دقائق مع صهيب

دراسة سير الأعلام في التاريخ أمر ذو أهمية بالغة الأثر في تكامل الثقافة والإعداد من أجل أن يأخذ الفرد دوره الفعال في حياة الجماعة وبناء المجتمع ، ونحن أمة أكرمنا الله بأن كان أعلامنا صورة حية واقعية للمبادئ التي حملوها ، ولم يبخلوا بالعطاء في سبيلها ؛ فإذا قرأت سيرة واحد من هؤلاء وقعت على الأنموذج الذي تعتبر حياته إعلاناً أي إعلان ينادي في الناس أن الإسلام وطاقات الإنسان على سبيل سواء ، وأن أولئك الرجال الذين اختصهم التاريخ واستودع أيامهم صفحاته ، إنما بلغوا ما بلغوا ، بحرصهم على الوفاء بموثقهم من الإسلام ، وإقدامهم حيث يتعين الإقدام ـ وصبرهم على مستلزمات العقيدة حيث لا يصبر إلا أقوياء الإيمان ـ فلا المال ولا الولد ولا حب الحياة بصارف عن هذا الذي هو إقدام ، ولا بمثبط عن ذاك الذي هو صبر وعطاء .

والحقيقة التي لا يسع منصفاً جهلها أو تجاهلها ، أن المسلمين الأوائل كانوا أقدر على نشر الإسلام في الجزيرة العربية ، ثم في تميزها من بقاع الأرض بذلك السلوك الفريد الذي كان ترجمان القرآن الذي حملوه إلى الناس ، وكان التعبير الفطري الميسر عن منهجهم في التفكير والطريقة التي تحكم سلوكهم تجاه أنفسهم وتجاه من يدعونهم إلى الإسلام .

وما أحسب أن واقعة من الوقائع التي يصنعها المرء بسلوكه وعطائه يمكن أن تبتلعها الأيام فلا تعطي عطاءها على ساحة البناء أو يندرس أثرها في التاريخ ؛ فالأجيال المتلاحقة تفيد وما تزال بحاجة إلى أن تفيد أكثر وأكثر من العمل القدوة الذي يصنعه الوعي الإنساني بوصفه إنساناً ، ويأخذ أبعاده بعمق وشمول منسقين مع العقيدة التي يحملها ، والفكر الذي يدعو غليه .

واليوم وقد كثرت المعوقات والمثبطات ، تبدو ضرورة ملحةً دراسة تلك النماذج بأصالة وعمق ، من أجل أن يكون ذلك عوناً للفرد على الإسهام الإيجابي النافع في كل ما هو خير لمجتمعه وأمته .

وعلى هذه الطريق المشرقة النيرة نحن على موعد مع قبسات من حياة واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذلك هو صهيب بن سنان الرومي .. ويقال : خالد بن عمرو بن عقيل . وأمه من بني مالك بن عمرو بن تميم ، ولقد ثبت أنه ليس برومي ، ولكن قيل له ذلك لأن الروم سبوه صغيراً ، رحمه الله ورضي عنه .

ويقول ابن سعد في (الطبقات) : كان أبوه وعمه على الأُبُلّة من جهة كسرى ، وكانت منازلهم على دجلة من جهة الموصل ، فنشأ صهيب بالروم فصار ألكن ، ثم اشتراه رجل من كلب فباعه بمكة فاشتراه عبد الله بن جدعان التميمي فأعتقه ، على أنه هو في حديث له مع عمر بن الخطاب قال عن نفسه : وأما انتمائي إلى العرب ؛ فإن الروم سبتني صغيراً ، فأخذت لسانهم . روى ذلك البغوي من طريق زيد بن أسلم عرابيه .

ولقد كان صهيب من السابقين إلى الإسلام والإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام ، فهو واحد من سبعة هم أول من أظهر إسلامه .

ولم تمر إسلامه دون أن يدفع ثمنها غالياً ، ولكن ما عند الله خير وأبقى لأولئك الذين صبروا على ظلم قريش وأذاها عندما آووا إلى دعوة الإسلام . جاء في صحيح الأخبار أن عمار بن ياسر كان يعذب حتى لا يدري ما يقول ، وكذا صهيب ، وعامر بن فهيرة وقوم ، وفيهم نزل قوله تعالى في سورة النحل : [ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ، ثم جاهدوا وصبروا ، إن ربك من بعدها لغفور رحيم] .

أجل : لقد كان صهيب من المستضعفين ممن يعذب في الله ، فما غيّر ولا بدل ، بل صدق ما عاهد الله عليه ، وصبر وصابر، وقد هاجر إلى المدينة مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه في آخر من هاجر في تلك السنة ، فقدما في نصف ربيع الأول ، وشهد بدراً والمشاهد بعدها .

ومن كريم مواقفه في البذل ، والشجاعة في مواجهة الباطل وأهله ما روي أنه لما هاجر، تبعه نفر من المشركين ، فسئل فقال : يا معشر قريش ، إني من أرماكم ، ولا تصلون إليّ حتى أرميكم بكل سهم معي ، ثم أضربكم بسيفي ، فإن كنتم تريدون ما لي دللتكم عليه ، فرضوا ، فعاهدهم ودلهم ، فرجعوا فأخذوا ماله ، فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ربح البيع ، فأنزل الله عز وجل : [ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد] .

لقد كان رحمه الله شجاعاً صادق التوكل حين لم يخفه تهديد هؤلاء النفر من المشركين ووعيدهم ، بل هددهم بأن يستنفد ما في وسعه في قتالهم ، وكان شجاعاً صادق التوكل أيضاً حين نزل على كل ما يملك من المال في سبيل أن يسلم له دينه ، وتتم له هجرته ، وفي غمرة ذلك كله كان مثال الوفاء حين عاهدهم ودلهم ، وهم المشركون ـ فرجعوا بكل جشعهم وخيلائهم وأخذوا ماله .

ولكن الله الذي لا يضيع عنده مثقال ذرة أنزل فيه وفي أمثاله قرآناً يتلى حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يثني على صنع صهيب فيما بذل من الدنيا ابتغاء الآخرة وطلباً لرضوان الله ويزف إليه تلك البشرى العظيمة بقوله : ربح البيع ، ونزلت الآية الكريمة : [من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد] لتظل عنوان الكرامة والقبول فسبحان المنعم المفضل .

ولقد كان هذا الصحابي الجليل ـ والحمد لله ـ جديراً بهذه المكرمة ، فقد ثبت على طريق الحق وأسهم أيما إسهام في بناء المجتمع الذي اتسم بالإيمان والتكافل والنظام ، ولم يتخلف يوماً واحداً عن كل ما هو بذل وعطاء في ساحة المكرمات . قال رضي الله عنه : لم يشهد رسول الله مشهداً قط إلا كنت حاضره ، ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضرها ، ولم يسير سرية قط إلا كنت حاضرها ولا غزا غزاة قط إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله ، وما خافوا أمامهم قط إلا كنت أمامهم ، ولا ما وراءهم إلا كنت وراءهم ، وما جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين العدو قط حتى توفي .

مات صهيب سنة ثمان وثلاثين أو سبع وثلاثين للهجرة . رحمه الله وأعلى مقامه في الآخرين ، ورزقنا حسن التأسي ، فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى حسن التأسي بهؤلاء الرجال ، وعلى الله قصد السبيل .

 

 

الدكتور محمد أديب الصالح

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: