image

دراسة حول العدوان الإيراني في اليمن والجزيرة العربية / الكاتب أسامة شحادة

دراسة حول العدوان الإيراني في اليمن والجزيرة العربية / الكاتب أسامة شحادة

العدوان الإيراني في اليمن والجزيرة العربية العمق التاريخي – الأدوات – المداخل (ورقة لمؤتمر إنقاذ الأمة)

تمهيد:
أصبح المخطط الإيراني العدواني على المسلمين اليوم حقيقة لا يكابر فيها إلا أعمى البصيرة، فرغم الدعوات المتكررة منذ زمن طويل من بعض العلماء والدعاة والمخلصين المحذرة من خطر هذا المخطط الإيراني العدواني القادم على المسلمين فإن هناك الكثير الكثير من الناس على مختلف طبقاتهم واتجاهاتهم ومواقعهم كانوا يصمّون أعينهم وآذانهم وقلوبهم عن سماع الكلمة الناصحة والتحذير الصادق.

وبعد أن أصبح المخطط العدواني الإيراني واقعا نقاسي تبعاته ونذوق شروره، كان يفترض أن يكون عندنا مخطط مقاومة ومدافعة، ولكننا لا نزال في مرحلة التعرف على المخطط العدواني وتفهم حقيقة المؤامرة الماضية في تقطيع أوصالنا والتجذر في شقوقنا والتلاعب بسذجنا!

أسعى في هذه الورقة المطروحة للنقاش والحوار للأمور التالية:
– فهم الخلفيات التاريخية لهذا العدوان الإيراني بصورة مجملة.
– التعرف على الأدوات والوسائل المستخدمة في العدوان الإيراني عبر محطاته المتنوعة.
– حصر المداخل التي يَعبر منها العدوان الإيراني وتمكنه من تنفيذ مخططه.
– مناقشة الوسائل والسبل المطلوبة لوقف العدوان الإيراني.

وسأكتفى بالعناوين الرئيسة في أشكال العدوان التي هي معلومة للحاضرين، مع التركيز على الأسباب والأدوات التي يستعملها العدوان الإيراني لأن إبطالها هو المهم والمقصود.

والله الموفق والمعين…

أولاً: الخلفية التاريخية للعدوان الإيراني على الجزيرة واليمن

من الأخطاء الشائعة اعتقاد أن العدوان الإيراني على الجزيرة العربية ظهر مع نظام الملالي بقيادة الخميني سنة 1979م، والبعض قد يظن أن العدوان بدأ قبل ذلك بقليل مع حكم الشاه محمد رضا بهلوي، خاصة في الفترة التي أعقبت إعلان بريطانيا عزمها على الانسحاب من الخليج سنة 1968م، حيث اعترضت إيران على استقلال مشيخات الخليج وتحولها لدول مستقلة!([1]).

لكن الحقيقة أن الأطماع الإيرانية في الجزيرة العربية تعود لفترة أقدم من ذلك بكثير، إذ تذكر المصادر التاريخية أن رئيس وزراء الدولة القاجارية في بلاد فارس سنة 1882م اعترض على عقد بريطانيا اتفاقيات مع شيوخ البحرين، على اعتبار أن البحرين تابعة لفارس!([2]).

ومنطلق تبعية الجزيرة العربية لفارس/ إيران كان راسخاً في وجدان كل الدول التي حكمت إيران في آخر مئتي عام على الأقل (القاجارية، البهلوية، الجمهورية الإسلامية)، برغم تنوع خلفياتها العائلية أو الفكرية، لكن الجامع المشترك بينها هو أنها دول شيعية، وإن تباينت في درجة التمسك بشيعيتها!

ومن هنا يجب أن تتسع دائرة الوعي بترسخ العدوان الإيراني تجاه الجزيرة العربية واليمن في وجدان الساسة الإيرانيين بمختلف مدارسهم وتوجهاتهم.

وهذا يشمل أيضاً المعارضة الإيرانية سواء الإصلاحيين في الداخل، أو مجاهدي خلق واللوبي الإيراني في أمريكا، فكلهم يتبنون نظرة عدائية للجزيرة العربية، باعتبارها أملاكا خارجة عن الطاعة!!

وللبرهنة على قدم العدوان الإيراني بالطمع بالجزيرة العربية قبل جمهورية الملالي نذكر بعض الأمثلة:

– سنة 1887م أيام القاجاريين، طالبت فارس بالجزر الثلاث (أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى)، وهي السنة التي احتلت فيها فارس إمارة لنجة العربية على الشاطئ المقابل!([3]).
– جددت إيران مطالبها بالبحرين سنة 1905م([4]).
– اعترضت إيران سنة 1927م على عقد اتفاقية جدة بين الملك عبد العزيز وبريطانيا، لأنها تبطل مزاعمها بحكم الجزيرة العربية!([5]).
– وصّى رضا بهلوي ابنه الشاه محمد الذي تولى الحكم خلفاً له سنة 1941م أن يكمل مشواره في تحرير الضفة الأخرى الغربية من الخليج، كما حرر هو الشاطئ الشرقي منه!([6]).
– في سنة 1948م طالبت إيران بجزيرة فارسي وعربي، وفي النهاية أخذت إيران جزيرة فارسي، والسعودية جزيرة عربي([7]).
– عارضت إيران الشاه سنة 1953م حضورَ أميري الكويت والبحرين حفل تتويج الملك فيصل الثاني على العراق، باعتبار أنهما تابعتان لإيران، ولا يجوز حضورهما في وجود ممثل إيران الذي يمثلهما!([8]).
– طالبت إيران سنة 1961م بالسيطرة على مشيخات الخليج ولو سيطرة رمزية، لأنها ضعيفة لا تستطيع الدفاع عن نفسها!([9]).
– عارضت إيران سنة 1965م، نية الامارات سكّ عملة خاصة بها!([10]).

أما في مرحلة جمهورية الملالي، فقد تجددت التهديدات بهدم الدول الخليجية وغيرها وإلحاقها بإيران، منذ بدايتها وحتى اليوم.

الخلاصة:

الهيمنة والسيطرة المطلقة على الجزيرة العربية هما هدف وغاية الأنظمة الإيرانية منذ القديم، وهذه الأطماع الإيرانية في الجزيرة العربية لم تكن وليدة هذه الحقبة، بل قديمة العهد وترجع للقرن الثامن عشر([11]).

الأطماع الإيرانية ليست مرتبطة بشخصية الشاه، فحتى حكومة مصدق جددت الادعاءات الإيرانية في البحرين، فهي سياسة إيرانية تقليدية([12]).

“هناك سمة ثابتة في سياسة إيران الإقليمية تجاه دول الجوار الجغرافي منذ عهد الشاه محمد رضا بهلوي وحتى وقتنا الحاضر، وهذه السمة هي أن إيران تحاول أن يكون لها دور إقليمي مميز. وأن تعطي نفسها مكانة الزعامة على دول الإقليم، وبخاصة منطقة الخليج العربي حيث تجد إيران أن دوراً إقليمياً مميزاً ومكانة إقليمية تتبوأ من خلالها مركز الصدارة، هو الذي يحقق لها أهدافها ومصالحها، وهذا الأمر جعل مصالحها وأهدافها تتعارض مع مصالح وأهداف الدول المجاورة وبخاصة العربية، مما دفعها إلى اتباع سياسة معادية ومؤذية تجاه هذه الدول وبخاصة العربية”([13]).

ثانياً: الأدوات والوسائل المستخدمة في تنفيذ العدوان الإيراني عبر محطاته المتنوعة

تكاد الأدوات والوسائل التي استخدمها العدوان الإيراني تكون ثابتة، ولكن تستفيد من تطور هذه الأدوات والأساليب مع الزمن، وهي:

أ‌- في عصر الدولتين القاجارية والبهلوية:

1- تهجير وتوطين إيرانيين في الجزيرة العربية، مع الحرص على عدم ذوبانهم في المحيط العربي.

والوجود الإيراني في الجزيرة العربية أصبح مقلقاً للساسة، ومصدر تهديد أمني كبير، وتشير بعض الإحصاءات للنسب التالية: قطر 21.6%، الإمارات 10.7%، الكويت 7.8%، السعودية 0.5%، عُمان 0.3%([14]).

وهذا التوطين للإيرانيين وصل لحد التجنس بجنسية الدول الخليجية وتسلم أعلى المراكز والمناصب، أو الاستقرار هناك مع بقائهم على الجنسية الإيرانية، لكنهه يصبحون من قادة المجتمع بمكانتهم الدينية أو التجارية، وكلا الجهتين تحرصان على خدمة العدوان الإيراني من موقعها.

وهناك قسم ثالث خطير وهم الذين تسللوا لدول الخليج بشكل غير رسمي وبأعداد ضخمة، ثم يقوم القسمان السابقان بترتيب أوضاعهما، وغالبا يكونون ممن تلقوا تدريبات عسكرية في الخدمة العسكرية الإجبارية، أو هم على صلة بالأجهزة العسكرية الإيرانية، وهم نوعية ممتازة للخلايا النائمة([15]).

وقد أعادت التركيز على استثمار المهاجرين الإيرانيين لصالح العدوان الإيراني الخطة الخمسينية لنظام الملالي([16]).

وقد رأينا التأثير البالغ لأمثال هؤلاء في التلاعب بأمن واستقرار دول الخليج، ومن أمثلة ذلك: المدعو محمود حيدر في الكويت، فمِن مهاجر إيراني يشغل وظيفة مراسل، إلى متجنس لا يحسن النطق بالعربية ويملك إمبراطورية مالية وإعلامية تتلاعب بأمن الكويت!

ويحرص فيه هؤلاء على البقاء محتفظين باللغة الفارسية والعادات والتقاليد الإيرانية، من خلال الصلة والزيارة الدائمة لإيران، ومن خلال إنشاء المدارس الخاصة بهم من تبرعات أغنيائهم، ففي البحرين أنشأ التجار الإيرانيون مدرسة خاصة بهم سنة 1913م، ثم دعمتها الحكومة الإيرانية سنة 1923([17])، لكنهم مؤخرا أصبحوا يطالبون الحكومات المحلية بالقيام بذلك باعتبارهم مواطنين في الدولة!

المهم: هل توجد لدينا دراسات عن هؤلاء المهاجرين: نسبتهم؟ تغلغلهم؟ دورهم؟ تأثيرهم؟؟؟؟

والمفارقة أن الإيرانيين الشيعة بقوا على صلة بإيران ويخدمون مصالحها ويخوّنون الدول التي يعيشون فيها أو تجنسوا بجنسياتها، ويحصلون على مزايا ضخمة، بينما الإيرانيون السنة الذين هربوا في عدة موجات من عدوان الدول الإيرانية كثير منهم لا يحصل على تلك المزايا برغم ولائهم لهذه الدول!

2- المدخل الاقتصادي، بشقيه:

– المساعدات والتنمية: فقد أقامت إيران منذ الخمسينيات من القرن الماضي مستوصفات طبية في عجمان ودبي تعالج وتمنح الأدوية مجاناً، وعرضت بناء المدارس والمستشفيات([18]).

وهو الأسلوب الذي يمارسه نظام الملالي حالياً مع اليمن، فعبر بناء المستشفيات والمراكز الثقافية يتم صناعة خلايا (نائمة / فاعلة) للعدوان الإيراني([19]).

– التجارة: فقد حرصت إيران منذ الدولة القاجارية على إقامة علاقات تجارية مع الخليج، وهذا واضح في حالة دبي والإمارات والبحرين، ثم الكويت وقطر والسعودية.

وحرصاً من الشاه على تفعيل هذه الأداة قامت وزارة الاقتصاد الإيرانية سنة 1962م على إنشاء إدارة خاصة لتجارة الخليج، وقد انزعجت إيران جداً من نية حاكم الإمارات بتخصيص نسبة مئوية من عائدات النفط للتنمية، لأنها كانت تطمح لبقاء تبعية الإمارات لها من خلال المساعدات والتنمية والتجارة، وبين عامي 1966- 1967م بلغت استثمارات إيران الصناعية في الإمارات 150 مليون دولار([20]).

واليوم تبلغ استثمارات إيران في اليمن أكثر من 300 مليون دولار([21])، والتجارة عند إيران ليست علاقة بين تجار، بل جزء كبير من تجارة إيران يعود في الحقيقة للحرس الثوري الإيراني، سواء عبر الشركات الإيرانية في إيران، أو في الدول الأخرى.

الخلاصة: يقول تقرير صادر عن مركز دراسات تابع لوزارة الخارجية الإيرانية: “إن علينا استغلال الأزمة الاقتصادية التي تعيشها مصر والأردن وتركيا وباكستان والسودان، لتحويلها إلى ثورة سياسية واجتماعية ضد الأنظمة الحاكمة في هذه الدول”([22]).

ب – في عصر الجمهورية الإسلامية، نظام الملالي:

من السمات المهمة في هذه المرحلة صعود العامل الطائفي الشيعي في قيادة العدوان وإعطاؤه غطاء دينيا، بأنه ممهد لظهور دولة المهدي إمام الزمان، وإدخال عنصر نشر التشيع في المنطقة وعدم الاقتصار على تفعيل الشيعة المهاجرين والمواطنين فقط.

1-مرحلة تصدير الثورة

عقب سقوط الشاه وتولي الخميني مقاليد الحكم في إيران، أعلن الخميني عن تبنيه سياسة تصدير الثورة، والتي تقوم على تحطيم الدول المجاورة وخاصة بلدان الخليج وإخضاعها لسلطة الولي الفقيه بالقوة، ففي الذكرى السنوية لانتصار الثورة في 11/2/1980م صرح الخميني: (إننا نعمل على تصدير ثورتنا إلى مختلف أنحاء العالم)([23]).

فشهدنا محاولة انقلاب في البحرين سنة 1981م، وتفجيرات ومحاولة اغتيال أمير الكويت في سنتي 1984-1985م، ثم تفجيرات الشيعة ضد الحجاج في مكة سنوات 1986، 1987، 1989م.

استخدمت إيران في هذه المرحلة عددا من الأدوات، منها:

1- تنشيط الخلايا النائمة من المهاجرين الإيرانيين الشرعيين وغير الشرعيين، ومن المواطنين الشيعة الموالين لإيران والخميني، والذين شاركوا في سلسلة التفجيرات والانقلابات السابق ذكرها.

ولا تزال الأيام تكشف توسع قاعدة هذه الخلايا النائمة، كما ظهر من كشف خلية حزب الله بالكويت والبحرين مؤخراً سنة 2015.

2- العمل على استقطاب التجمعات الشيعية في الخليج لصالح إيران الملالي، وتجسد هذا في موقفهم الداعم لإيران في حربها مع العراق.

واليوم أصبح ولاء هؤلاء المواطنين الشيعة لإيران علنا على حساب ولائهم لبلدانهم، وقد طالب الخميني شيعةَ السعودية عام 1979م بالثورة على النظام السعودي، ومن يومها لم تقم ثورة لكن لم تتوقف العمليات المسلحة المتمردة للآن ضد النظام! وكذلك في البحرين كما تجسد في أحداث دوار اللؤلؤة وفي الكويت بشكل أقل إجراماً.

3- اختراق المجتمعات الخليجية واليمنية من خلال الحركات الإسلامية وخاصة جماعة الإخوان المسلمين والمستقلين وعامة الناس، حيث باركت قيادة الإخوان للخميني بالثورة وتبنت التقريب بين الشيعة والسنة، وفي إعلان تراجع الشيخ القرضاوي والدكتور النفيسي بكل شجاعة وقوة عن هذا التأييد قبل سنوات معدودة مثال لعمق هذا الاختراق، وتعاظم الحوثيين في اليمن من جماعة هامشية إلى جماعة تخطف اليمن مثال آخر على اختراق هذه المجتمعات.

نتج عن هذا كله وجود تعاطف سني مع إيران وحاضنة اجتماعية شيعية للأطماع الإيرانية في الخليج، مع حالة خوف من إيران لدى الأنظمة والشعوب.

2-مرحلة ما بعد الخميني “الخطة الخمسينية”:

عقب هزيمة إيران في حربها مع العراق وتجرّع الخميني للسم بتوقيعه أمر إيقاف الحرب، وعقب وفاته كانت إيران في وضع حرج جداً، ولذلك قادها رفسنجاني بواقعية للحفاظ عليها، وتم استبدال تصدير الثورة العسكرية بتصدير الثورة الثقافية، كما ينص على ذلك كتاب “تصدير الثورة كما يراه الخميني” والذي يقول: المطلوب هو (تصدير المعنويات التي وجدت في إيران) (فنحن لا نريد أن نشهر سيفا أو بندقية ونحمل على الآخرين) (نتطلع إلى تصدير ثورتنا الثقافية)([24]).

وأما عن وسيلة ذلك فيصرح الكتاب بأنها (عن طريق الإعلام والتبليغ)، و(في حدود قدراتنا الإعلامية وعن طريق ما بحوزتنا من وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة وكذلك من خلال الوفود التي تبعث إلى الخارج)([25]).

أما عن منفذي تصدير الثورة الثقافية فهم (العاملون في السفارات) و(مجلات الطلبة في الخارج) و(الاتحادات الإسلامية في الخارج) و(الزيارات الشعبية) و(الحجاج الإيرانيون)([26]).

ورافق ذلك اعتماد الخطة السرية الخمسينية([27])، التي ارتكزت على تحسين العلاقات مع الآخرين لمزيد من التغلغل، وتوطين مزيد من العملاء/المهاجرين الإيرانيين المختارين والمدربين، والعمل على الوقيعة بين شباب وعلماء أهل السنة وحكامهم، كمرحلة أولى لزعزعة الحكم ونفض الحاضنة الشعبية السنية عنه، يجب استغلال القانون والسلطة والتعاون معها وليس الصدام، فالعامة تبع للقوة السياسية أو الاقتصادية أو الإعلامية ويجب العمل على امتلاكها، ولذلك يجب أن نسيطر على اقتصاد هذه الدول عبر عملائنا([28]).

وفعلاً من يتتبع مرحلة التسعينيات من القرن الماضي سيجد أن فترة الرئيس محمد خاتمي شهدت انفتاحا اقتصاديا وسياسيا خليجيا على إيران، وارتفعت أسهم الشيعة الخليجيين، وحصلت جفوة بين الحكام وشباب أهل السنة وبعض العلماء، ثم تفاقمت الفجوة، وتقرّب الشيعة من الحكام.

وفي مرحلة حكومة أحمدي نجاد تفاقمت الأمور:

فزاد النشاط الشيعي بين شيعة الخليج واليمن، وزادت الفضائيات الشيعية الدعوية، وتنامت قوة الشيعة وعملاء إيران في دول الخليج واليمن.

وكان التركيز على تفعيل أدوات القوة الناعمة الإيرانية في الخليج، فزاد عدد النواب الشيعة في برلماني الكويت والبحرين، وتضخمت مطالب المؤسسات الشيعية في المنطقة، وظهرت العديد من المؤسسات الإعلامية والسياسية الشيعية، وبرز الكثير من الرموز الشيعية إعلاميا وسياسيا.

ومن يتأمل في تصريح خامنئي: “وسائل الإعلام في هذا العصر لها قدرة تدميرية تعادل القنبلة الذرية”([29])، يدرك مدى مركزية الإعلام وبقية أدوات القوة الناعمة في العدوان الإيراني.

ولعل في رسالة بدر الدين الحوثي لجواد الشهرستاني – صهر وابن شقيق المرجع الشيعي السيستاني- مثال واضح وصريح حول إلي أي مدى وصلت السيطرة الشيعية على بعض دول الجزيرة واليمن عبر الوسائل الناعمة[30]: “لدينا معرفة كاملة بما يدور في دهاليز النظام الحاكم؛ نظرًا لوجود عناصر أمنية مسئولة في السلطة قريبة من أعضاء الحركة، ونحن نعرف خصومنا من كبار المسئولين، وهم لا يعرفون أن لدينا خمسة من الوزراء بين مؤيدين ومناصرين لحركتنا، مع وجود أربعة محافظين من الأتباع، أو يضمرون الشر للحكم الظالم جهارًا نهارًا، ويعملون على دعم الشباب المؤمن دون خوف” (26).

وحول فعالية أساليب هذه الحرب الناعمة يقول صاحب كتاب “التمكين الشيعي، استراتيجيات تمكين الشيعة وتعزيز أوضاعهم في العالم”: إن التجارب أثبتت أن توظيف تلك الأدوات والوسائل المعولمة يؤدي إلى نتائج إيجابية لصالح الشيعة حتى ولو بشكل جزئي أو محدود الأثر”([31]).

وأصبح الحضور الشيعي الديني بارزاً ويسعى لأخذ أكبر من حجمه، ولا يخجل من التصريح بتأييد مطالب إيران المناقضة للمصالح الوطنية للدول التي ينتمون إليها!

نمر النمر في السعودية يطالب بالانفصال.

في الكويت يحتفلون بعماد مغنية الذي حاول اغتيال أمير الكويت.

في البحرين حاولوا الانقلاب في أحداث الدوار.

في اليمن حروب طائفية متعددة.

أيضاً في هذه المرحلة تم تفعيل الحج بطريقة مختلفة، فبدلاً من مسيرات البراءة من المشركين والتفجيرات، أصبح موسم الحج وعلى أرض التوحيد فرصة ومعسكرا للنشاط الشيعي حيث يتم علناً الاجتماع بين قادة إيران وشيعة السعودية وبقية دول العالم وتنسيق العمل! وأيضاً هناك خطة مكتوبة توزع على الإيرانيين لنشر التشيع بين الحجاج وخاصة البسطاء وغير العرب([32])!

بل وصل الحد بالإيرانيين أنهم احتجوا رسمياً -وعلى أعلى المستويات- على بعض الجهات التي تقوم بالدعوة إلى التوحيد باللغة الفارسية، فصدر قرار أن لا تستهدف تجمعات الإيرانيين بالدعوة، ولكن من جاء منهم لمراكز الدعوة بنفسه يتم إهداؤه المطبوعات ويرشد!

والسؤال: هل يتم بالمقابل استغلال فرصة الحج لتحصين هؤلاء الحجاج من المخطط الإيراني الشيعي، الذي لو نفذ لوفر على الأمة جهودا عظيمة جداً وبكلفة بسيطة جداً؟!

الخلاصة

كانت النتيجة تعمق النفوذ الإيراني في دول الخليج واليمن، وزيادة كفاءة التجمعات الشيعية في مجالات السياسة والاقتصاد والإعلام والحقوق، وصناعة كوادر مجهزة وبأعداد كافية، مع دخول الشيعة في تحالف مع الأنظمة القائمة!

في مقابل ذلك تشتت الجهود السنية واعتمدت على البعد الديني غالباً، وكان الشيعة جاهزين لإطلاق تهمة الطائفية على أهل السنة!!

سؤال: هل يمكن مقارنة مؤسسات الشيعة وكوادرهم بمؤسسات السنة وكوادرهم؟

هل تتوفر دراسة أو رصد لهذه المؤسسات الشيعية وكوادرها؟

وعقب مرحلة الثورات العربية لجأت إيران للاعتماد على التيار اليساري والناصري بأحزابه وشخصياته ومنابره الإعلامية في الترويج لها وتنفيذ أجندتها، وذلك بعد الفجوة نوعاً ما بين إيران وجماعة الإخوان المسلمين.

ثالثاً: المداخل التي يَعبر منها العدوان الإيراني وتمكنه من تنفيذ مخططه

نقصد بالمداخل: الثغرات التي ما كان يجب أن تكون مفتوحة لعدوان إيران أو التي تسلل منها الإيرانيون وحلفاؤهم في غفلة من الوعي، ويمكن أن نعدد المداخل التالية التي استفادت منها إيران في تنفيذ عدوانها:

1- الحركات الإسلامية والشخصيات المستقلة التي رحبت بالثورة الخمينية والتقريب بين السنة والشيعة، فهذه القوى قاومت بضراوة أي جهد تحذيري من الشيعة والثورة الخمينية والأطماع الإيرانية، مما سهل استفحال المشكلة لحد كبير، وحين استفاق كثير من هذه الحركات والشخصيات للخطر الإيراني إلا أنها حاولت تبرير ذلك أو نفي الحقيقة وقصرت في المقاومة للخطر الذي رسخته!

ومن هنا فإن علاج هذا المدخل يكون بالضغط على هذه الحركات والشخصيات لإبداء مواقف صريحة وواضحة وعلنية من خطر العدوان الإيراني وإشراكهم في برامج عملية علنية تقاوم العدوان الإيراني، والتنديد بأي تقاعس في ذلك أو تبرير تقصير أي جهة تماثلهم ولو في دول أخرى.

2- اقتصار المقاومة السلفية للعدوان الإيراني على الجانب الشرعي، فرغم أسبقية الوعي بالخطر الإيراني والشيعي، إلا أن أغلب جهودهم انحصرت في جانب رد الشبهات ومقاومة التبشير الشيعي العقدي.

وفي تلك الأثناء كانت إيران ماضية في التغلغل في مفاصل الدول من الداخل وإحكام شباكها من الخارج، فاستفاق السلفيون والعامة على الشيعة وهم ممسكون بزمام الأمور في كثير من البلاد باسم القانون وعبر مؤسسات الدولة، وإيران تدعمهم بنفوذها من الخارج!

هل يمكن طرح أسماء سلفية خليجية ويمنية تتولى المدافعة السياسية والإعلامية باحتراف؟

ما هي المؤسسات السلفية السياسية والحقوقية والإعلامية التي تتصدى للعدوان الإيراني بشكل مرخص وعلني وفي إطار القانون في دول الخليج واليمن؟

3- اختراق إيران لجماعات القتال والعنف، حيث نجحت إيران في جرّ بعض المجموعات في الخليج واليمن([33]) للصدام مع الدولة والمجتمع بحسب ما نصت عليه الخطة الخمسينية، وقد كان الاختراق فكرياً في بعض جوانبه، وبالتمويل والدعم والتدريب، وبتوجيه من بعض القيادات لهم التي كانت في قبضة إيران، واليوم نشاهد (داعش) تنفذ تفجيرات في السعودية والكويت بدعم إيراني وشيعي لمصلحة ضرب عاصفة الحزم وإيقاف الدعم عن الثورة السورية.

4- عدم وعي الحكومات الخليجية واليمنية بخطر العدوان الإيراني وخطواته

للأسف تعاملت الأنظمة الخليجية واليمنية مع المخطط الإيراني بعقلية الموظف ذي الخلفية العلمانية والليبرالية في مواجهة العقلية الإيرانية الدينية والطائفية والأيدلوجية، فكانت الغلبة لإيران!

فمثلا تصريح الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع سنة 1999م أن قوة إيران هي قوة للمسلمين!([34]) مثال للسياسة غير السليمة تجاه إيران، التي تتلاعب بساسة دول الخليج، ففرقتهم وشتت موقفهم تجاه عدوانها من خلال استغلال ظرف كل دولة على حدة، فالكويت استمالتها من جهة غزو العراق لها، وقطر من باب حقل الغاز المشترك، والإمارات من خلال التجارة المشتركة بالمليارات، وعُمان من باب أمن مضيق هرمز والاستثمارات الإيرانية، واليمن من خلال المساعدات والدعم، وهكذا.

وحتى في موضوع الأمن القومي للخليج واحتلال إيران لجزر الإمارات الثلاث تمكنت إيران من تفتيت موقف دول الخليج، وكذلك من انقلاب الحوثيين في اليمن، تمكنت إيران من تخفيف درجة مشاركة بعض الدول في عاصفة الحزم.

وعلى الصعيد الداخلي استغلت إيران حالة الانفتاح والتواصل فعززت من وضع أتباعها وحلفائها، وتمكنت من تحجيم خصومها، ولعل أشهر حادثة لذلك هي معاقبة الشيخ الحذيفي على تصديه لعدوان رفسنجاني في المسجد النبوي، فضلاً عن منع ومطاردة كثير ممّن يتعرض للشيعة بشكل علني في دول الخليج باسم عدم إثارة الطائفية والنعرات.

وما لم تتبدل عقلية رجال الدولة في النظر للعدوان الإيراني وإدخال البعد الديني والعقدي والطائفي فيه فستبقى نظرتهم قاصرة، قد تصد بعض الاختراقات الأمنية المباشرة، لكنها ستفسح المجال لترسخ الولاء الطائفي لإيران بين شعبها من الشيعة والسنة، مما يمهد لانقلاب قادم بعُد الزمان أو قرب!

رابعاً: الوسائل والسبل المطلوبة لوقف العدوان الإيراني

الغاية التي نريد الوصول إليها هي وقف توسع هذا العدوان أولاً، ثم تقويضه، ثم الوقاية منه مستقبلاً بالعمل الاستباقي والوقائي بنقل الصراع لملعبه.

ولذلك بدايةً نحتاج الوعي الصحيح والشامل بالعدوان الإيراني، وهذا يحتاج إلى:

– الإسراع في جمع شتات الخبراء والمختصين بالعدوان الإيراني من مختلف جوانبه في مركز استراتيجي، يدير الصراع مع العدوان الإيراني، وقد حاولت هيئة السنة العالمية إقامة هذا المركز لكن غياب الإرادة الفاعلة والدعم المالي جعل الفكرة معلقة في الهواء للآن.
– تكوين مطبخ إعلامي ينسق بين المنابر الإعلامية القائمة مع احتفاظ كل منها بخصوصيته، لكنه يقدم الأفكار والاقتراحات ويطلق الشعارات وينتهز الفرص ويوحد معالم الخطاب الإعلامي ويوسع دائرة الخطاب من الخطاب الشرعي للخطاب الفكري والسياسي والأمني لكسب شرائح جديدة، ويعمل عل تفعيل وتطوير ورفع كفاءة ومساحة العمل الإعلامي المقاوم للعدوان.
– عمل برامج تأهيل للنخب السياسية السنية الملتزمة في موضوع العدوان الإيراني لتتفوق على النخب الإيرانية والموالية لها، بطرح قوي وعلمي ولغة سياسية راقية تتجنب الاتهامات الطائفية المعلبة وتكسب الفرقاء السياسيين الذين بين المعسكرين وتتواصل بذكاء مع السلطات.
– تفعيل العمل الحقوقي والقانوني في محاربة العدوان، والانتقال لمرحلة الهجوم والرصد والملاحقة لكل الخروقات في هذا الباب على ساحة الجزيرة واليمن وعلى الساحة العالمية.
– الوصول لرؤية شرعية وسياسية للعدوان الإيراني ومنطلقاته تكون محل اتفاق بين كل فصائل التيار الإسلامي، لقطع الطريق على أي تسلل إيراني من خلال التيار الديني.
– فضح الإرهاب الإيراني بتلاعبه ببعض المجموعات والجماعات المقاتلة وعلى رأسها داعش، لوقاية مجتمعاتنا وأبنائنا من شرورها وخدمتها للمشروع الإيراني.
– العمل على إنهاء حالة الشك والقطيعة بين الأنظمة والتيار الإسلامي بالاتفاق على مقاومة العدوان الإيراني وأسس التعاون والتعامل السياسي، بحيث نتجنب القطيعة والعداء ولو اختلفت المواقف والآراء.
——-

[1] – العلاقات السعودية الإيرانية 1982- 1997، د. عصام السيد عبد الحميد، عين للدراسات والبحوث، القاهرة، ط1، 2006، ص 33.

[2] – محركات السياسة الفارسية في منطقة الخليج العربي، عادل عبدالله، مركز التنوير للدراسات والبحوث، القاهرة، ط1، 2009، ص 9.

[3] – التطلعات الإيرانية في الخليج العربي، إيمان المطيري، مكتبة آفاق، الكويت، ط2، 2013، ص 40.

[4] – المصدر السابق، ص 39.

[5] – العلاقات السعودية الإيرانية وأثرها في دول الخليج 1951- 1981، د عبد الحكيم عامر الطحاوي، مكتبة العبيكان، ط1، 2004، ص 26.

[6] – التطلعات الإيرانية في الخليج، ص 33.

[7] – المصدر السابق، ص 53.

[8] – المصدر السابق، ص 35.

[9] – المصدر السابق، 28.

[10] – المصدر السابق، ص 70.

[11] – المصدر السابق، ص 151.

[12] – العلاقات السعودية الإيرانية، الطحاوي، ص 75.

[13] – سياسة إيران تجاه دول الجوار، د ضاري سرحان الحمداني، العربي للنشر، القاهرة، ط1، 2012، ص 5.

[14] – سياسة إيران، ص 223، نقلا عن د. بهاء بدري وحسين العزاوي، دور إيران في التأثير على جيوبولتيكية منطقة الخليج. وأيضا التطلعات الإيرانية في الخليج، ص 74.

[15] – التطلعات الإيرانية في الخليج، ص 72.

[16]- المشكلة الشيعية، أسامة شحادة، موقع الراصد ط1، 2008، ص 272، الخطة الخمسينية السرية لآيات قم وانعكاساتها على واقع مملكة البحرين، د. هادف الشمري، ط2، ص 28.

[17] – التطلعات الإيرانية في الخليج، ص 63.

[18] – المصدر السابق، ص 67.

[19] – الموسوعة الشاملة: التجمعات الشيعية في الجزيرة العربية، أسامة شحادة وهيثم الكسواني، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1 سنة 2008، ص 165.

[20] – التطلعات الإيرانية في الخليج، ص 69.

[21] – سياسة إيران، ص 104.

[22] – المصدر السابق، ص 230.

[23] – تصدير الثورة كما يراه الإمام الخميني، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الخميني، طهران، ط1، سنة 1997، ص 39.

[27] – نشرت بداية في مجلة البيان ثم طبعت مستقلة، بإشراف أبي المنتصر البلوشي.

[28] – أضواء على الخطة السرية، أسامة شحادة، موقع البرهان.

[29] – تقرير منشور في الإنترنت بعنوان “رؤية الإمام الخامنئي نحو الحرب الناعمة”.

[30] – الحوثي في اليمن الأطماع المذهبية في ظل التحولات الدولية، مجموعة من الباحثين، مركز الجزيرة العربية، صنعاء، ص152-153.

[31] – تمكين الشيعة، صادق جعفر، منشورات الرضا، ط1، 2015، ص 136.

[33] – إيران والحوثيون، أحمد أمين شجاع، مركز البيان، ط 1 سنة 1434هـ، ص 185.

[34] – كتاب ندوة نحو آفاق جديدة للعلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية جامعة الكويت، ط1، سنة 2000، ج1 ص 104.

القادسية٣

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: