“رسالة من صحفي شاب لم ينتخبك” بقلم وسيم السبيعي

مثلي كثيرون، ممّن آمنوا بالعملية الديمقراطية كسبيل لتتويج نضالات أجيال متعاقبة، أجيال حلمت بتونس  حرّة، تملك قرارها بيدها لتكون لحظة تحبير الإصبع موعدا مع الكرامة وتجسيدا للمواطنة بعد أن كانت هذه القيم مجرّد شعارات جوفاء يلقيها علينا المسؤولون في المناسبات وكلّما اقتضت الحاجة لإعطائنا جرعة من البلاهة المسكّنة.

سيّدي الرئيس، وكما أسلفت ذكرا بأنّ مثلي كثيرين، أحيطكم علما بأنّي لم أنتخبك ولي في ذلك دوافع عديدة لعلّ من أبرزها وبغضّ النظر عن انتمائي الإيديولوجي وقناعاتي السياسيّة، فإنّني كشابّ في العقد الثالث لم أتقبّل فكرة إعطاء صوتي لتسعيني فما يفرّق بيننا اجتماعيّا وثقافيّا أكثر ممّا نتقاطع فيه بأشواط كثيرة، إضافة إلى أنّني ممّن يشقون بذاكرة تأبى النسيان ولو طال الأمد، ولعلّك هنا فهمت قصدي.

كذلك بيني وبينك،سيدي الرئيس، ثأر يعود إلى فترة تولّيك رئاسة الحكومة لمّا أمرتم بفضّ اعتصام القصبة ( 2 )باستعمال القوّة العامّة لتبقى آثار اعتداء أعوان الداخليّة إلى يومنا هذا جليّة علي سواء بدنيّا أو نفسيّا، وفي هذه المسألة لي ثقة في إنصاف هيئة الحقيقة والكرامة لي وآمل أن لا تعطّل أعمالها أو أن تحاول حلّها كما صرّحتم منذ شهرين وكم أتمنّى أن تعود عن مثل هذه التصريحات.

لهذه الأسباب التي تعود لشخصك، لم أنتخبك، وسأضيف هنا أسبابا أخرى تعود أساسا للمحيطين بك ولدائرتك المقرّبة التي تراكمت زلاّتها وأخطاؤها تجاه خصومكم بانتهاج سياسة التخوين والتخويف ممّن يخالفكم الرأي، إضافة إلى نعت فئة كبيرة من الشعب التونسي بالجهل والغباء وأحيانا كثيرة بالإرهاب، اعتمادا على مبدأ من ليس معي فهو ضدّي، ولكم أن تعودوا إلى تدوينات ألفة يوسف ورجاء بن سلامة على سبيل الذكر لا الحصر لتتبيّنوا مدى جديّة مخاوفي من حاشية الرئيس ناهيك عمّا لمسناه من تهديد من حريّة وتبشير بالعودة إلى كثير من الممارسات التي خلناها ذهبت بذهاب النظام القديم، لكن صراحة، سيّدي الرئيس، وأنا أرى في حزبك الكثيرين ممّن لهم ارتباط بالمنظومة القديمة ينتابني خوف مبهم وتسيطر عليّ هواجس كثيرة، فحتّى إن تغاضيت عن الأسباب الشخصيّة التي دفعتني إلى عدم انتخابك فلا أخفيك أنّني لا أستطيع كبت تخوّفي من المحيطين بك لأنّك بطبيعة الحال لن تحكم وحدك وسيكون لك من المستشارين الكثيرون وسيكونون أعضادك في اتخاذ القرارات أو رسم السياسات، واعتبارا بأنّ “ما بالطبع لا يتغيّر” فلا أظنّ مثلا  من ا نتهج الإقصاء واتّسم خطابه بنزعة استئصاليّة سيتوب عن مثل هذه الممارسات ويا خيبة المسعى لو كانت حاشية الرئيس وبطانته على هذه الشاكلة.

وكما أسلفت لك في مستهلّ الحديث عن الإيمان بالقيم الديمقراطيّة، ونظرا لأنّ “الصندوق” اختارك بنسبة 55.5%  من مجموع الأصوات، أردت لفت نظركم إلى بعض النقاط أوّلها أنّ من اختاروك يمثّلون 15% من مجموع التونسيين لا غير !!! وأنّ عدد الأصوات التي رجّحت الكفّة بينكم وبين منافسكم لا تمثّل سوى 3% من الشعب التونسي، ولذلك ينتظرك عمل شاقّ لكي تثبت أنّك فعلا رئيسا لكلّ التونسيين سواء لمن صوّت ضدّك أو لمن لم يصوّت أصلا، أما النقطة الثانية فهي تذكيرك بأنّك قدّمت وعودا انتخابيّة لذلك نصيحتي لك، سيّدي الرئيس، أن تحاول بجهد تحقيقها، فعلى أساس هذه الوعود دخلت القصر وإن تنكّرت لها أو فشلت في تحقيقها أعدك، سيّدي الرئيس، أنّني سأكون في طليعة من سيطالبونك بالتنحّي، فلتحرص على أن تقابلنا بعد 100 يوم من تسلّمك الفعلي للسلطة بوجود مجسّمة، وإن أخفقت فأنصحك أن لا تحاول رمي فشلك على غيرك، فلا أظنّك لمّا تقدّمت للسباق الرئاسي كنت غافلا عن الصعوبات التي ستعترضك.

أمّا النقطة التي أعتبرها الأهمّ في هذه الرسالة، فهي أنّ المساس بمكتسبات الثورة وفي طليعتها الدستور والهيئات المنبثقة عنه خطّ أحمر، وأنّنا كشباب لن نفرّط تحت أيّ مسمّى في حريّتنا التي كلّفتنا دماء زكيّة لاستردادها، وبناء على ذلك هناك مجموعة من الممارسات أحذّركم من أن تنساقوا وراءها ولو زيّنتها بطانتكم ومن أبرزها استعمال مقاومة الإرهاب كتعلّة لانتهاك حقوق الإنسان أو تصفية الخصوم السياسيّين، أيضا اعتبار الجهات التي لم تصوّت لكم وعلى رأسها جنوبنا العزيز، جهات مارقة وجب معاقبتها باستثنائها من المشاريع التنمويّة، فكما تعلم وأعلم ويعلم جلّ التونسيّين أنّك رئيس الحزب الفائز في الانتخابات الرئاسيّة والذي سيشكّل أوّل حكومة في الجمهوريّة الثانية، لذلك حتّى أخطاء الحكومة المقبلة ستكون محسوبة عليك وأيّ تهميش لجهة من الجهات ستكون أنت المتّهم لا رئيس الحكومة، وآخر نصيحة مني لكم أن “تدع ما يضيرك إلى ما لا يضيرك” وأن تعلم أنّ العديد من المحيطين بكم لا يحضون بثقة الشعب التونسي، واعتبارا أنّك ستكون كما صرّحت، سيّدي الرئيس، رئيسا لكلّ التونسيين نريد طاقما يحظى “بالقبول” من عند أغلبيّة الشعب وكم أتمنّى أن أرى تمثيليّة كبيرة للشباب في طاقم عملكم.

ختاما، سيّدي الرئيس، لكم الاختيار بين “دعه يعمل دعه يمرّ” وبين “إن عدتم عندنا”، وأحيطكم علما بأنّه يوم  كتابة هذا المقال يرمى أوّل سجين رأي في الجمهوريّة الثانية المدوّن ياسين العيّاري في السجن لمدّة ثلاث سنوات، وأذكّركم بأنّكم قطعتم وعدا بأنّه لن يتمّ الزجّ بأيّ صحفي في السجن في عهدكم.

وإلى اللقاء في رسالة أخرى، سيّدي الرئيس.

وسيم السبيعي

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: