؤال يعترض لماذا إنذار البيوت الآمنة بالإخلاء خلال مدة لا تتجاوز الثواني؟؟؟ لماذا النداءات لتوجه المواطنين إلى وسط المدينة ليتم الإيقاع بهم في عقر مأمنهم؟؟ لماذا الأطفال والنساء دون غيرهم من رجال المقاومة؟؟ لماذا المصانع والمشافي والملاعب والمساجد ؟؟ أيمكن أن تكون أنقاقاً عمودية !! ينتصر الشعب بشكف هذا الزيف وتعرية اسرائيل أخلاقياً وإنسانياً أمام مجتمع طالما تغنى بأخلاقها وإنسانيتها.

حرب نفسية: حاولت من خلالها اسرائيل سلوك ما سكله هتلر عندما قال لأحد معتقليه ستموت خنقاً بالغاز الذي أطلقته عليك فوجده في اليوم التالي ميتاً دونما أن يطلق عليه شيئاً، إنها الحرب النفسية والقتل من خلال بث اليأس والمراهنة على إنكسارنا وخروجنا ضد مقاومتنا من خلال بث الشائعات والأكاذيب، وتأليب العالم علينا، وإيهامنا أنه لا سبيل لوقف سقوط أطنان المتفجرات _ذات الصوت المرعب والدمار الهائل والوميض اللامع_ إلا نبذ المقاومة وعدم دعمهم ولكن أنى لهم هذا وشعب على صوت تكبيره على صوت صواريخهم عند نزولها، أنى لهم هذا والشعب يقول كلنا مقاومة، أنا وأبنائي ومالي فداء للمقاومة، الله يحفظهم المقاومة، لم يقُلها وهو في فندق خمس نجوم كما يقول البعض بل قالها وهو يزِف طفله شهيداً وهو يبحث بين ركام بيته عما تبقى من ذكريات جميلة.

حرب إعلامية: حاول العدو من خلالها رفع معنويات شعبة وجيشه الذي لا يقهر من خلال التصريحات والمؤتمرات التي تارة ما كان متنها أكاذيب، وتارة ما كانت تسويق إنتصار وتحقيقاً للأهداف، وتارة ما كانت وُعوداً بالتصعيد وتوسيع العملية العسكرية ودن ذكر أي إنجازات واقعية ذات مصداقية حقيقية. لذلك ليس غريباً أن وجدنا الكثير من وسائل إعلام العدو ومتابيعها ينتظرون تصريحات المقاومة بشأن مفقوديهم وإمكانية تحقيق أمنهم من عدمه، عندما كان يخرج قادة المقاومة ليقولو القول الفصل في ذلك، في العمليات التي يقومون بها زماناً ومكاناً حتى تجاوز الإعلام المقاوم هذا الدور بنشر أفلام وثائقية حية بالصوت والصورة خلال العدوان تبين جاهزية المقاومة واستمرار قدرتها على التصنيع لتكشف بذلك كذب العدو في تدمير القوة العسكرية للمقاومة. حرب إعلامية لم تقتصر على هذا الجانب بل كانت حرب مصطلحات دقيقة ذات معانٍ واضحة لا لبس فيها ولا غموض ناهيك عن التصريحات والبشريات التي كانت تحملها تلك الخطابات.

لا ضير إن قلت جازماً أني تعمدت ألا أكتب شيئاً عن الحرب العسكرية لأن فصولها عديدة، وحكاياتها متعددة، وجوانبها أشمل من أن يشملها مقال، لطالما تمنيت أن يسعفني الزمان والحال توثيق بطولات أبناء شعبي في شيئ يُدرّس في مناهجنا عِوضاً عن هيئة اللمم وجامعة الدول، ولكني يقيني عند الله لا تضيع الأماني.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: