” حزب التحرير :لن يترك تونس تنهار على يد الضعفاء و العملاء ” … بقلم الأستاذ رضا بالحاج

سنتحدث اليوم بكل وضوح و بساطة و جرأة أيضا عن تونس المختطفة التي بلغ الاستخفاف بها و استنزافها أعلى الدرجات من الانتهازيين الجدد، فالنظام القائم أوصل تونس إلى ما يشبه الانهيار و الجميع مرتعب من وقوع الانهيار كله.. نعم، النظام اليوم لم يعد قادرا البتة على إصلاح نفسه و لا حتى الإيهام بالإصلاح، و كل محاولات رسكلته لمزيد التمويه هي محاولات مكشوفة مرفوضة.. حالة ورثت في الناس خوفا و ارتيابا و انسداد أفق و تطبيعا مع الرداءة و الفساد في كل الأصعدة و كل المجالات، ورثت ركضا و لهثا وراء الحد الأدنى فقط الحد الأدنى في كل شيء أي الرضا بالقليل الأقل و ما يتبع ذلك عند الناس من اكتئاب و حزن لا تخفى ملامحهما و ما يتبع ذلك من تنطع و تمرد، حتى أن تونس و يا للحسرة صارت في المراتب الأربعة الأولى عالميا في معاقرة الخمرة و الإدمان على القمار و ما يعنيه ذلك من فراغ مدمر.. و المشترك في جميع الحالات و عند الجميع هو الوجع و المعاناة التي تزكيها إحصائيات و أرقام مرعبة لم يعد النظام قادرا على حجبها ما جعلنا في هذا الصدد فضيحة عالمية: فهذا رئيس ألمانيا يصفنا و هو ضيف في تونس بالفساد و العطالة، و هذه النائبة في البرلمان الأوروبي “إيفا جولي” تقول أمام الملأ :”إن ديون تونس مرعبة تحولت إلى أمر مقلق و خطير قد يضع البلاد بأكملها على حافة الإفلاس”. نعم، ديون تونس -وهي في أغلبها الأعم للإستهلاك- بلغت أكثر من خمسين بالمائة من الناتج المحلي الخام، و آفاق الإنتاج في البلاد هزيلة جدا بوتيرة و نسق ما قبل الحرب العالمية الأولى، علما و أن أموال تونس المهربة و المجمدة تكفي لسداد قروض تونس الكريهة ثلاثة مرات أو أكثر.. و الأدهى هو انعدام مجرد التفكير فضلا عن التخطيط في استراتيجيا صناعية و تكنولوجية و انعدام الأمل و لو قليلا في وضع اليد على ثروات البلد الهائلة لتكون في خدمة الأمة.. تونس لها بحر يمتد أزيد من 1300كم على واجهتين و هي لا تملك قدرة على الصيد بما يكفي و بالطريقة المثلى في البحر.. بل الأزمة في هذا المجال معقدة كشفت العجز و الفساد في البحر و البر أيضا.. تونس بلد فيه قدرات مناخية و فلاحية مميزة و هي بلد الحبوب الأساسية قمحا و شعيرا، و الأشجار الأساسية زيتونا و نخلا و قوارص، و رغم ذلك تعيش الأزمات الغذائية حتى في الحليب و الأعلاف و البذور، و لا تسل عن أسطورة “الأمن الغذائي”.. و تونس العامرة بثروات باطنية هائلة تفطنت إليها فرنسا المستعمرة منذ 1938 في مسح جيولوجي نوعي ما جعل المقيم العام يكاتب السلطة في العاصمة باريس طالبا منها عدم التفريط في تونس الواعدة بخير عميم، و منذ ذلك الوقت و تونس سر غامض و محير للجميع في مجال الثروات.. تونس الخضراء الغنية هذه تعيش اليوم كذبة القرن(تونس ثرواتها قليلة و نادرة).. تونس الخضراء تعيش تبعا لذلك أزمات خانقة في كل مجالات الطاقة. و من تمام الأزمة و العطالة ما أكدته دراسة مختصة من أن كل المنجزات أو جلها في البنية الأساسية في تونس و لاسيما الطرقات و القناطر هي دون المواصفات العالمية في حدها الأدنى، و الحاصل أن القائمين على البلد لم يتركوا مقوما من مقومات انهيار الدول إلا استجلبوه.. و الأخطر هو أن القائمين على الشأن العام هم بلا فكر سياسي و لا رؤية إستراتيجية متماسكة إذ أنهم جمعوا في كيان الدولة و نسيج البلد كل أنواع التناقضات: من وطنية شوفينية مع فكرة الوحدة العربية، و من أصالة مع التغريب و من ديمقراطية مع الدكتاتورية، و من تبرير للتبعية مع تبجح بالتحرر و السيادة، و من اشتراكية مع رأسمالية ..إلخ في مشهد مسيخ تلفيقي لا يبني رؤية فضلا عن منهج، كمن يسير في الوقت نفسه إلى الأمام و إلى الوراء(افتراضا و استحالة)، و التناقض عند الفرد و عند الأمم و الدول هو أول الهزيمة و مقدمة الانهيار.
–هذا الجانب الواقعي اليومي الملموس في الخيبة و الفشل، و هذا الجانب المنهجي المتناقض الممزق يمكن اعتباره هو انهيار الجدار الداخلي للدولة و المجتمع، أما انهيار الجدار الخارجي فيكمن في غباء هؤلاء الحكام الفاضح في فهم لعبة الأمم و حرب المصالح و المواقع و هو غباء مبرمج محكوم بانعدام الوعي السياسي، فكل دول العالم بالنسبة لحكام تونس تبادلنا و نبادلها الحب و هي صديقة و شقيقة و لا نحذر منها شيء و نتقاسم معها القيم الإنسانية و نواياها دوما طيبة لا تحتاج إلى أن نحذر أو نتخابر عليها أو نتجسس لا قدر الله، نعم النخبة الحاكمة و المتهافتة على الحكم تعدم الوعي جملة و تفصيلا لذا فهي مخترقة سياسيا و فكريا و وجدانيا و لا يهمها من هذا الوعي السياسي إلاّ المقدار الذي تتوقعه من سند خارجي لها بصفتها الشخصية أو الحزبية.. و لكن الجماعة لم يفهموا إلى الآن أن السند الخارجي لم يعد يملك ضمانات بقاء هذه الأنظمة التابعة، فالغرب مرتبك في ما يشبه انعدام الوزن رغم ما يبدو عليه من مظاهر القوة و خططه لم تعد تعمر طويلا و هي بين إقرار و نقض و قبض و بسط و في تحول دائم، و لك أن تنظر للوضع في اليمن و في ليبيا و في مصر بمتغيراته السريعة، أما في سوريا فحيرة الغرب و عجزه غير مسبوقين و لكن الجماعة في شهوة اللهو و شهوة السلطة إلى الأذقان حيارى سكارى مازالوا يعتمدون على الغرب و الدولة من حولهم بل البلد ينهار.
–نعم، الغرب لم يعد قادرا على الإسناد فضلا عن خلق الوضعيات المضمونة التي يبني عليها سياساته لعقود فهو في لحظة الإندار الحضاري كما قال “روجي جارودي” يدعمه “بريجينسكي” مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق ” لم يعد للغرب مبرر أخلاقي مقنع لقيادة العالم” و هذا الكلام يمثل تيارا نقديا في الغرب بدأ يتفطن إلى المنعرج، تدعمه “أولبرايت” وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة في إحدى محاضراتها “نحن نملك الوفرة و لا نملك المعنى و من ثم نمارس القوة و لا نمارس الإقناع”، و هكذا انتقل النظام الرأسمالي من العالمية أي الإقتناع الطوعي و الإنخراط فيه إلى العولمة أي إلحاق الجميع و إكراههم ضمن نمط يقبلونه طوعا أو كرها.. و بهذا سقط عن العملاء في تونس السند الأيديولوجي الغربي الذي لم يعد له من مصداقية و لا بريق و لا إغراء فأغلب المقولات اللبرالية الرأسمالية صار السؤال عليها لا منها بما في ذلك الديمقراطية و هي قيد مراجعات فلسفية عميقة (جون هالويل، جاك إيلول، بول كينيدي..)
إن إفتقاد النظام للسند الطبيعي أي المبدأ بما هو فكرة و طريقة و الأمة بما هي سند شعبي خلق حالة من التذمر الرهيب و النفور بل الانتفاضة تلو الانتفاضة و التمايز و المفاصلة بين الشعوب و الحكام.. و هكذا أوصلنا هؤلاء إلى “تونس رمادية حزينة” توشك أن تنهار فيها كل المنظومات القيمية و السياسية انهيارا يتأكد أكثر مع انعدام الفكر المبدئي القادر على التواضع و التدارك و يتأكد أكثر فأكثر حين نجد طبقة سياسية غدرت بتونس تتسلح فقط بالعنجهية و الغطرسة و التهديد و الوعيد و التلويح بكل مضادات الدولة أي بالقوة الانتقامية و القوة التي عدل فيها. و بهذا أسس الحكام الجدد و من كان قبلهم بغبائهم المبرمج بثالوث الجهالة: الغفلة و الشهوة و الغضب، أسسوا لهذه الحالة من الإنهيار المروع و نحن نؤكد أنه فعلا انهيار و ليس مجرد تدهور أو تدحرج و يجب أن ندرك هذا الإنهيار بالعقل و العمق لا أن ننتظر ملمسه باليد و صدمته لنا حين لا ينفع أسف و لا ندم.

****************
منعا لليأس و دفعا للإحباط نؤكد هاهنا أن تونس لن تكون فريسة للضعفاء و لا للعملاء أحدهما أو كلاهما و نؤكد أن حزب التحرير بما هو حالة كفاحية يصل الليل بالنهار مشتغلا بأحوال الأمة و منها تونس الخضراء المغدورة من أدعياء ضعفاء عملاء شعارهم (أنا و بعدي الطوفان) يعممون أنانيتهم و أهواءهم لتكون بحجم الدولة كلها، و نؤكد أن حزب التحرير (و هو أكبر حزب في العالم) قادر و واجب عليه منع هذا الإنهيار حتى لا يشمل عزائم الناس و إرادتهم، و هو يعطي للأمة أعلى درجات الأمان و الضمان خادما و حارسا أمينا لها:
1- المبدئية: أي أنه يشتغل في السياسة على هدى و بصيرة لا مجرد ردود أفعال و هو متقيد بالأحكام الشرعية يملك المقياس و الميزان الذي يردعه عن أي انحراف أو تنكب و هو فاعل غير مفعول و متفاعل غير منفعل.
2- الوعي السياسي: أي النظر إلى العالم من زاوية خاصة يجعله يفهم مجريات الأحداث و ممكناتها بكل تعقيداتها الدولية و الإقليمية و له في هذا الصدد آلاف الإصدارات و مشهود له بالسبق في كثير من القضايا الملتبسة و الحساسة.
3- البديل النوعي الذي يشمل ما يلزم للحكم مفصلا في دولة ليست و لا ينبغي لها أن تكون دكتاتورية و لا بوليسية و لا ديمقراطية ليبرالية و لا ملكية و إنما هي كما سماها النبي صلى الله عليه و سلم “خلافة على منهاج النبوة”.
4- تأسيس الحزب لشبكة واسعة من الخبرات المدربة و الذكية في كل المجالات.
5- تواصل الحزب مع كل المخلصين في الأمة لإنجاح المشروع الإسلامي تطبيقا و حسن تطبيق و دوام تطبيق مع ما يلزم لذلك من معرفة و تواضع فالحزب لا يتعالى على الناس و يوظف كل طاقات الأمة في البديل الحضاري أي دولة الإسلام، و الدولة التي يريد إقامتها ليست مذهبية و لا طائفية و لا حزبية و إنما هي دولة الأمة.
6- قدرة على إدارة المعارك بإحسان عنونتها و المناورة فيها بما لا يخالف المبدأ و بما يكبت الأعداء، و بطرح الأسئلة الحقيقية لا المفتعلة و بالقدرة على عدم السقوط في الفخاخ.
7- الحزب درس واقع تونس و قلبه ظهرا لبطن فأدرك مصادر قوتها و مكامن الضعف فيها و مداخل الخير منها و إليها و قدر ثرواتها التي يمكن أن ترفع مستوى العيش حسابيا أربع مرات فما بالك إن تعلق الأمر بثروات الأمة كلها.
8- بين الحزب أكثر من مرة أن الجيش و الأمن هم من أبناء الأمة و يكفي أن يكونا في سياقها الطبيعي حتى تنبع منهما أعلى درجات العزة و الكرامة لهما و للأمة جمعاء و الغرب يدرك ذلك و يهابه و يحتاط له.
9- بالإعتماد على سياسيين واعين و مثقفين مستنيرين و جيش صادق و أمن صادق يمكن إحباط المعوقات الخارجية بكل أنواع مؤامراتها و متآمريها.

وعدا و عهدا أن تكون أعيننا يقظة و خطانا ثابتة و قولنا حق و صدق لننصر تونس و أهلها بما هي جزء من أمة الإسلام ننقذها من الرويبضات الذين أوردوها المهالك.. سننقذها من جهالة الجاهلين و عمالة المأجورين و جبن الضعفاء و كسلهم و بخلهم الذين غرتهم طيبة أهل تونس فظنوها ضعفا و بنوا على ذلك و الذين أغراهم السند الخارجي فظنوه أبديا.. و إن غدا لناظره لقريب.
الأستاذ رضا بالحاج
في 3 ماي 2015

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: