” “خلية الأزمة” .. مطلق الأزمة ” … بقلم الأستاذ رضا بالحاج

بسم الله الرحمن الرحيم

(ما هكذا تدار المعارك)
تتالت عمليات القتل و الاغتيالات و التفجيرات في تونس في السنتين الفارطتين و كانت صادمة و مروعة، و لكن أغلب الروايات و التفسيرات كانت مهتزة متناقضة، ما جعل الكثير من الناس غير مطمئنين بين الغدر المحتمل من جهة و التزييف الوقح من جهة أخرى، و الخطير في الحالين هو التجاهل أو التمويه عن الفاعل الرئيسي و الرأس المدبر، و أمام عجز الحكومات الفاضح المتكرر و القتل الإستعراضي و هول الجريمة و فظاعتها عمدت حكومة مهدي جمعة إلى إنشاء خلية أزمة، و ظاهر هذه الخلية يدل على عزم و إرادة و تركيز نظر و جهود لاتخاذ اللازم للتدارك ضد هذا الغول المروع، و لكن واقع الحال و بعد أن تكررت الأعمال الإرهابية بطريقة أكثر دموية و أقل درجات هيبة الدولة.. واقع الحال هذا يدل على أن هذه الخلية هي جزء من الأزمة بل أنها تفرخ الأزمات إذ فتحت حسابا جاريا لمظالم جديدة مرعبة بلا حدود، فهي كمن يعالج السرطان بالتبغ و التدخين.

******** القرارات المتخذة/الهزال و السخف:*********

اجتمعت الخلية يوم الإثنين 23 مارس 2015 في قصر الحكومة برئاسة الحبيب الصيد رئيس الحكومة و حضور وزير الداخلية و الدفاع و عدد من إطارات الأمن و الجيش، و أقرت إجراءات وصفت بالهامة من بينها:
أ- التسريع في إنجاز منظومة المراقبة الإلكترونية للفضاءات العامة بمدينة تونس و في مرحلة ثانية مدنا أخرى.
ب- مواصلة العمل على تجفيف منابع الإرهاب.
ج- غلق المساجد التي بنيت دون ترخيص.
د- استرجاع كافة الجوامع و المساجد التي بقيت خارج السيطرة.
هـ- مواصلة تطهير محيط المساجد من الانتصاب الفوضوي.
— و باستعراض هذه الإجراءات نتبين عمق الأزمة التي تعيشها النخبة الحاكمة ما جعل “خلية الأزمة” على هذا النحو جزء و نوعا من الأزمة تزيد الطين بلّة.
1- أما منظومة المراقبة الإلكترونية فهي إجراء تقني عادي جدا يعمل به حتى العطارة و أصحاب المنازل الخاصة و كثير من المساجد.. فما الجديد في الأمر؟ و ما المهم ؟ ثم فيم أفادت هذه المنظومة المركزة أمام منزل وزير الداخلية الأسبق في نقاط عديدة من الحي الذي تقطنه عائلته؟ و أين هي تسجيلات الكاميرات حول منزل شكري بالعيد و هي كثيرة و التي قيل أنها ليست مضمنة في البحث؟ أليس إنجاز منظومة المراقبة الإلكترونية عملا إداريا روتينيا لا يقتضي إجتماعا و لا مجلسا و لا صخبا إعلاميا ؟
2- أما تجفيف منابع الإرهاب.. فهذه عبارة عامة مقاصدها معروفة و مجربة رأينا منها تصحيرا ثقافيا طيلة عقود مع بورقيبة و بن علي.. تصحيرا مسخ دينا و أفسد ثقافة و جعل الأمن يجتهد في ملاحقة الدمية “فلّة” المحجبة في الأسواق و المكتبات و يحاصر صورتها على محافظ الدراسة، و هذا التجفيف للمنابع جعل الأمن يبحث في غطاء رأس النساء هل فيه “مَسَّاك” أم لا؟ فالفرق واضح و خطير.. إما إرهاب أو لا إرهاب. و بناء عليه وُضعت خارطة طريق خاصة بلباس المرأة تحدد نوعه المرضي عنه و تحدد تسميته ب”تقريطة تونسية” حتى يُغض عنه أحيانا الطرف في الشوارع و الإدارات، و إلاّ فهو النزع و الخلع بالقوة على مرأى من الناس للخمار الموسوم بالطائفي و الإرهابي والذي بإزالته تجفف منابع الإرهاب.. و تجفيف المنابع هذا قامت به خلية الأزمة في عهد مهدي جمعة و يتواصل إلى اليوم من خلال غلق الكتاتيب و الروضات و الجمعيات الإسلامية بالعشرات رغم أنها مرخصة و لا شيء عليها، فقط لكونها مشمولة بشبهة شبهة الإسلام في مقابل السكوت عن الجمعيات الماسونية و الغربية التي تعبث بالبلاد و هي الخط المتقدم لمخابرات الدول الأجنبية، و فضائحها فوق الحصر.
3- غلق المساجد التي بنيت دون ترخيص أو تسويتها: ..هل يقتضي هذا الإجراء “خلية أزمة” و حضور السيد وزير الدفاع و صبغته العسكرية مع ضباط من الجيش محترمين؟ ثم لماذا لا تسوى أمور هذه المساجد التي بناها الأهالي طلبا للخير و الصدقة الجارية و رغبة في صلاة الجماعة و هي مساجد كلها من عطاء الناس أرضا و بناء و ليس للدولة فيها و في كل مساجد تونس إلاّ السيطرة و الهيمنة؟؟ لماذا لا تسوى إداريا و على عجل و بلطف و دون تشهير و إرهاب و إرعاب ؟ و تتفرغ الدولة لغلق أوكار المخابرات و الجواسيس و ملاحقة حملات التنصير و الشذوذ الجنسي و اللوبيات الذين يديرون الإرهاب على نخب “الفوتكا”.. ثم هل من الشهامة في شيء أن يفرض على الأمن دخول المساجد و الجوامع عند أوقات الصلاة و في رابعة النهار بتلك الطريقة الهجومية الكاسحة؟ علما و أن مفاتيح المساجد موجودة عند السّلط المعنية.. ألا يخلف هذا في الناس امتعاضا و إنكارا و احتقانا و كتم غيظ في الصدور؟؟
4- استرجاع المساجد التي هي خارج السيطرة: ..هل يعني هذا جعل الإمام مفتيا مدنيا للسلطة و السادة الوزراء و عقيلاتهم و مبررا و مشرعا لكل إجراءات الدولة الحكيمة الراعية للدين على طريقة بورقيبة و بن علي !؟ هل يعني هذا أن يصبح الدين متاعا من أمتعة العلمانية بلا شوكة و لا كلمة حق؟ يسكت عن الشرع و حرمة الربا و وجوب الحكم بما أنزل الله.. قد نتفق فيمن يراد تنحيته من الإمامة و لكن حتما من وقع الإتيان بهم بديلا هم إما ضعفاء جدا و جهلة أو عملاء و خدم لبن علي و ليلى أي للنظام السابق و يعرفهم الجميع، أو هم من أتباع حركة النهضة المرضي عنها و التي تريد تطويع خطاب المساجد لمستوى أدائها السياسي المتنازل المتدحرج.. و المساجد اليوم في تونس كلها صامتة ساكتة بلا علم و لا فقه و لا درس و لا موعظة تبكي فيها المحاريب و المنابر.. إذن هي تسوية سياسية بامتياز ضمن قسمة لا تخفى علينا، أو قل هو التوافق السحري إذ أوكل الغرب إلى “نداء تونس” تصفية اليسار و أوكل إلى حركة النهضة تصفية كل ما هو إسلامي لا يرضي الغرب و علمانيته، و آخر هذه الأعمال و أفظعها هو العدوان الفاضح على جامع الزيتونة.
5- مواصلة تطهير محيط المساجد من الانتصاب الفوضوي (هذي قالتلهم اسكتو !!).. هيبة الدولة التي من المفترض أن تتمظهر خاصة في جيشها و أمنها ستلاحق “النصابة” أمثال “البوعزيزي” أمام الجوامع بقليل من البرتقال أو التمر أو “خبز الطابونة” أو بعض العطور و البخور.. يبدو أن سيادة الوزير نسي أن يضيف ملاحقة الذين يسرقون الأحذية من المساجد و ما أكثرهم.

***********القرارات المتوقعة الغائبة / تمويه و عجز **********

كنّا نتوقع أن تفكر الخلية و تقدر و تقرر بعث قمر صناعي أو بالأقل اكتراءه، و تفكيك كل شبكة عليها شبهة مخابراتية، و مراقبة الدبلوماسيين المشبوهين الذين يقابلون السياسيين و رجال المال و الأعمال في منازلهم صباح مساء.. كنا نتوقع الإصرار على عدم تلويث الجيش بأي مهمة مشينة تنفر الناس منه و كذلك الأمن، لا توريطهما في قرارات استثنائية غاشمة و مرتبكة قد تُحملهم فوق صفتهم وفوق طاقتهم، ثم قد يتخلى عنهم السياسيون كما تخلى عنهم من قبل بن علي و يتركونهم في عاصفة الغضب و الثورة و النقمة.. كنا نتوقع الجرأة في إعلان أن لا أحد فوق المساءلة في موضوع القتل و الفتنة و الإرهاب و إن كانت دولة خارجية، و إن كانت قوى الضغط و اللوبيات، و إن كانت أعشاش الفاسدين مهما كبرت أسماؤهم.. و لكن و للأسف كانت القرارات هزيلة و هزلية زائد أنها ستضاعف من الظلم و التجاوزات التي في ظاهرها لازمة و مسموح بها للإحتياط و لكنها في الحقيقة ستكون فائض ظلم و حسابا جاريا للمظالم تتراكم ثم تعجل بساعة الانفجار.. هذا ما يجب أن يراه من يتحلى بروح المسؤولية، من يتناول الأزمات في بلاده تناول التطويق لا التسويق و يتحلى ببعد النظر بحساب الإحتمالات و الممكنات لا بالنظر القصير المتهافت الذي قد يكلف البلاد مصيرا مجهولا، و من يكون مقياسه في جميع الحالات هو التقيد بالحكم الشرعي و الخوف من الله العزيز الجبار.. و نحن نسأل في هذا الصدد هل يمكن لهذه الهيئة أن تحل الأزمة.. و أي أزمة ؟؟ و البلاد كلها أزمات و أول الأزمات إقامة أنظمة حكم على أنقاض مبدأ الأمة و وحدتها و ضد تاريخها، و هي أنظمة تعرض نفسها على الغرب عرضا و لا تملك شوكة الحكم و لا منهجيته و إنما هي “أمر واقع” و كفى.. فربع ساعة من المطر تساوي أزمة في كل المدن و القرى.. و علف الماشية أزمة.. و الحليب أزمة.. و المياه أزمة.. و الكهرباء أزمة.. و الفلاحة أزمة.. و الصناعة إن وجدت أزمة.. و السياحة أزمة.. و النفط و البنزين أزمة.. و العملة الصعبة أزمة.. و الثقافة أزمة.. و التعليم أزمة فوق الأزمة.. و الأخلاق فوق توصيف الأزمة.. و الإقتراض الأجنبي كارثة.

********القرارات المثالية الواجبة/ من ضرورات الهيبة********

ثمّ هل يمكن أن تحل المشكلة الأمنية و لاسيما الإرهاب و الدولة لم تحل معضلة أي اختراق أمني في تاريخ تونس المعاصر و لم تكشف الحقائق اللازمة لكرامة البلاد و الأمة من ذلك:
1- لم يقع يوما محاسبة عملاء الاستعمار الفرنسي ضد شعبهم و بلدهم و الذين حمتهم وثيقة الاستقلال غير المنشورة إلى حد الآن و هم قد تدرجوا في السلّم الإداري و السياسي و الأمني إلى أعلى الدرجات و حكمونا لعقود أو بالأقل كانوا نافذين، و جملة بورقيبة التي قالها لفرنسا مشهورة و مسجلة “vous pouvez compter sur moi”.
2- لم يقع إلى حد الآن محاسبة شبكة عملاء “الموساد” التي كان بن علي قد زرعها في البلاد طولا و عرضا كما صرح بذلك سي بشير التركي رئيس المخابرات العسكرية الأسبق و سمى تلك الفترة فترة العار على تونس و قد وقع فيها اغتيال فلسطينيين كثر و أشهرهم أبو جهاد و وقع فيها كشف كل أوراق منظمة التحرير الفلسطينية.
3- لم يقع التحقيق المدقق الجدي و كشف من قتل خيرة أبناء الجيش عند سقوط أو إسقاط الطائرة العسكرية في مجاز الباب أيام بن علي، هكذا دفعة واحدة و بكل سهولة، ماتوا و كفى.. رغم فداحة الخطب.
4- لم يقع كشف -لكسب ثقة الثوار بالأقل- القناصة المستأجرين الذين قتلوا أبناءنا بدم بارد و نسب قتلهم إلى مجهول و طوي الملف رغم خطورته و تعقده و “إنا لله و إنا إليه راجعون”.
5- لم يقع محاسبة الذين رفعوا -بعد 14 جانفي- شعار ” نحكمكم أو نقتلكم” و قتلوا فعلا حينئذ أكثر مما قتلوا قبل 14 جانفي و روعوا البلاد في الكاف و القصرين و غيرها و استعانوا بتوزيع الأموال من رجال السلطة السابقة و قد ذكروا حينها بأسمائهم.. و لكن أغلق الملف (زعمة تابوا !!) و لم يقع محاسبة الذين عبثوا في وسط العاصمة بعد اعتصام الشباب في القصبة و خرّبوا و دمّروا ذات أحد أسود.. و لا ننس يوم الثلاثاء المرعب لما وقع اقتحام المعاهد بالسلاسل و السكاكين و العصي تحت شعار (بن علي رجع) و قد أغلقت يومها مدارسنا و معاهدنا، ألا تذكرون؟؟ أليس لهؤلاء الدمويين ما يكفي من القسوة لمواصلة إرهابهم ؟؟
6- لم يقع كشف الذين أعانوا الإرهابيين المذكورين و المفترضين و أمّنوا لهم المعلومات و المسارات و حتى مسارح الإغتيال و قد تسرب من ذلك ما تشيب له الولدان و القرينة بل الدليل شهادات أمنية و وثائق مسربة ساطعة.
من المؤكد أن خلية الأزمة أضعف عشرات المرات من هذه الواجبات لأنها جزء من الأزمة و قوتها الوحيدة و مهابتها تكمن في استضعاف المساجد و الكتاتيب و رياض القرآن و الجمعيات الخيرية و العطور و البخور و استسهال البطش، أما الأفاعي ففي تونس منها ألف و يزيد تشرب الرحيق على نخب “الفوتكا” و هي محمية أو أنها فوق القانون و فوق السياسة و فوق البلد!!؟
و نحن على يقين أن في الجيش و الأمن من الصادقين و الغيارى و الأكفاء من يقدرون على كشف الحقائق و تولي الأمر بأعلى درجات المسؤولية، و لكن السياسات العفنة و السياسيون الفاسدون يريدونهم مجرد أداة و وسيلة في كثير من الأحيان أو يسعون لتوريطهما في ما لا يحمد.

الدولة الإسلامية ذات المهابة تحارب الإرهابيين بقوانينها المنضبطة المعلنة لا بالقوانين الإستثانئية و تحمي أمنها و جيشها الذي بدوره يحميها لأن الكيان واحد و أساسه شرعي لا وضعي و لا اصطناعي و هو كيان لا يقع في مهب المصالح و اللوبيات التي تعبث بأمن الناس و البلاد و الأمة، و القاعدة المشتركة عند السياسيين و عند الأمن و عند الجيش هي “ذمة المسلمين واحدة يسعى بهم أدناهم” قال النبي صلى الله عليه و سلم :”إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم ” و قال أيضا:” إنك إذا اتبعت عورات الناس(التجسس) أفسدتهم أو كدت تفسدهم”.

الأستاذ رضا بالحاج
– 29 مارس 2015 –

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: