10 copie

” دعكم من سفاسف الأمور..تونس تكاد تضيع ” … بقلم الأستاذ رضا بالحاج

قال الرئيس الباجي قائد السبسي لإحدى وسائل الإعلام الأجنبية مبررا الفشل في التصدي للعملية الإرهابية في سوسة “كنا ننتظرهم في جويليا ففاجؤونا في جوان”.. هكذا..نعم هكذا!! و قال من قبله رئيس الحكومة الحبيب الصيد مبررا فشلا سابقا “ساعة القضاء ليها غفلة” و عند اقتحام السفارة الأمريكية قال وزير الداخلية الأسبق علي العريض “اعترضناهم من الأمام فجاؤوا من الخلف” و قال السيد رشيد عمار رئيس الأركان الأسبق “تونس ترابها سخون و محمية بالأولياء الصالحين” هكذا..نعم..هكذا!! و يعجب المرء كيف يسمح أي مسؤول لنفسه بمثل هذه التصريحات التي تحط من الهيبة و تنم عن ضعف و هزال في السياسة (دز تخطف).. و هذه المواقف -و غيرها كثير- الموغلة في الضعف و الإسفاف تجعلنا نسأل ما هي المؤهلات التي كسبها هؤلاء السياسيون؟ و هل بمقدورهم فعلا التسيير و القيادة؟
الأصل في السياسي أن يتحمل أمانة مبدأ الأمة أي الإسلام العظيم و يتحمل أمانة الأمة التي أعطتنا كينونتنا الحضارية و يتحمل أمانة البلد الذي يتركز فيه الحكم و لكننا نرى اليوم خلاف ذلك، نرى مجرد تصريحات لسد الشغور و رد الفعل و التنصل من المسؤولية.. كيف لا و أغلب السياسيين الذين يصلون للحكم أو يؤهلون له ليسوا من نبت هذه الأمة الطبيعي و ولاءاتهم للأجنبي مكشوفة و هم مسكونون بهزيمة نفسية لا حدود لها.. مثلا، الجميع يعرف أن بن علي كل تاريخه العسكري و السياسي هو تاريخ مخابراتي مع الأجنبي: اقترحه القذافي وزيرا للداخلية منذ 1974 و كان حينها مغمورا.. و تورط في أحداث قفصة الانقلابية 1980.. و هو عميل قديم للموساد الإسرائيلي و قد ثبت ذلك و تأكد بعد الثورة و رغم كل هذا تولّى قرابة ربع قرن الحكم في تونس و قرر مصيرها.. و الذي يؤكد أكثر إلى حد الصدمة هذا المستوى الضحل و النزول تحت خط السياسة هو خطاب رئيس الدولة 4/7/2015 لتبرير إعلانه حالة الطوارئ حيث أقر بالفشل و العجز و جعل انهيار الدولة رهين عملية إرهابية أخرى و أخيرة فيكون بذلك قد طمأن الإرهابيين و أرعب الشعب.. و قال الرئيس:” لا نقدر على حماية تونس لوحدنا” فوضعها بين يدي و فكّي نوع جديد من الاستعمار، الله أعلم نوعه و مداه.. قال ذلك في خطاب توقّى فيه واحترز من الجميع: توقّى من الإسلام و أكد خلو الدستور منه مضمونا و مرجعا إذ اعتبر الإسلام خطرا على مدنية الدستور و الدولة.. و توقّى من الجارتين ليبيا و الجزائر.. و توقى من راية التوحيد و دلالاتها السياسية و توقّى من طالبي لقمة العيش الكريمة أي من المستضعفين المحرومين و في كلمة أعلن ضد جميع هذه “المخاطر” حالة الطوارئ.. أما الدول الغربية ذات التاريخ الإستعماري و الحاضر الإرهابي و التوحش العولمي على كيان الأمة و تونس التي استضعفوها و جعلوها مرتعا لمخابراتهم و مرتكزا لمشاريعهم.. أما هذه الدول فكانت محل إشادة و مدح في خطابه باعتبارها الملاذ و النجدة المحتملين في مقاومة الإرهاب و مقاومة كل تلك “المخاطر” الاجتماعية و الاقتصادية التي أشار إليها و أعلن ضدها حالة الطوارئ.
يعجب المرء كيف يتدنى مستوى السياسة إلى هذا الحد؟ و أين التقيد المبدئي و المنظور الاستراتيجي؟ فالدول تصنف أعداءها وفق ترتيب منهجي: الأعداء في المبدأ، الأعداء بمقياس التاريخ، الأعداء بمعيار الحضارة، الأعداء بمنظور المصالح.. أما الرؤوس الصغيرة و العناوين الصغيرة فمقدور عليها و تشملها ضمنيا الاستراتيجيا العليا و الكبرى للدولة و هي محل رعاية أو حل لا محل طوارئ.. و إن كان هناك مواضيع محلية صغرى فالخطر إن وجد يكون أساسا في سندها الخارجي لا في عمقها الشعبي الاجتماعي و الاقتصادي.. و لكن الإسفاف عم و طم و ألهى الناس بمظاهر المصيبة و أعراضها و رجعها و صداها لا بالمصيبة ذاتها.. فما قولكم في حكومات سخرت كل طاقات صراعها و شراسة حربها ضد مساجدها و ضد دلالات قرآنها و سنتها أي ضد عطاء الأمة الفكري و الفقهي و التشريعي.. تنكره فلا تزحزحه قيد أنملة.. و تحاربه فتلفت النظر إليه أكثر.. و تتعالى عليه فلا تقدم بديلا عنه إلاّ مهزلة ثقافية و سياسية فيزداد تشبث الناس به أكثر.
حزب التحرير اليوم غيَّرَ المعادلة و رفع الرؤوس و الهمم إلى معالي الأمور و تعاطى السياسة في خطها المتقدم بحرارة الرعاية و حرارة المسؤولية و بطاقة المبدأ و طاقة الأمة و بتحديات المرحلة و محاذيرها فأربك هذا الوسط السياسي المصطنع في أغلبه و الذي يقتات من العناوين الصغيرة و يلوك نفس الكلام و يتجرعه.. طرح الحزب التشريع الإسلامي بكل تفصيلاته و تفريعاته للإجابة على القضايا الحيوية في كيان الدولة و كيان المجتمع ضديدا و عن جدارة لكل أنواع التشريع التي أدت بنا إلى هذا الانحطاط و هذه الفوضى، و بهذا يكون قد قدم أفكار الإسلام نزيهة و حيوية.. نزيهة أي مقصودة لذاتها بلا غموض يحيط بها و لا ميوعة طرح تجعلها قابلة للتأويل و التطويع.. و حيوية أي مُنَزلة على شؤون الحياة الجارية.. و طرح الحزب مسألة استرداد ثروات البلد و الأمة لتكون بيد المسلمين و من ثم يكون قد رد و صد الاستعمار الاقتصادي علينا و يكون قد ضرب الغرب الإستعماري في المفصل بل في المقتل، و انظر كم يلزم لمثل هذا الأمر من همة عالية و قدرات كفاحية و ذكاء و خبرة لا يقدر عليها الكسلاء و الجبناء و الراضون بالجهد الأدنى و سفاسف الأمور.. و طرح الحزب وجوب رد الهجمة المتكالبة للحلف الأطلسي على تونس التي ستدخلها -لا قدر الله- في التزامات مرعبة على البلاد و العباد و المنطقة بأسرها.. و لم يخش الحزب في ذلك لومة لائم.. و طرح الحزب أيضا وجوب مسح أوكار المتآمرين و المتخابرين في البلد و عليه، و وجوب تفكيك أعشاشهم المحمية بقانون الجمعيات و شعار الانفتاح و التراخي الأمني و السياسي و هذه مهمات حين يتولاها الأمن و الجيش يكون قد اضطلع بأنبل المهمات و أشرفها.

هذا ما لا يريده و لا يستطيعه أصحاب الضحالة و العناوين الصغرى و فتات القضايا لتصبح بذلك خصومتهم مع المسجد و مع مدلول الآيات و الأحاديث و مع أبناء البلد الذين مهما كان تعثرهم و مهما كانت أخطاؤهم هم محل رعاية لا عقاب.. و أكبر دليل على هذا الإسفاف المخجل أن قرارات الحكومة إثر عملية سوسة الإرهابية هي قرارات طويلة عريضة و لكن لا أثر فيها حتى مجرد أثر للبحث في ردع التدخل الأجنبي و إمكانية التخابر مع الخارج و وكلائه في الداخل.. و لم تضع هذه القرارات حتى فرضية أن الغرب يشتغل على تونس ضمن مخطط استعماري جديد.. كأن الجميع حبيب لتونس يبادلها الود و النوايا الحسنة عدى قلة قليلة من الإرهابيين تكرههم كل الدول و الدولة في تونس بصدد القضاء عليهم نهائيا!!
دعوتنا صريحة إلى الإرتفاع بمستوى السياسة إلى أول مراتبها و أهمها أي رعاية شؤون البلاد و العباد رعاية دقيقة و بالإستناد الطبيعي للأمة و بأعلى درجات الوعي و التضحية لا النزول إلى هذه المهاترات و هذا الإسفاف و هذه الضحالة التي جعلتنا أضحوكة العالم و توشك أن تردينا المهالك و في أيدينا أقفال أبواب المساجد و كراس شروط لتمشيط الإسلام و تطويعه، الرسول صلى الله عليه و سلم لم ينشغل بمحاربة المنافقين مع علمه بنفاقهم و امتنع عن ذلك حتى لا يقول الأعداء “محمد يقتل أصحابه”.. فافهموا لعلكم ترحمون.
**************
ملاحظة هامة: يريدون إشغالنا بالدفاع عن حزب التحرير و عن اعتماده الإداري و بالرد على بعض المضايقات من هنا و هناك و إدخالنا في متاهة الردود على الشبهات و التهم لإلهائنا بأنفسنا و لكننا لن نفعل.. سنحدثكم عن كيفية منع انهيار تونس و الأمة على يد الضعفاء و العملاء و سنقدم المدونات التفصيلية لكيفية إدارة شؤون البلاد و إعادة توزيع ثرواتها بالعدل و القسطاس و سنكشف المؤامرات و نتبنى مصالح الناس.. و سنبين كيف نحمي البلاد و الأمة من الاستعمار الجديد و من الفوضى الخلاقة الأمريكية و كيف نقيم سويا الضديد لكل ذلك أي دولة الإسلام ذات المهابة و الجدارة بإذن الله.
الأستاذ رضا بالحاج
05/07/2015

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: