خسرنا معركة الحرية لأنّ الشعب كان ينظر إلينا .. ويستمع لأعدائنا (بقلم/ إلياس القرقوري)

كنا نعي جيّدا أنها حرب بين الإستبداد والحرية .. ولكنهم حولوها إلى صراع بين الحداثة والرجعية .. ونجحوا الى حد كبير في ترسيخ ذلك في عقلية بعض الناس .. وقدموا أنفسهم بربطة عنق المنقذ .. الّذي أخطأ في تاريخ الوطن .. والمستعد للتوبة والعمل على مستقبله .. ومازال هناك من يصدق .. فالإعلام إعلامهم .. وأزرار الارهاب بيدهم .. وهم يعرفون جيدا خريطة الوطن .. وأين تكمن ألغامها .. ومسالك التهريب فيها .. والهروب منها …

ومع هذا لن نستسلم .. ولن نرمي رايتنا .. سيشعروننا وكأننا قلة قليلة منبوذة لا وجود لنا .. سيشيطنوننا أكثر وسيظهرون للناس أن الخلاص في التخلص منا .. سنبدو وكأننا غرباء عن أهلنا .. وكأننا نذبح بلادنا .. وكأننا نغتال أطفالنا .. مع أن كل القوى الثورية الديمقراطية بيمينها ويسارها أبدت عكس هذا .. وأرادت أن يكون الحساب في أروقة المحاكم وليس على أرصفة الشوارع .. لم تشأ أن تكون قوة استبداد جديدة ولو تحت لافتة عظيمة إسمها الثورة .. لقد كانت تعي جيدا أنها حرب بين الاستبداد والحرية .. لا يجب أن تنتصر قيها بالظلم والهمجية …

في الأثناء كان أهل الإستبداد يرسمون في أذهان الناس صورا أخرى .. أو هم ربما كانوا يستكملون ما بدؤوا بناءه منذ عقود طويلة .. وقدّموا أنفسهم كبناة حضارة .. ورموز للحداثة .. وهم في ملامحهم ونمط عيشهم وطريقة حكمهم أقرب للأوروبيين .. أوروبا .. التي تدغدغ أحلام الملايين .. والتي يحلم آلاف التونسيين بالهجرة إليها .. فإن لم يكن ذلك ممكنا فلتكن تونس على الأقل مثلها .. وعلى هذا الوهم الذي لا يأخذ من اوروبا سوى بهرجها إشتغل أهل الاستبداد قبل الثورة وبعدها ..

ولذلك هرب الناس من الحقيقة .. وانتخبوا الحلم … وقبلوا يد الاستبداد من أجل الوهم …
كنا نعي جيدا أنها حرب بين الاستبداد والحرية .. ولكننا لم نعرف جيدا كيف نرسم خططنا وكيف ننفذها .. كان يبدو لنا أنه يكفي أن نرفع راية الحرية حتى يسير الناس كالعميان وراءنا .. وفهمنا اليوم بأن العمى لم يصب أحدا غيرنا .. وسرق أهل الاستبداد حلمنا .. فقد كانوا أكثر دراية بأرض المعركة وأهلها .. ونجحوا إلى حد كبير في أن يظهروننا للناس وكأنّنا أعداؤهم .. وكأننا نسوقهم إلى حتفهم .. وأننا أكثر سوءا من أعدائنا وأعدائهم ….
نحن اليوم نتحمل جزءا كبيرا من إخفاقنا .. لأننا حين كنا نكلم الناس عن الحرية .. كنا مستعجلين جدا .. فلم نغتسل .. ولم نتطيب .. ولم نتجمل … وكان الناس ينظرون إلينا ولكنهم يستمعون لأعدائنا .. وهم يخفونهم من تعاستنا وهندامنا وغبارنا وهيأتنا …

كان الناس ينظرون إلينا .. ويستمعون لأعدائنا .. فقد كانت أصواتهم أقوى .. وصورهم المجملة أنقى .. وكذبهم أرقى … كان الناس ينظرون إلينا ويستمعون لأعدائنا .. لذلك نجحوا هم .. حيث نحن إنهزمنا ….
الحرب مازالت طويلة .. هذا مؤكد .. وعلينا الاعتراف بأننا قد خسرنا إحدى جولاتها .. ولكن الثابت بأننا إذا كررنا نفس الوسائل في مقاومة الاستبداد .. فستكون خسائرنا أيضا مكررة إلى الأبد ..
ليس مطلوبا منا اليوم أن نلوم الناس على إختياراتهم .. مهما بدت لنا سيئة .. وليس مطلوبا منا أيضا أن يكونوا هم حلبة صراعنا .. أو نحمّلهم وزر أخطائنا … المطلوب فقط أن نصل لهم بالصورة التي تجلب إنتباههم إلينا .. بالشكل الّذي يسمح لهم بالإستماع الى ما في قلوبنا .. فنحن بحاجة قبل أن نغيّر هذا العالم .. أن نغيّر نظرته إلينا … فقد شوّه اعداؤنا صورتنا .. حتى أصبح هو الخيار الأقل سوءا بينه وبيننا …
الحرب مازالت طويلة بيننا وبين أعداء هذا الوطن وشعبه .. وهذه حرب لا مكان فيها إلاّ لمن كان صاحب نفس طويل .. وصبر وإيمان راسخ .. هي حرب لا مكان فيها لمن يترك العدو الحقيقي يفعل ما يشاء .. ويصوب فيها سلاحه لأبناء شعبه فيسبهم لجهلهم .. وينعتهم بالأغبياء ..

يد الاستبداد تريد أن تفرقنا جميعا .. فلا يجب أن نكون أصابعها التي تبطش بها ..
ومادامت معركتنا مع الاستبداد من أجل الحرية .. فسننتصر بإذن الله طال الزمن أم قصر … متى عرفنا كيف وبأي الأدوات تُنتزع الحرية …

وعندها لن يتبعنا الناس كالقطعان .. بل سيكونون حجرا مرصوصا يلتحم بنا حتى نبني به ذات عمر وطنا .. لا مكان فيه للظلم والإستبداد والطغيان .. تعلو فيه هامات الرجال وصنّاع الحرية والحياة .. وتتحطم على أرضه قيود الجلاّين ورقاب الطغاة .

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: