رسالة غير عادية من طالب الى وزير التعليم العالي

بعث طالب برسالة غير عادية بالمرة الى السيد وزير التعليم العالي ،تحت عنوان “أريد فقط أن تبتعد عن شمسي” وهذا نصها :
عتبة وزارة التعليم العالي – تونس
في 23 سبتمبر 2013
إلى السّيد وزير التعليم العالي و البحث العلمي و التكنولوجيا
الموضوع: أريد فقط .. أن تبتعد عن شمسي
“ســــلامـــًــا”..
أمّا بعد،
حين يغدو الأمل أقسى ضروب التسوّل وتصبح شحّاذا يتوسّل من الدولة حقا من حقوقه الطبيعية يصبح وجودك كلّه مدعاةً للشفقة والضحك في آن.
أضحك كثيرا و أتألّم كثيرا حين أقرأ صيغ المطالب المقدّمة للمسؤولين. تلك الصّيغ الرّكيكة والمنافية للحياء التي حوّلت المواطن من مُطالِبٍ بحقّه في شروط الحياة الدنيا إلى شحّاذ على عتبات مؤسّسات التسوّل الرسميّ. فقد تنتظرون أن أكتب مثلا:
مطلب عودة بعد انقطاع.
إنّي الممضي أسفله مهدي الغانمي صاحب بطاقة التعريف الوطنية عـــــــــــــ 08943622ـــدد و الصّادرة في 18 فيفري 2013 بتونس و المرسّم بالسنة الأولى من شعبة السينما: تقنيات السمعي البصري بالمعهد العالي لفنون الملتيميديا بمنّوبة للسنة الجامعية 2007/2008، انقطعت عن الدراسة منذ السّنة الجامعية 2008/2009 بسبب الظّروف الاجتماعية القاهرة التي انتشلتني من مقاعد الدراسة وألقت بي في حضائر البناء حتّى أوفّر لي ولعائلتي الشرط الأساسيّ الذي يجعل الكائن- بغض النظر عن نوعه- مستمرا في الحياة.
أتقدم إليكم بطلب تمكيني من فرصة ثانية للعودة إلى مقاعد الجامعة و أرجو أن تنظروا إلى مطلبي هذا بعين القبول..
مع جزيل الشكر وفائق الاحترام .
الإمضاء
… سيدي الوزير، تمعّن في الصّياغة جيدا. ألا ترى الذّل يقطر من حروفها؟ ألا تطالعك العبودية وهي ترزح تحت أرقامها؟ إذن دعك من هذا، ولا تنتظر منّي أمرا مماثلا.
سأكتفي فقط بأن أطرح عليك بعض الأسئلة (باعتبارك مسؤولا).
لقد أصدرت بجرّة قلم واحدة وبإمضاء لم يستغرق أكثر من ثانيتيْن منشورا يمنع الطلبة المستوفين حقّهم في الترسيم من العودة إلى الدراسة.
فهل فكّرت لثانية واحدة قبل الثانيتيْن في الأسباب التي دفعتهم إلى الانقطاع؟
إنّ أولئك الطلبة الذين ينقطعون عن الدراسة و يضطرّون إلى الانتقال من مدارج الكلّيات إلى حضائر البناء (المرمّة) والانتصاب لبيع السجائر و بيع السلع المهرّبة و المعدنوس .. -هذا ليس حكرا عليك سيدي الوزير- هم الطلبة أنفسهم الذين “وفرت” لهم الدولة مبيتات أشبه بالسجون ومعتقلات التعذيب، الطلبة أنفسُهم الذين لا يتمتعون بمجانية النقل و لا مجانية الدخول للمتاحف و التظاهرات الفنية، الطلبة الذين ينزحون من الدواخل ليتشرّدوا في المدن الكبرى لأن المنحة الجامعية لا تغطي حتى مصاريف أكل كلب محترم من كلاب الأحياء الراقية. أولئك الطلبة لا يطلبون غير ركن قصيّ في قاعة درس في الجامعة، لا يطلبون سوى فرصة ثانية لإعادة بناء حياتهم المحطّمة أصلا.
ألم تفكر لحظة واحدة في مصيرهم بعد أن اتخذت قرارك؟
أم أنك لا تجد مقتطعا من وقتك الثمين لكي تفكّر؟
تخيّل للحظة أيّ حياة يمكن أن يعيشها طالب تحطّمت آماله بمجرد جرّة قلم غير مسؤول (ومن البداهة أنّ القلم لا يشعر ولا يفكّر) من “مسؤول” سامي في الدولة:
1- مثلا، قد يلقي بنفسه في قارب من قوارب الموت حلما بالقارة العجوز حيث للذّل و الهوان وعدم الاحترام مقابلٌ محترم. قد يحالفه الحظ ويصبح “مواطنا” بالخارج وقد يغرق لتأكل جثته أسماك البحر الأبيض المتوسط.
2- قد يسقط مثلا في إدمان الخمر والمخدرات لينسى أحلامه المنهوبة وربما يتطور به الأمر ليصبح عضوا في عصابة تهريب أو سرقة إلخ إلخ. لن يفكر حينها في القوانين التي حطمت حياته وقد استوت الأضداد أمامه، لن يخيفه السجن، سيجازف فإما أن يصير كائنا بشريّا وإما أن ينتهي إلى زنزانة تأكل فيها الحشرات والفئران لحمه المشوّه بالندوب بعد أن أكل اليأس روحه.
3- قد يعتقد أن الله غاضب منه، لذلك تحطمت حياته. وللتكفير عن ذنوبه عليه أن ينخرط في مجموعة جهادية ويحاول أن يعوّض ما خسره في الدنيا ربحا للآخرة. حينها لن يمنعه أي وازع أو قانون من القيام بأعمال إرهابية. قد ينجح في إقامة إمارة لاستبدال القوانين التي ذبحته بقوانين أخرى يذبح بها وقد يأكل جسده الرصاص في مواجهة ما، بين “الشعانبي” و “قاسيون”.
4- قد يوظّف قدرته لخدمة أي جهاز مخابراتي أجنبي ويبيع هذا الوطن بحفنة من الدولارات، فإن حالفه الستر نجح في أن يكون “ممثلا” حكوميا تحت قميص هوليودي أو “مُـ..عارض” أزياء باريسي… وإن انفضح أمر خيانته أكلت الشعارات لحمه الرخيص ولا تستغرب الأمر فكثير من العملاء في هذه البلاد لم يتخطّوا السنة الأولى من التعليم الجامعيّ وتكفيك نظرة خاطفة على المشهد لتعرف لأيّ جهة يعملون.
أما بالنسبة إليّ فلا يعنيني هذا كلّه.. فقط أتذكّر في هذه اللحظة قصة ديوجين -ذلك الفيلسوف الذي قضّى حياته مُهمّشا يسكن برميلا- حين أتاه الإسكندر الأكبر ملك العالم و عرض عليه أن يمنحه كلّ ما يطلب، فأجابه ديوجين:
– إنك تقف أمامي و تحجب عنّي أشعة الشمس، لا أريد شيئا. فقط ابتعد عن شمسي.
قال الإسكندر المقدوني:
– لو لم أكن الإسكندر لتمنيت أن أكون ديوجين.
.. أنا أيضا لا أطلب منك شيئا ولا أرغب في إثارة اهتمامك أو في جعلك تتمنى أن تكون مثلي. أنا أطلب منك فقط أن تبتعد عن شمسي.
لن أرمي بنفسي في عرض البحر ولن أكون مجرما ولا إرهابيا ولا عميلا .. فقط سأكون ذلك الحالم بالشمس، وسوف أنفق في سبيل ذلك كل ما أملك من طاقة وحبر وأوراق. ولن يكون الظلم الذي تعرّضت له سوى دافع للحرية والانعتاق بعيدا عن كلّ الحسابات لأنّني سيّدي الوزير ببساطة ” لا آمل في شيء.. لا أخشى شيئا.. ، فأنا حرّ”. وهي الجملة التي طلب المفكر والمبدع اليوناني نيكوس كازنتزاكيس أن توضع على شاهدة قبره. إنها الحرية القصوى التي لا يمتلكها إلا أولئك الذين يحاولون دائما التحديق في وجه الشمس. أولئك الذين كابدوا من أجل تحقيق حريتهم وإنسانيتهم بالاحتجاج والتمرّد والفنّ والفكر في هذا العالم المتوحّش. أجل سيدي، أرغب أن أحدّثك عن 150 شاعرا من 47 دولة انتحروا في القرن العشرين. 150 شاعرا اختاروا الحرية حتى وإن كان الموت سبيلا إليها وعبّروا بأرقى أساليب العنف الرمزي وأكثرها إثارة عن احتجاجهم على الظّلم، لذلك نطقوا جملة ” أنا أموت إذن أنا موجود” بأكثر من عشرين لغة وبمائة وخمسين طريقة مختلفة من ماياكوفسكي إلى سيلفيا بلاث، من خليل حاوي إلى سيرغي يسينين. وكذلك فعل أكثر من روائي ومسرحي وعالم وثائر من سقراط إلى الحلاج مرورا بجان دارك وصولا إلى هيمنغواي، وفعلها في تونس شاعر آخر في بداية القرن الحادي و العشرين وهو محمد البوعزيزي الذي جعلك سيّدي الوزير- بقصيدة واحدة عنوانها الكرامة أوالموت- تخرج من سجنك لتجلس في مكتبك الفاخر والمكيف. كلهم ماتوا، ولكنهم نجحوا بعد موتهم “في تحويل غيابهم إلى زلزال” على حد عبارة سليم بركات. وطبعا أنت تعرف أن أخطر ما يكتبه الإنسان لا يكتبه بالحبر بل بدمه. إن من يضع أمام عينيه السجن والموت ضريبةً لتحقيق إنسانيته لن يمنعه أي حاجز من الوصول إلى ذلك. التحديق في وجه الشمس أمر صعب حقا على أولئك الذين تعوّدوا الاسترخاء في قصورهم الفخمة، ولكنه أمر هيّن بالنسبة إلى الذين قضوا سنوات حياتهم تحت أشعتها حتى غدت أرواحهم موشومة بلهبِها أو الذين قضوا أغلب وقتهم في مطاردتها في الكتب واللوحات و الأغاني..
حين تتحول الكتابة بالحبر إلى وسيلة غير مجدية للتعبير عن محنة الوجود الإنساني، يجب أن نكتب بدمائنا لأن “ما يكتب بالدم لا يقرأ فقط بل يُحفظ عن ظهر قلب” كما يقول فريدريك نيتشه.
لذلك كله وغيره كثير، أطلب منك أن تبتعد عن شمسي، ها أنا الآن أكتب بالحبر، وقد أضطر يوما للكتابة بدمي على الجدران وأرصفة الشوارع.
وفي النهاية أقول لإخوتي الطلبة الذين حُرموا من حقهم في الدراسة:
“إذا متّ فاتركوا الشّرفة مفتوحة” /غارسيا لوركا.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: