حرية الإعلام.. التباس المفهوم والممارسة.. (الصحفي الأردني علي دنيف حسن)

لم يحظ مفهوم بذلك الكم الهائل من البحث و الاستقصاء و الدراسة و الجدل المستفيض ، مثلما حظي به مفهوم الحرية. فما من فيلسوف أو مفكر في مختلف أرجاء العالم ، ومنذ بواكير التفلسف وحتى يومنا هذا، إلا وأدلى بدلوه في هذا المفهوم الشائك. كما لم تقف الدارسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مكتوفة العقل والأيدي أمام الجدل الدائر بشأن الحرية. فهي من المفاهيم القليلة التي تسربت وتشربت في مختلف تضاعيف العلوم والفنون والآداب .

على عكس الكثير من المفاهيم التي بقيت هائمة وعائمة في إطار البحث الفلسفي فقط . و على الرغم من أن الكثير من الفلاسفة والثوار والدعاة قد دفعوا حياتهم ثمنا على طريق الحرية . وان المواثيق الدولية و دساتير الدول المختلفة قد زينت ونمقت ديباجاتها بضمان حرية الرأي والتعبير والاعتقاد وتأسيس التجمعات، إلا أن الحرية نفسها بقيت شائكة ومعقدة من جهة التفسير والتطبيق والاعتقاد، لدرجة أن أبسط الأسئلة بشأن الحرية غالبا ما تجر وراءها أسئلة بالغة التعقيد والغموض ، بدلا من أن تجر أجوبة مقنعة يمكن للعقل والضمير والسلوك أن يصل عبرها إلى حالة من الطمأنينة والاستقرار .

و يزداد هذا الأمر غموضا والتباسا عندما نتحدث عن حرية وسائل الإعلام . إذ تختلف النظريات والمحددات والمعايير التي يمكن في ضوئها تمييز الإعلام الحر عن الإعلام التابع والمقيد . ومرد هذا الاختلاف هو اختلاف ثقافات الشعوب والجماعات عن بعضها البعض عموما، و الى اختلاف نظرتها للحرية خصوصا . وفي مقابل هذا الاختلاف نجد
الوضوح في نص المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العام 1948 التي تقر إن ” لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير ، ويتضمن ذلك الحق ، اعتناق الآراء دون أي تدخل واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وبثها بأي وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية “.

وأضافت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى هذا المفهوم الإنساني لحرية الإعلام بعدا جديدا في البيان الدولي الذي أصدرته عام 1966 فقد تضمن البيان نصا يؤكد ” أن الحق في حرية التعبير يتضمن حرية البحث عن المعلومات والأفكار من كل نوع، والحصول عليها ونشرها دون أي اعتبار لأية حدود سياسية وبالشكل الذي يختاره الفرد، سواء أكان شفهيا أم كتابيا أم مطبوعا أم متلفزا، أم بأي شكل آخر “.

ولكن هذه النصوص وغيرها لم تكن حالها بأحسن من حال نصوص حقوق الإنسان الأخرى . إذ بقيت مدار تساؤل وتفسير وتأويل . ولم تتحول إلى حقائق ملموسة على أرض الواقع ، إلا بشكل نسبي هنا وهناك . فالحرية عموما وحرية وسائل الإعلام خصوصا كانت وما زالت تواجه الكثير من العقبات والمشكلات لاسيما في دول العالم (النامية) والمتخلفة . و ” تقوم حرية الإعلام على حقوق ثلاثة :
– حق المعرفة ( الأخبار) .
– حق التعبير ( الرأي) .
– حق النشر ( نشر الخبر والتعليق عليه) .

غير أن هذه الحرية تصطدم بعقبات كثيرة خارجية وداخلية . وتتباين العقبات الداخلية حسب تباين الأنظمة السياسية ، وموقع الإعلام فيها ، وحدود علاقته بها ” .
ولقد ارتبطت الحرية منذ وجودها بالمسؤولية والانضباط ، إذ لا يمكن تصور حرية منفلتة لا تخضع لجملة من الضوابط والمعايير والأنظمة. ولذلك نشأت بمرور الزمن الكثير من المحددات التي تنظم حدود الحرية عبر إخضاعها لضوابط قانونية وأخلاقية، حتى تراكمت تلك المحددات وتنوعت واختلفت تبعا لاختلاف الأفراد والجماعات والأنظمة . وكان الموضوع الأكثر جدلا في هذا الاتجاه هو : من يضع هذه الضوابط والمعايير ؟ وما هي المنطلقات التي يعتمد عليها في عملية الوضع؟ وما هي السلطة التي تخوله فعل ذلك؟
وبعيدا عن الإجابة عن هذه الأسئلة وما شابهها ، شرعت الكثير من السلطات السياسية والاجتماعية في وضع ضوابط ومحددات الغاية منها تنظيم الحرية وترسيم حدودها .

و تباينت الأنظمة فيما بينها في رسم تلك الحدود. حتى وصل الأمر ببعضها إلى محو الحرية من خارطة الوجود تحت ذرائع وحجج شتى . ونشأ تبعا لذلك مفهوم الرقابة على الحريات بدعوى تكريسها والحفاظ عليها . ونالت وسائل الإعلام ، لاسيما الصحافة ? لقدمها ? ما نالته من القيود والضغوط الرقابية على مر الزمن . وخاضت في سبيل حريتها صراعا مريرا مازالت صفحاته لم تطو بعد، ونيران حرائقه لم تخمد حتى الآن.
يقول جون آدامز ” منذ أكثر من مائة وخمسين عاما ، إن أعقد المشاكل التي تواجه الفلاسفة والسياسيين والمشرعين ورجال الدين والأخلاق، هي مشكلة تنظيم الصحافة . ذلك لأنها مشكلة على جانب كبير من الصعوبة والخطورة والأهمية ….. لا تستطيع البشرية أن تحكم بها أو بدونها في الوقت الحاضر . ”
ودخل مفهوم حرية وسائل الإعلام دائرة المعترك السياسي . وأصبحت القيود المفروضة عليها تهمة تتبادلها الأنظمة السياسية فيما بينها . فيرى لينين ” أن المفهوم البرجوازي لحرية الصحافة لا يخدم سوى استمرار وجود الأقلية الحاكمة التي تملك وسائل الإعلام” .

و في المقابل يقول ويلبور شرام ” إن السوفيت لا ينظرون إلى وسائل الإعلام الجماهيري على أنها سلطة رابعة تراقب السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية فتنشر أخبار هذه السلطات وتنقد أعمالها كما تفعل أجهزة الإعلام في الغرب . ولكن وسائل الإعلام الجماهيري تعتبر ومنذ قيام الثورة البلشفية سنة 1917 أداة جماعية للدعاية والترويج للآيديولوجيا الشيوعية ….. ” .

و بعيدا عن هذا التراشق ، تبقى حقيقة يجب تأكيدها ، وهي أن هناك الكثير من الكتاب والمفكرين والمعنيين من الغربيين الذين وجهوا وما زالوا يوجهون انتقاداتهم المريرة واللاذعة لطبيعة وعمل وسائل الإعلام في الغرب . ومن ذلك اتهامه بالتضليل الإعلامي ، ويرى هربرت شيلر ” حيث يكون التضليل الإعلامي هو الأداة الأساسية للهيمنة الاجتماعية ، كما هو الحال في الولايات المتحدة ، تكون الأولوية لتنسيق وتنقيح الوسائل التكنيكية للتضليل على الأنشطة الثقافية الأخرى . من هنا تجتذب أنشطة التضليل الإعلامي ، طبقا لمبادئ السوق ، أذكى المواهب نظرا لأنها تقدم أعلى حوافز النظام ” ، ويرى آخرون ” إن آلة واشنطن الدعائية ضخمة جدا . بحيث لا يعرف عدد العاملين في الخدمة المدنية الذين يطلبون لأعمال حكومية . ومع إن التقديرات الرسمية تحدد عددهم بما يقارب ( 20 ) ألف شخص ، فقد أخفقت كل عمليات التدقيق في العثور على الحجم الحقيقي للعلاقات العامة الفدرالية لأن شبكة الدعاية منتشرة على نطاق واسع جدا لأن هويات ونشاطات كثير من العملين فيها تخفيها مسميات وظيفية غامضة ” . فيما انعدمت مثل هذه الظاهرة في المعسكر الاشتراكي منذ تأسيسه وحتى انهياره .

كما يمكن الإطلاع على الكثير من التجارب المهمة التي تمكنت فيها الصحافة الغربية من تفحص أكثر الوثائق الحكومية الخطيرة والسرية . ويروي جون أولمان الكثير من التفاصيل المتعلقة بالإطلاع على وثائق حكومية تقبع خلف أبواب مغلقة لا يمكن النفاذ إليها كونها شأنا حكوميا في غاية الخصوصية . فلقد ” تمكن بارليت وستيل بناء على المطبوعات الناجمة عن ذلك والتي بلغت أربعة ألاف صفحة ، فضلا عن الزيارات التي قاما بها للمحاكم واللقاءات مع ضحايا الجريمة ، والمدعين ، والمتهمين ، والمحامين ، والقضاة من الكتابة بشكل روتيني عن المحاكم الجنائية تحدثوا فيها عن العدالة غير العادلة ” .

وتستمد الصحافة قوتها وحياتها لا من حريتها فقط بل من حريات مختلفة ومتشابكة مع بعضها البعض أبرزها:
الحرية الشخصية .
حرية الفكر .
حرية التعبير عن الرأي .
حرية الصحافة .
حرية انتخاب أعضاء المجلس التشريعي .
حرية التملك .
حرية انتخاب المجالس البلدية .
حرية التنقل .
حرية مقاضاة الحكومة ومؤسساتها .
حرية المعتقدات .
حرية تنظيم الاجتماعات العامة .
حرية تأسيس الجمعيات والمنظمات السياسية .
حرية الانتساب للجمعيات والمنظمات الأهلية .
حرية الانتساب للجمعيات و الأحزاب السياسية .
حرية المشاركة في الاعتصامات والتظاهرات السلمية .

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: