خاطرة ” بيني و بين الإنسان و الإنسان ” بقلم خلود الحطّاب

 

إنه الإنسان ، محور الكون و نبض الأرض ، إنه الإنسان عِمادُ القضيّة . إنه الإنسان : أنا  و أنت و هو و هِي ، إنه الإنسان ، ذلكَ الكائن العاقِل الذي يحمِل قلبا .

إنّه الإنسان و إنّه حاضِرُنا .. أيْن يَتمَوْقع الإنسان في هذا الكمِّ الهائِل من الأحداث و المستجدّات ؟ و أيْنه فِي كلّ هذا الضجيج ؟

الإنسان و الأرض و قضيّةٌ تولد كلّ يوم و أخرى  تموت في ذاتِ اليوم .. إنّه الإنسان ذلكَ الوحشُ القاتل الغاصب الذي انتهك حرمة الدماء بل و جعل منها سِقاء الأرضِ بدَل الماء .. أَيُّ شفقةٍ أو رحمَةٍ يستحقّها ذلكَ الإنسان الذي جعلَ من سفكِ الدّماء هَدَفهُ و أقصى غاياتِه : يتلذّذ حين يذبح أو يقتل ثم يحرق أو يعذبّ حدّ الموت !

و على الجانب الآخر يقف هذا الإنسان المظلوم ، المقهور و علَى رقبتِه خنجر و في رأسه مسدّس ، فوقَ أرضهِ المسلوبةِ المليئةِ بالألغام .. ينتظر الموتَ ليمزّقهُ  السلاّحُ و ينثر أشلاءهُ فتتطايرُ و تُحرق و تتبخّر و تُحرَمُ حتّى من الدسِّ تحتَ التراب .

من صنعَ آلات الحرب الفتاكة  ؟ من طوّر القنابِل .. من و من و من .. ؟ و لماذا قام بذلِك ؟ ..

إنّه الإنسان ليقتلُ آخاهُ الإنسان ! و بينهما إنسان هو” أنا ” ، قَدَرِي أن أكون إنسانا ، أسأل : هل يحقّ للإنسان أن ينصر الإنسان نظرا لاِشتراكِهما فِي الإنتماء ؟ أتراجع أدراجِي لأقول : إنّه الإنسان ذلكَ الكائن المُزدَوَج ، ذلكَ الظالم و ذلكَ المظلوم .. و بينهما أقف لأجزم أنّ القضيّة لا تكون لنصرَة الإنسان ، القضيّة إنّما تكون لنصر الفطرةِ الإنسانية التي أودَعها الله في الإنسان .. القضيّة أن تنصر الإنسانية قبل كلّ شيء ، قبل الأولويّات و المصالح و التوجهات ..

أن تنصر الإنسانية أي أن تقف مع الإنسان ضدّ الإنسان !

 

نعود إلى مكان اقدامنا ، إلى واقِعنا و زماننا ، نعود لنبصر خرقاُ وبوْنا شاسعا بين مبدإ الإنسانية و بين ما نراه : أناس يُقتلون كل لحظة على يدِ أناسٍ يحرزون المناصب و الجاه .. يقتلون و يحرقون و يراهِنون و يتفاوضون بالأرواح ، نعود لنبحث عن الإنسانية فلا نجدها ، فأغلب القوم ينصرون المصالِح و لا تهمّهم الأرواح فتُزهق الأرواح والأحلام و الآمال و الأوطان ..

ماذا سيكتب التاريخ عنّـا ؟ عن حكّام اشتروا السّلاح لإبادة شعوبِهم ، و عن أم فقدت ابنها لأنّه قال ” لا ”

عمّا سيدوّن التاريخ ؟ عن الأطفال الذين قُتلوا و شرّدوا و يُتّموا و سُلبوا أحلامهم جرّاء براءتِهم ، و كأنّ البراءة فِي زماننا ذنب لا يُغتفر في ظلّ تراكمٍ كثيفٍ للخبث و الخبائث .

عن ” غول الإرهاب ” الذي يزرعونه في الشعوب الثائرة و يُخوّفون به شعبا أوْشَك أن يقولَ لحاكِمه ” لا ” .

عن مصر التي قام شعبها بثورة ليَتولّى الظلم هدّها ، عن حسني مبارك الذي خرجَ بريئا ، أم عن السيسي الذي انقلبَ على السّلطة و قتّل بأبشع ما يكون التقتيلُ آلافا ..

سيذكُر التاريخ شعب سوريا الذي يقتّل و يُهدَم عليْه سقفُ وطنِه ، عن أطفال ، عن نساءٍ ، عن شيوخٍ ، عن شباب ، عن شعبٍ يُبادُ و عن وطن يتحوّل  لأرض تصفِية حسابات .

سيتحدّث عن فلسطين ، و عن احتلال يُجاوِز الستين عاما ، عن خذلان و قسوة وشتات أمّة ، عن بشاعة الإستعمار الذي يبقى على الوطن أهوَن ، فعدوّ من الخارِج يكافِحه شعب متحدّ أهْوَن من شتات شعب و انقسامه  حتى يتمزّق الوطن..

سيتحدّث عن شعوب تُصاب بالتخمة و عن أخرى تقتلها المجاعات ..

عن الدين حين يصبح ذنبا و جريمةَ..

العجيب في كلّ هذا أنّنا نرى مَن يقفُ جنبَ مصالِحه قبلَ قضيّة الإنسانيّة بل و يُلغي الإنسانيّة و كأنّه لا يعلم أنّه سواءٌ مع الظالِمين. ماذا عن أولئك الذين يلتزمون بالحياد في الأزمات الإنسانية  ، أيّ لعنة ستلحَقهم و ما الفرق بينهم و بين من ظلم !

أَأقول: ليتَ التاريخ ينسانا وينسى قبحَ واقِعنا و سياسَتنا الفاشلة المليئة بالنفاق و الكذب، ليته يطوينا بمأساتنا كي لا يوجعَ أولئكَ الذي سيدرسوننا تاريخـاً !

أم أقول : دعه يذكرنا ، فالتاريخ ردّ للمظالم و درس للاّحقين و عِبرة إن صدق و أخلص و أنصف ..

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: