خالد بـن يـحـي

خالد بـن يـحـي يتحدّث بصراحة عن الكرة في تونس !!!

خالد بـن يـحـي يتحدّث بصراحة عن الكرة في تونس !!!

أجرت جريدة الشروق حوارا مطولا مع اللاعب الدولي السابق خالد بن يحي حيث تحدث عن واقع كرة القدم التونسية بكل صراحة و جاء في الحوار:
أليس من غرائب الزّمن أن يجلس لاعب كبير، ومدرّب شهير مثلك في صفّ «العاطلين» ؟

أنا شخص يقدّس العمل، ومن المستحيل أن أقبل بالبطالة التامّة، ذلك أنّ ابتعادي عن السّاحة الكرويّة لا يعني مطلقا أنّني مستقيل بل أنّني أشتغل،
وأتابع في الوقت نفسه كلّ ما يحصل في دنيا الرياضة. ويدرك العارفون بمسيرتي التدريبيّة أنّ الانقطاع المؤقت بين الحين والآخر عن المهنة لا يزعجني كثيرا.

قلت إنّك تواكب عن كثب سير الأنشطة الرياضيّة، فكيف تقرأ واقع المنتخب، وأنت كنت من أفضل المدافعين في صفوف الـ»نّسور»،
ومن أكثر اللاعبين ذودا عن الراية الوطنيّة (تماما مثل «عتّوقة»، وطارق…)؟

شخصيا أرفض تلك الصّورة السوداويّة التي رسمها بعض الفنيين «المتشائمين» في البرامج الرياضيّة. ويزعم هؤلاء أنّ الكرة التونسيّة لا تجيد سوى لعب الدّفاع.
وليس بوسعها تحقيق النجاحات إلا متى شيّد مدرّبوها حصونا إسمنتيّة يصعب اختراقها. والحقيقة أن هذا الكلام مردود على أصحابه،
ويفنّده التاريخ الذي يقول إن مراهنة المنتخب على الأساليب الدفاعية مسألة ظرفيّة، وقد تكون بارزة للعيان مع أحد الفنيين الذين نالوا شرف قيادة الـ»نّسور»،
لكن دون أن تتحوّل إلى قاعدة ثابتة. وقد نتّفق معهم مثلا لو أنّهم استشهدوا في خطابهم المليء بالمغالطات بتجربة الفرنسي «لومار» الذي لا أحد ينكر نزعته الدفاعيّة
غير أن وضع مختلف الفترات التي عاشها المنتخب في الوادي نفسه يصبح أمرا مغلوطا، واتهاما باطلا. ولم تقتصر المغالطات على كذبة الفلسفة الدفاعية للكرة التونسية
بل شملت أيضا المسيرة الحاليّة لـ»كاسبرجاك» مع المنتخب، حيث اتسمت الكثير من التحاليل الفنية بالتشنج، والغياب الواضح للموضوعيّة، والعقلانيّة.

كيف ذلك ؟

لقد شنّ البعض هجوما كاسحا على المدرب الوطني «هنري كاسبرجاك» معتبرين أنّه أصل الداء في أزمة الأداء في حين أنّ الرجل يستحق تحية إكبار
لأنّه أعاد للـ»نّسور» الإعتبار، واستعاد معه المنتخب الأمل، وأظن أنه حقّق المطلوب بعد أن تأهل الفريق إلى الـ»كان»
علاوة على تصدّر مجموعته في التصفيات المؤهلة للمونديال الذي يظلّ الحلم الأكبر، والأهمّ لكلّ التونسيين. وتؤكد لغة الأرقام
أنّ مشوار الـ»نّسور» مع مدرّبه الجديد – القديم ناجح. كما أنّ خيارات المدرب كانت ناجعة وهو ما وقفنا عليه من خلال اقحام الوسلاتي،
واستثمار ورقة بن حتيرة في لقاء غينيا علاوة على الاستفادة من السليتي في حوار ليبيا…

لن نختلف معك بخصوص النتائج المسجلة، لكن ماذا عن التساؤلات الكبيرة حول غياب الاقناع ؟

اتّفق التونسيون على أنّ كرتنا تفتقر في الوقت الراهن إلى فلتات كرويّة كتلك التي كانت موجودة من قبل في منتخباتنا الوطنية، وجمعياتنا الرياضيّة.
وهذا لا يعني أبدا أنّ بلادنا أصبحت عاقرا، ولن تنجب مستقبلا لاعبين ممتازين، ذلك أنّ منجم المواهب لن ينضب.
وأعتقد أن مسألة غياب الـ»كوارجية» الـ»كبار» ليست حكرا على تونس بل أنّ فرنسا نفسها لا تملك الآن عنصرا بحجم «بلاتيني»، أو «زيدان»…
وأظنّ أنّ المؤهلات التي بحوزة عناصرنا الدوليّة مثل معلول، والنقاز، والخزري، وبن عمر،… ليست خارقة، ولكنها محترمة،
وبوسع المنتخب أن يقدّم أداء أفضل بمرور الوقت خاصة في ظل التعزيزات المفترضة، والتي يملك أصحابها لمسة فنيّة، واضافة شبه مضمونة كما هو الحال بالنّسبة إلى يوسف المساكني…

هل تنكر محدوديّة امكانات المدافعين، وأنت صاحب الباع الطويل في هذا الاختصاص ؟

لنناقش أوّلا الاستراتجيّة التي يتّبعها «كاسبرجاك» في المنطقة الخلفية، حيث عادة ما يراهن على ثلاثة مدافعين محوريين، وأثارت هذه النقطة جدلا واسعا،
وأسالت حبرا كثيرا. ومن جانبي، أؤكد أنّه لكلّ مدرب فلسفته الخاصة. ولابدّ من احترام خياراته، وتوجّهاته طالما أنها ناجعة إلى حدّ الآن
بدليل أن الفريق يسير بثبات نحو الأهداف المرسومة، ولم يرتكب مدافعوه هفوات قاتلة، أومؤثرة في مسيرة الـ»نسور» الذين يتصدّرون مجموعتهم في التصفيات المونديالية،
والمتأهلين عن جدارة، واستحقاق إلى الكأس الافريقية. ونأتي الآن إلى الأداء العام للمدافعين الذين نالوا نصيب الأسد من النّقد،
واعتقد شخصيا أنّ مردود العناصر المراهن عليهم مثل عبد النور، والذوادي، والمحسني، وبن يوسف كان مقبولا. وحاول مدافعونا كسب الحوارات الثنائية،
وتجنبوا الوقوع في أخطاء تكتيكية فادحة، وأظهروا روحا قتالية عالية. وقاموا من وجهة نظري بواجبهم، ولا يمكننا لومهم على افتقارهم لفنيات الخروج بالكرة.

يستمدّ المنتخب جزء من قوّته من الرباعي الكبير الذي يوفر للـ»نّسور» أحسن، وأغلى اللاعبين، فما حكمك على «البيغ فور» ?

نبدأ بالنجم لنؤكد أنّه نموذج يحتذى، بعد أنّ أسعد المحبين في المسابقتين المحليتين، وشرّف التونسيين في كأس الكنفدراليّة الافريقية.
وأظنّ أنّ هذه النّجاحات هي نتيجة حتميّة للاستمراريّة الفنيّة، والإداريّة، المجسمة من خلال الثقة الكبيرة في المدرب الخبير، والذكي فوزي البنزرتي، وبقاء شرف الدين.
ولن نمرّ من أولمبي سوسة دون التنويه بلاعب ممتاز، ولم يأخذ حظّه في الاعلام، وهو غازي عبد الرزاق الذي أظنه من العناصر القادرين على نحت مسيرة موفّقة
شرط التركيز على الميدان، وتجنّب الانشغال بالمسائل الجانبيّة.

وسأتحدّث أيضا بإعجاب عن فريق عاصمة الجنوب الذي نلت شرف تدريبه، وأعتقد أن «السي .آس .آس» يستحق الإشادة
لأنّه في طريقه إلى تحقيق أوّل أهدافه في بطولة المجموعتين رغم التقلبات الكبيرة التي شهدها على المستويين الفني، والإداري
بعد رحيل عبد الناظر، وقدوم خماخم، ومغادرة شهاب الذي حقق للأمانة نتائج ايجابية مع الفريق الذي يواصل المسيرة
رغم رحيل فيلق النّجوم مثل بن يوسف، والفرجاني، وندونغ، ومنصر، ومعلول.
وأختم الكلام عن صفاقس بالتّنبيه إلى عنصر يعطي بغير حساب، وهو ماهر الحنّاشي
الذي يعدّ مثالا في المثابرة التي أعتبرها من الشروط الضرورية في اللاعب، وأمقت في المقابل العنصر الكسول.

أما بخصوص الافريقي، فيحسب له نجاحه في حصد الانتصارات رغم الأزمات القاصمة للظهر فضلا عن خروج بعض اللاعبين
الذين كانوا من الأرقام المهمّة في فريق «دانيال» الذي أعتبره شخصيا أحد أفضل النسخ التي عرفها النادي طيلة السنوات الأخيرة.

لماذا أجّلت الحديث عن الترجي، وهو شيخ «المحترفين»، وفريقك الأم، وعلاقتكما بمثابة الروح في الجسد ؟

يعرف القاصي، والداني أن حبي كبير للترجي الذي استبسلت في الدفاع عن أزيائه الذهبية لاعبا، ومدربا. وساهمت في تتويجاته في الموقعين أيضا.
وقد تكلمت عن بقية الـ»كبار» قبل الوصول إلى مركب المرحوم بلخوجة حتّى لا أتّهم بالتعصّب لجمعيتي
التي يدرك العارفون بمسيرتي، وشخصيتي أن علاقتي بها عضويّة، ولكنّني أحترم أيضا الجمعيات الأخرى.

لو ننبش في قصّة خروجك من مركب بلخوجة بعد تردّد كبير من المسؤولين، وجدل واسع في صفوف المحبين ؟

(بعد صمت طويل). يقول التاريخ الذي لا يكذب أنني درّبت الترجي في ثلاث مناسبات: زمن شيبوب، وزهير، والمدب.
وتؤكد الأرقام التي لا تتجمّل أن تجاربي كانت موفّقة، حيث تحصلنا في التسعينات على لقب الكأس، والمركز الثاني في البطولة
(جيل العروسي، والواعر، وثابت، والحمروني، الشيحي…). وغنم الترجي الثنائي في موسم 2005 ـ 2006 (جيل جون جاك، وجابر، واللّطيفي…)،
وذلك قبل أن أخوض تجربة ثالثة مع الجمعية، وكانت هذه المغامرة قصيرة، ولن نستعرض تفاصيلها، ويكفي التذكير بأنني تسلّمت النادي في وضع معقّد
حتّى أنّ بعض المتشائمين قالوا لي بالحرف الواحد إنها حالة ميؤوس منها، ومع ذلك فقد كسبنا الرّهان، وساهمنا في تجاوز تلك المرحلة الصّعبة،
وتفوّقنا بعزيمة فولاذيّة على النّجم، و»السي .آس .آس»، وتعادلنا ضدّ الافريقي… وذلك قبل أن تحصل القطيعة.
وربما لو تحلى أصحاب القرار بالقليل من الصبر لكانت النهاية سعيدة، وتحصلنا على الألقاب كما جرت العادة.

ما رأيك في النّسخة الحاليّة للجمعيّة المدجّجة بالنّجوم ؟

أظنّ أنّ الترجي نجح في إعادة البناء، وتجاوز بسلام المرحلة الانتقاليّة التي سبقتها هزّات كبيرة على المستوين المحلي، والقاري.
وانتدبت الهيئة المديرة بقيادة المدب ترسانة من اللاعبين الواعدين في كل المراكز تقريبا. وقد كانت النتائج المسجلة مع السويح ايجابية
بعد أن تحصل النادي على المركز الثاني المؤهل في البطولة، وتأهل أيضا إلى رابطة الأبطال علاوة على التتويج بكأس تونس.
ولا يمكنني شخصيا إلا أن أكون من «أنصار» السويح، ومن المساندين له، وأرفض أن أكون من المشوّشين على جمعيتي،
أومن الصائدين في الماء العكر. وأتمنى من الأعماق أن يكون العناصر الذين وقع انتدابهم في مستوى الانتظارات.
ذلك أن الوافدين يتمتعون نظريا بمؤهلات فنية عالية، وبشهرة كبيرة، لكن لا وزن لهذه المعطيات
ما لم يثبت هؤلاء جدارتهم بتقمص الأزياء الترجية، وذلك من خلال أداء غزير في الميدان.

متى يجلس «الأخوة الفرقاء» في الترجي (مثل طارق، وبن يحيى، ومعلول…) على طاولة الحوار، ويقفوا صفا واحدا خلف الجمعية ؟

يصوّر البعض الاختلافات في الرؤى بين بعض أبناء الدار على أنها صراعات أزليّة،
في حين أنها ظاهرة طبيعيّة، وموجودة في مختلف الجمعيات، والمنتخبات.

ما هي أبرز الأمنيات في دفتر بن يحيى ؟

لن أتّحدث عن الأمنيات الشّخصيّة بقدر ما أريد الخوض في بعض المسائل الجوهريّة التي تهمّ الرياضة التونسية.
وأنتظر وقفة حازمة من المسؤولين للنهوض بالبنية التحتية بعد أن أصبحت وضعية ملاعبنا، وقاعاتنا مخجلة
في وقت نريد فيه تسويق صورة مثالية للجمهورية التونسية في هذه المرحلة الحسّاسة، وأتمنى أيضا الالتفات إلى التكوين،
ونراهن على كفاءة الفنيين المحليين في جمعياتنا، وعلى المدير الفني القدير للجامعة يوسف الزواوي لصقل مواهبنا الكروية.
ولامفرّ من إصلاح سلك التحكيم الذي عانق بفضله قضاة ملاعبنا العالمية كما حصل مع بالناصر، والجويني…
والحقيقة أن هذا القطاع تراجع، وشهد عدّة انحرافات، وهو ما يحتاج إلى إصلاحات جذريّة حفاظا على حقوق كلّ الجمعيات.
وأريد بإختصار شديد أن تصبح رياضتنا صناعة بمفهومها الفني، والإعلامي، والاقتصادي.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: