الحوار-التربية-640x405

” حوار إصلاح المنظومة التربوية .. إلى أين ؟ ” … بقلم مراد شيخاوي

 

انطلق يوم الخميس 23 أفريل 2015 ” الحوار الوطني حول إصلاح المنظومة التربوية ”. وقد حضر موكب الانطلاق الذي انتظم بقصر المؤتمرات بتونس العاصمة وزير التربية ناجي جلول ورئيس المعهد العربي لحقوق الانسان عبد الباسط بن حسن والأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل حسين العباسي فيما حضر هذه المناسبة عدد من الممثلين عن جمعيات و خبراء و نواب و النقابات التسعة المهتمة بالشأن التربوي . و أفاد وزير التربية ناجي جلول أن ” ورقة مشروع عملية الإصلاح التربوي لوزارة التربية تتلخص في توفير موارد بشرية جيدة على كل المستويات لأن مسألة التكوين و التربية هي مسألة موارد بشرية و تأصيل التلميذ في هويته العربية الإسلامية و انفتاحه على الخارج الى جانب جعل المدرسة فضاء حياة و فضاء إبداع ” .

من المعلوم أن المنظومة التربوية شهدت بعد الاستقلال العديد ممّا يسمى بـ”الإصلاحات”  ابتداء بـ ”إصلاح” سنة 1958 (قانون عدد 118 لسنة 1958 مؤرخ في 4 نوفمبر 1958 )  مرورا بـ ”إصلاح” سنة 1991 ( قانون عدد 65 لسنة 1991 مؤرخ في 29 جويلية 1991 ) وصولا إلى القانون التوجيهي للتربية و التعليم لسنة 2002 ( قانون عدد 80 لسنة 2002 مؤرخ في 23 جويلية 2002 ) .

لكن الذي لا يعلمه الكثير هو أن كل هذه ”الإصلاحات” جاءت تتمّة لمحاولة الإحتلال الفرنسي طمس الشخصية الإسلامية للمجتمع و غزو العقلية التونسية تعليميا و ثقافيا بحيث تُستبدل الثقافة الإسلامية بأخرى ”حديثة” قصد دمج التونسي في النسيج الثقافي الفرنسي العام و تكوين أجيال تتصدى هي نفسها لأي فكر إسلامي يسعى لإيجاد نهضة مبنية على العقيدة الإسلامية.

ففي سنة 1883 استُصدر مرسوم يقضي بتنصيب لويس ماشويل مديرا عاما للتعليم العمومي . بدأ ماشويل بإحداث مدارس موازية سمّيت ”مدارس عمومية” في كامل البلاد التونسية حيث كانت أغلب المواد تدرّس باللغة الفرنسية و شجع أبناء التونسيين على التعلّم فيها جنبا الى جنب مع أبناء المعمّرين وقد خصّ أبناء المعمرين بتعليمهم اللهجة التونسية و أبقى اللغة العربية الفصحى و القرآن لأبناء التونسيين . في الأوّل جلب ماشويل لهذا الغرض معلمين فرنسيين و بعدها وفي سنة 1884 أحدث مدرسة عليا (المدرسة العَلَوِيّة) لتخريج المعلّمين الفرنسيين والتونسيين لتدريس اللغة الفرنسية و المواد العلمية و افتتح إلى جانب ذلك “المدرسة التأديبية” لتأهيل معلّمين باللغة العربية للمتخرجين من جامع الزيتونة الذين يرغبون في العمل كمدرسين في المدارس العمومية . و هذا العمل مكّنه من تشريك التونسيين أنفسهم في ”الإصلاح التعليمي” و الوقوف ضد المحافظين الرافضين لهذا ”الإصلاح” . و بمقتضى هذا المشهد ”الإصلاحي” أصبح في تونس و لأول مرة في تاريخها نوعان من التعليم فمشويل لم يلغي التعليم التقليدي و لم يُبدِ رفضه له و لكن حاول محاصرته أولا في المناطق الداخلية للبلاد و كان يؤجّل المواجهة مع التعليم الزيتوني في عقر جامع الزيتونة .

و بعد أن نشر التعليم العمومي في كامل البلاد حاول ماشويل أن يُدخل بعض ”الإصلاحات” داخل جامع الزيتونة نفسه فدعا إلى إنشاء لجنة تبحث في سبل ”الإصلاح” داخل الجامع و تكونت اللجنة بمقتضى مرسوم من الباي سنة 1889 و كانت متكوّنة من شخصيات متنفّذة نذكر منها الشيخ محمد عبد العزيز أبو عتور (وزير أول) و الشيخ محمد بيرم (شيخ الاسلام) و أحمد الشريف باشا ( مفتي حنفي) و لويس مشويل و المقيم العام الفرنسي و قضاة . و قدم ماشويل مشروعه ”الإصلاحي” أمام اللجنة و من أبرز النقاط التي أثارها هي اختصار التعليم في جامع الزيتونة على التعليم العالي و  إحداث تخصص بحيث يتمكن كل طالب من اختيار التخصص الذي يريده حسب نوعية العمل الذي ينوي القيام به فيما بعد و تخصيص كتب مدرسية خاصة لكل مرحلة من التعليم و شجّع على إدراج التخصص بالنسبة للمدرسين على أن يكون ذلك في مادة أو مادتين لا غير . و في نهاية حديثه حث الجمع على ضرورة الأخذ بأسباب التعليم الحديث منهجا ومادة إذا أُريد للشعب التونسي أن يصل إلى مصاف الأمم الأوروبية المتحضرة و تساءل “عن الجدوى التي سيتحصل عليها طالب العلم في هذا العالم من وراء الحفظ والتلقين الآلي للكتاب المقدس ؟ لا شئ على الإطلاق” . و قد كانت هذه الكلمات الأخيرة لمشويل كافية أن يثور المحافظون ضد مشروعه ”الإصلاحي” فرفعوا شكاية ضد ماشويل و أيضا ضد المقيم العام ريني ملّي الذي أيد ماشويل في مشروعه ”الاصلاحي’ إلى وزير الخارجية الفرنسي فتم إعفاؤهما من العمل في تونس خوفا من المقاومة الشعبية التي قد تحدث .

و جاء النظام البورقيبي ليلغي المحاكم الشرعية و الأحباس و مؤسسة التعليم الزيتوني التي كانت تضم سنة 1950 ما يقارب عن 16 ألف طالبا و انكبّ يتمّ ما لم يستطع ”إصلاحه” لويس ماشويل و ذلك عبر ”إصلاح” سنة 1958 . لم يكن هذا ”الإصلاح” قضية تربوية بل كان أساسا قضية فكرية وسياسية حيث تجسد فيه الحسم مع منهج الإسلام في التعليم و برز ذلك في إقرار بورقيبة في ذلك الوقت بأنه ” قد زال الخطر ويجب أن نكيف التعليم بما يمكننا من ملاحقة ركب الحضارة وتدارك ما فاتنا من مراحل ونحن عازمون على ذلك مهما كانت التكاليف ” . فالخطر المذكور هو الشخصية الإسلامية للمجتمع وما تنتجه من مواجهات مع السلطة على الصعيد الفكري و السياسي و الإجتماعي . والدارس للشأن التربوي منذ الاستقلال لا بد أن يلاحظ انقلاب بورقيبة على وعوده بترسيخ الهوية العربية الاسلامية في السياسة التربوية باستعمال اللغة العربية كلغة تدريس لجميع المواد مع الاستفادة من اللغة الفرنسية عند الضرورة ولأجل مؤقت لنصل في الأخير وعبر سياسة المراحل الى الفرنسة شبه الكاملة .

وتلاه النظام النوفمبري بما سماه بالإصلاحات الهيكلية والجوهرية للمنظومة التربوية والتعليمية طيلة فترة حكمه عبر ”إصلاح” سنة 1991 و القانون التوجيهي للتربية و التعليم لسنة 2002 وصولا سنة 2005 إلى آخر مشروع عُرف بثلاثية إ.م.د (الإجازة – الماجستير – الدكتوراه) .

إن هاته ”الإصلاحات” قرّرها ”مصلحون” ذوي نوايا مخفية و رسموا لها سياسات بناء على رؤيتهم التي ترمي أساسا إلى تغريب الشخصية التونسية و جنّدوا لها كل الطاقات المتوفرة التي اهتمت بالتفاصيل و ليس بمنهج التعليم نفسه حتى أصبح الكل يتخبط في ما هو فاسد من أصله . و إنه لا يخفى على أحد ما يشهده مجتمعنا من تفشي ظاهرة العنف بالمدارس و شياع المخدرات بين الأوساط التلمذية و الطلابية و تردّي المكتسبات الثقافية عند التلميذ و ضعف البحث المنهجي …

لقد تبيّن أن ”الإصلاحات” السابقة باءت بالفشل لأنها بعيدة كل البعد عن الهوية الإسلامية للناس و سوف يشهد ”الإصلاح” المرتقب نفس النتيجة إن هو واصل قمع الناس في هويتهم الحضارية و أصر على محاولة مواصلة إرساء منهج التغريب و التبعية للحضارة الغربية. يقول عبد الرحمان ابن خلدون ” من كان مرباه بالعسف و القهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر و ضيّق على النفس فى انبساطها و ذهب بنشاطها و دعاه إلى الكسل و حُمِلَ على الكذب و الخبث و هو التظاهر بغير ما فى ضميره خوفـًا من انبساط الأيدي بالقهر عليه و علّمه المكر و الخديعة لذلك و صارت له هذه عادةً و خُلُقـًا و فسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع و التمرن و هي الحَمِية و المدافعة عن نفسه و منزله و صار عيالاً على غيره في ذلك بل و كسلت النفس عن اكتساب الفضائل و الخُلُق الجميل فانقبضت عن غايتها و مدى إنسانيتها فارتكس و عاد فى أسفل السافلين ” .

إن القهر الكامن عند الناس متؤتّي من أن جميع ”الإصلاحات” تتناقض مع ما هو مكنون في وجدان الأمة و لهذا فإن الإصلاح الحقيقي للمنظومة التربوية يكمن أساسا في رسم سياسات ترمي إلى بناء شخصية إسلامية متميزة بحفظ ثقافة الأمة في صدور أبنائها و في سطور كتبها ، فتكون هذه الثقافة هي التي تصوغ عقلية الفرد و طريقة حكمه و تؤثر في سلوكه من جهة و تجعل منه فردا فاعلا منتجا للفكر و العلوم و التقنيات من جهة أخرى. و إن الحاضنة الوحيدة لهذه المنظومة هي دولة أساسها العقيدة الإسلامية دولة تعيد للأمة مجدها و عزتها و إشعاعها على الأمم و تحقق الغاية التي بعثت من أجلها في إرساء العدل بعدما تفشى الظلم فتخرج الناس من الظلمات إلى النور و من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا و الآخرة.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: