“دور التاريخ في بناء المستقبل”    بــقــلــم أمـــانــي الشــرعــبــي

 

إن مقولة “التاريخ يعيد نفسه” لها قدر محترم من الصحة و لكن التاريخ لا يعاد لمجرد أنه أحداث تاريخية بل لأن الأسباب العميقة و المباشرة لحدث تاريخي أحيطت بنفس الظروف أو متشابهة في و جه من الوجوه كالظروف الجغرافية أو الأنظمة السياسية أو حتى السمات الإجتماعية..

فإلى أي مدى يمكننا الإستفادة من التجارب السابقة؟

يقال أنه من لا يملك تاريخا ليس له حاضرا و لن يكون له مستقبل لكن أن نملك تاريخا مخبئ تحت غبار الأرشيف أو منقوشا في جدران المتاحف لن يكون له أيُ جَدْوى و لن نستقيد من أحداثه فأن يكون لنا حاضرا و أن نأمل في مستقبل مشرق لا بد أن نمحص في التاريخ و ندرسه دراسة علمية شاملة موضوعية و نغوص في جميع حيثياته فالتاريخ هو سلاحنا و وسيلتنا إلى بر الأمان و الأحداث لا تأتي معزولة فكل حدث له أسبابه و وسائله و أهدافه.

ولا شك أن التاريخ هو وقائع و حقائق تُحمل ناقلها مسؤولية و إلتزامات أخلاقية و إنسانية.  و هذا الواجب الأخلاقي و الإنساني يستدعي من صاحبها معاينة الأحداث معاينة شخصية مباشرة على أرض الواقع لعدم الوقوع في الملابسات و الإشاعات و المغالطات.

فالحقيقة و إن بدت للمتلقي أنها سهلة المنال و لكل شخص قدرة الكشف عنها فهي مادة نفيسة ليس من السهل الوصول إليها و لا يمكن لشخص غير فني أو متخصص أن يسرد أشياء إعتباطية و يدعي أنها وقائع فالبحث عن الحقيقة يخضع لشروط علمية دقيقة فلا يمكن البناء على آراء سائدة دون براهين و لا يمكن أن نتوخى منهجا ذاتيا فالموضوعية المطلقة هي المطلوبة للوصول للحقيقة.

و لا بد أن نعرج في هذا السياق عن دور الإعلام في صياغة التاريخ و نقل أحداثه و خاصة في عصرنا الراهن حيث شهدت وسائل الإعلام و الصحافة بجميع أنواعها تطورا حثيثا و بنسق متسارع كما تطورت تقنيات معالجة المعلومات فليس من الأمر المعجز أي يتم مغالطة المتلقي أو صياغة خبرٍ وهمِي أو التستر على جريمة معينة فالتقنيات العالية الجودة و المتطورة التي تعتمدها وسائل الإعلام تُعتمد في كثير من الأحيان للتظليل و أصبحت المصداقية و الشفافية سلع نادرة في “السوق الإعلامية”. بالتالي تصبح وسائل الإعلام في هذا الحالة طرفا مشارِكا في صناعة الإرهاب. و لعل الظروف المتأزمة حاليا في تونس و في بعض الأقطار العربية الأخرى تعد فرصة سانحة لبعض الجهات لخدمة مصالحها الشخصية بوسائل متاحة أو غير متاحة تصل في أحيانا كثيرة إلى الجرائم و تُبَرَرُ جرائمهم بتعلة مكافحة الإرهاب.

و هذا الأخير يدعنا نتساءل من الذي يحارب الإرهاب و من يصنعهُ؟

و في مسألة ضرورة دراسة التاريخ -خاصة منه القريب- ليتسنى لنا فهم الواقع شدتني شهادة أدلى بها ضابط سابق في القوات الخاصة للجيش الجزائري في كتابه “الحرب القذرة” حبيب سويدة و هي شهادة –أرى أنها هزت التاريخ و صدمت الكثيرين- بإعتبار أن التسليم المطلق للحقائق دون تمحيص في حيثياتها و أسبابها و غاياتها أمر ساذج و غير مقبول فقد كشف سويدية في كتابه عن كثير من المغالطات و التزوير و الجرائم و التجاوزات التي عاينها معاينة مباشرة من قلب المؤسسة العسكرية و قد إشترك في هذه التجاوزات كل من الإعلام و السياسيون و بعض الجنرالات بالمؤسسة العسكرية التي أختُرِقت من قِبَلْ عصابات تتصف بالتعصب السلطوي فإعتمدت كل الوسائل المتاحة للمحافظة على مكانتها داخل السلطة فقتلت عديد الأبرياء من المدنيين و العسكرين الوطنيون الشرفاء و أبادت قرى و هجرت كل من عارضها و قامت بتصفية الإسلاميين من صفوفها بتعلة محاربة الإرهاب مما دفع العديد من الشباب –تزامنا مع تأزم أوضاعهم الإجتماعية و تفشي ظاهرة البطالة- إلى الإلتحاق بالجماعات الإسلامية الراديكالية التي تعتمد الكفاح المسلح ضد السلطة فالسؤال هنا هل أن المؤسسة العسكرية تحارب الإرهاب أم تصنعه؟

لقد ساهم تعقد الأحداث إلى التستر على جرائم عدة كان يقوم بها من يدعون مجابهة الإرهاب كما ساهم الإعلام في هذا التستر بتهويل ما تقوم بها أطراف في المقابل تزييف صورة الطرف المقابل و عدم الكشف عن جرائمه.

و عندما نعاين الوضع الراهن خاصة و أن تونس و الجزائر تشتركان في عديد الخصائص تدفعنا هذه الحقائق إلى عدم التسليم بالأحداث و ضرورة التمحيص في حيثياتها و دراستها من جميع الزوايا دون تغليب زاوية على أخرى.

كما لا يفوتنا أن نعرج على ما تقوم به عديد القنوات التلفازية و المواقع العربية في نقل للأوضاع المتأزمة في العراق و سوريا فهي تعرض في كثير من الأحيان جرائم ما يسمي بالدولة الإسلامية و تهويله في المقابل التستر على الجرائم التي تقوم بها ميليشيات الحشد الشيعي

و دائما بتعلة محاربة الإرهاب فنصبح بالتالي إزاء صراع في دائرة مغلقة بمأنه لا يوجد إطار أو هيكل حقوقي أو قانوني يحدد ماهية الجريمة و تطبيقه على مختلف الأطراف المتصارعة و يبقى المواطنون العزل هم من يدفعون الثمن غاليا.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: