دولة الوعود الكاذبة والمبادئ المؤقتة.. (مختـار الشيبانـي)

جاءت ثورة 17 ديسمبر في تونس بعبارات لم نكن كثيري الإعتماد عليها خصوصا في المجال السياسي، لكن مع مرور الوقت ومع التكرار المتعمد أصبحت هذه الكلمات متداولة بشكل رهيب. من هذه الكلمات كلمة “المؤقت” التي صارت تتردد على كل لسان وفي كل المنابر الإعلامية ولم نعد نسمع سوى عبارات الرئيس المؤقت والوزير المؤقت والحكومة المؤقتة كأن الباقين خالدون أو هكذا أرادوا إيهامنا.

هذه الكلمة لم تكن تستعمل في الماضي بسبب الإعتقاد أن الرئيس السابق بن علي دائم و نظامه لا يزال. لكن الغريب أنه بعد الثورة المغدورة أصبح كل شيء مؤقتا، ومن الوعود المؤقتة -التي لم نعد ننتظر تحقيقها لزوال الثقة في نخبنا وسياسيينا- مررنا إلى المبادئ المؤقتة التي تتغير حسب المصلحة والحاجة. فلا سياسي يتمسك بموقف ولا نقابات تصر على مبدأ ومجتمع مدني يتعامل مع القضايا حسب المصالح والإيديولوجيات.

المبادئ المؤقتة تباع في سوق التجارة السياسية في تونس ولا تحتكم لمبدأ العرض والطلب بل لمبدأ الإيديولوجيا والكرسي والمال. فمن نهضة حاكمة كانت تعادي النظام السابق و تعد بمحاكمته و ترى في حزب نداء تونس مرسكلا له و ممثلا عنه و تصفه بالخطر على تونس، ولم نستفق إلا على صفقة طبخت في باريس كتبها الشيخان ومبدأ بيع ليضيع فيها تحصين ثورة لا تزال تعاني أخطار النظام السابق و التحصين أقل ما يفعل لها لتجنب الذئاب الجائعة الملتفة بها. هذا القانون الذي كانت النهضة داعمة له وأصبحت أكبر معاديه. وصولا إلى حزب كان يسمى بالشيوعي فنزع الكلمة ومعها المبدأ ليتحالف مع القوى الرأسمالية ويضع يده في يد أحزاب تضم قيادات الحزب الحاكم السابق. ولم يختلف رجل التسعين السبسي في نسيان وعوده وإلتزامه بمغادرة السياسة بعد إيصال تونس لإنتخابات الثورة فغره المنصب وكون حزبا ذم قيادات وبقايا نظام بن علي بعد أن منحته الثورة فرصة تخفيف بعض الذنوب، لكن الطمع يعمي العيون و يقود في بعض الأحيان إلى الرئاسة المقعدة.

سياسيون لم يلتزموا بمبدأ ولا وعد ولا يختلف عنهم إتحاد شغل صار شريكا سياسيا يحكم بالإيديولوجيا ويرى في الإضرابات زمن حكم النهضة وسيلة ضغط ناجحة رغم ما كانت تعانيه الدولة وقتها، لكن زمن التكنوقراط صارت غير ذا جدوى وتضع العصى في عجلة الحكومة لا حرج في التخلي عنها. فلم نعد نرى تلك المئات من الإضرابات التي كنا نراها قبل مائة يوم من حكم مهدي جمعة ولا تلك البيانات المنددة بممارسات الحكومة أو الزيادات ورفع الدعم، بل أصبح كل ذلك من الماضي وللعامل رب يحميه ولا دخل للإتحاد فيه، ولأمي مباركة قيل : ما يفعله مهدي جمعة عسل على عسل.

أما مجتمعهم المدني فحدث ولا حرج فبعد أن كنا نرى المظاهرات والتظاهرات المناوئة للحكومة، لم نعد نسمع منه سوى بيانات المساندة لجمعة ووزيرته كربول حتى عند إستقبال الصهاينة على أرضنا، هذا دون الحديث عن التعامل الإيديولجي المقرف مع القضايا فالمرأة المنقبة لا تستوي في الحقوق مع غيرها عندهم والملتحي لا نخرج للدفاع عنه لأنه متهم إلى أن تثبت لحيته، فعرفنا معهم أن الإيديولوجيا بلية وأن المال السياسي الفاسد يضحك أفواه الأموات.

مختار الشيباني 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: