ذكرى ثورة 17 ديسمبر2010 بقلم محمد هنيد

اليوم تُحيي الثورة المضادة والدولة العميقة الذكرى الرابعة لهروب زعيمها التاريخي “بن علي” في مناسبة رمزية هامة من تاريخ تونس الحديث وهو 14 يناير / جانفي 2011.

اللافت للنظر في هذه الذكرى وهذا الاحتفال هو حجم التزيف الذي يطال هذه المناسبة التاريخية بالسطو على الزمان مدخلا للسطو على المكان وعلى المنجز الجماهيري والثوري جملة.

فالصراع في تونس لم يستكن لحظة بين جناح يرفع شعار ثورة 17 ديسمبر وجناح يرفع شعار ثورة 14 جانفي وهو صراع إعلامي ثقافي تأريخي في سطحه لكنه في عمقه صراع جهوي سياسي بالدرجة الأولى حول عيد ميلاد الثورة.
هو صراع يتجاوز المصطلحات والتسميات للسطو على الشرعية بإعتبارها مدخلا للنفوذ وللسلطة السياسية لأن كلا التسميتين تحيلان في الحقيقة إلى مسمى واحد.

ثورة 17 ديسمبر 2010 هي ثورة الهامش بإمتياز لأنها كانت حركة جماهيرية عفوية قام بها المسحوقون والمهمشون من العاطلين عن العمل منذ عشرات السنين في أرياف الشمال الغربي وقراه الفقيرة وهو ما لم ينجزه غيرهم من المفقرين في الهامش التونسي الكبير.

هؤلاء حققوا ما عجزت عنه كل النخب التونسية والعربية وهو إسقاط رأس النظام الاستبدادي في فترة قصيرة من الزمن. هاته العملية تمت يوم أشعل الشهيد محمد البوعزيزي جسده في قمة الإحساس بالاحتقار والإهانة “النار ولا العار” أو هكذا همست له نفسه.
البوعزيزي في حركته الرمزية هاته لم يفجر نفسه ولا انتقم من دولة البوليس ولا أشهر سلاحا أو تسلق جبلا ولم يمارس عنفا على أحد بل اعتبر أن وجوده لا قيمة له فثأر لنفسه بنفسه ومن نفسه في حركة  انفعالية لاواعية لا تستقيم معها كل آليات التحليل الموضوعي.

انتشرت الحركة الاحتجاجية في قرى الشمال الغربي كلها دون أن تخرج عنه مدة تزيد عن نصف شهر هي بحساب الصمود أمام بوليس “بن على” وعصاباته الإجرامية دهر من الزمن بعدها انتشرت الحركة نحو مدينة صفاقس ثم العاصمة ثم هرب “بن على”.

النخب التونسية وإعلام الدولة العميقة يسعى اليوم في سياقه الانقلابي إلى ترسيخ تاريخ 14 جانفي وهو تاريخ هروب بن علي وليس تاريخ الثورة لأن كل الثورات تؤرخ ببدايتها مثل ثورة 24 يناير المصرية أو ثورة 17 فبراير الليبية فلماذا تؤرخ الثورة التونسية بنهايتها ؟ الهدف من الانقلاب على تاريخ ميلاد الثورة هو سطو على المكان لأن ثورة 14 جانفي هي ثورة نخب شارع الحبيب بورقيبة أمام وزارة الداخلية مركز التعذيب الأول في تونس في عهد بن علي ومن قبله بورقيبة.

والاعتراف بها هو سطو على ثورة الفقراء والمهمشين في مدن الشمال الغربي وقراه الفقيرة في ولايات سيدي بوزيد والقصرين وجندوبة وسليانة وغيرها وهو كذلك سحب للثورة من الهامش نحو المركز ومن الفقراء نحو نخب الشمال أي نخب المركز التي تملك السلطة والثروة والنفوذ.

كيف يمكن أن تقبل نخب المركز بتعاليها واحتقارها للهامش خاصة تلك النخب المرتبطة بالطبقة الحاكمة وبرجال المال والأعمال من أباطرة النهب والسطو المنظم كيف لها أن تقبل بثورة المنبوذين و بثورة القاع.

السطو على الزمان هو سطو على المكان في الحقيقة وهو سطو على الثورة نفسها وعلى مكتسباتها السياسية فالجميع صار اليوم ناطقا باسم الثورة مدافعا عنها خاصة وأن كل النخب التونسية السياسية منها كانت غائبة تماما عن الثورة ولم تقدم شهيدا واحدا مما قدمه أبناء الطبقات الفقيرة من المنبوذين والمحتقرين والفقراء.

ثورة الشباب سقطت في يد العجائز وفي يد دهاة النخب السياسية التونسية من المرتزقة ونخاسي النضال وهي نخب كانت خارج البلاد أو في حضن بن على الدافئ الذي عرف كيف يطوّعها لخدمته قبل أن تعصف به ثورة الهامش مطالبة بالحرية وخاصة بالكرامة وإنهاء الاحتقار وإسقاط مبدأ “المواطنون العبيد”.

صراع المركز والهامش ليس جديدا في تونس وفي المنطقة العربية ككل لأنه نشأ مصاحبا لما سمي زورا بدولة الاستقلال أو الدولة الوطنية التي لم تخلف غير الخراب والدمار.

دولة الاستقلال في تونس أو الدولة المابعد استعمارية التي أثبتت حصيلة ما يزيد عن نصف قرن من خروج المستعمر عن زيفها هي دولة مركزية بإمتياز لأنها رسخت سياسة التمييز الجهوي التي صنعها الاستعمار معتمدا في ذلك حجم المقاومة التي لقيها من السكان المحليين.

أي أن المناطق التي قاومت بشراسة كبيرة سطوة المركز وسيطرة المستعمر هي المناطق التي تم تهميشها وإقصاؤها من المنوال التنموي على تعاسته. خذ مثلا منطقة الشمال الغربي أو مناطق الجنوب التونسي التي بقيت تقاوم إلى ما بعد إعلان الاستقلال وإثر مذبحة بنزرت الشهيرة.هذه المناطق ما زلت إلى اليوم تفتقر إلى أبسط مقومات الوجود من ماء وكهرباء بل إن الأرياف النائية والقرى القصيّة لا تكاد تُذكر على الخريطة الوطنية.

الأدهى والأمر من كل ذلك هو أن هذه المناطق هي مناطق الثروة الحقيقية في البلاد سواء الثورات الأحفورية من نفط وغاز وفسفاط أو من الثروات الفلاحية من زيت وقمح وتمور وغيرها من الثروات الفلاحية.

نتائج الانتخابات الأخيرة أفرزت واحدة من أكثر النتائج رعبا وهي انقسام البلاد الواضح بين الشمال والجنوب في توزيع لا يخفى على أبسط الملاحظين. هذا الانقسام الحاد بين مناطق الفقر وبين المناطق المرفهة والتي دعمتها الخطط التنموية لدولة الاستعمار بالوكالة خلال الفترة الأولى إلى حدود الانقلاب الطبي لبن على ثم إلى حدود هروب الطاغية هو أكبر المخاطر التي تهدد وحدة البلاد.

هذه الكارثة القومية ستكون الخطر القادم ما لم تسارع السلطة السياسية إلى ردم هذا الشرح وإلى توزيع أعدل للثروات وللمشاريع التنموية فمن العار اليوم أن لا يكون لما يزيد عن نصف السكان مركّب جامعي واحد في الجنوب الشرقي أو في الشمال الغربي.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: