رومانيا الثورة التونسية..بقلم مختار الشيباني

رومانيا الثورة التونسية

 

لا يزال التاريخ يذكر بشكل ساخر ماحدث في رومانيا إبان الثورة التي حصلت في هذا البلد وأطاحت برأس الرئيس الديكتاتور نيكولاي تشاوتشيسكو  والتخلص من النظام الشيوعي المافيوزي الذي كان يحكم البلاد. الثورة الرومانية التي إنطلقت بالإحتجاج في السادس عشر من ديسمبر 1989 وإستمرت لمدة أسبوع من خلال تجمع حشود كثيرة في ساحة أوبيريي في مدينة تيميشوارا وأدت إلى مقتل 1,104 شخص, بما فيهم الرئيس المخلوع وزوجتة إلينا إضافة إلى 162 شخص في المظاهرات ضد تشاوشينكو  فيما قتل البقية ضمن أعمال الشغب قبل الاستيلاء على السلطة بواسطة هيكل سياسي جديد، يسمى جبهة الخلاص الوطني… هذه الثورة سرعان ما انقلبت على نفسها وعاد النظام القديم لحكم رومانيا بفضل حكم رجال النظام القديم الذين قاموا  بتحجيم الثورة، وحصارها، وإطلاق العنان لفلول النظام البائد، فبدأ بالجيش، وعقد صفقات مع جنرالاته، ثم سيطر على الإعلام، وبينما انتفض الشباب المثقف في محاولة للدفاع عن الثورة من السرقة فإتهمهم النظام بالعملاء، والجواسيس، والعمالة للخارج، وتلقى التمويل من الجهات الخارجية، وحصولهم على الأجندات الأجنبية، ثم بدأ محاكماتهم، والتنكيل بكل من يعارضه، بحجة المرحلة الانتقالية، وأنه وحده القادر على توصيل رومانيا إلى بر الأمان. كل هذه العوامل أدت إلى نجاح الثورة المضادة في رومانيا التي إستخدمت وسائل الإعلام الحكومية بكثافة – والتي كانت ما تزال تحتكر الفضاء الإعلامي في البلاد – للمشاركة في الإنتخابات وتعبئة الناخبين والفوز بأغلبية مطلقة قاربت 70% لصالحها في أول برلمان روماني بعد الاستقلال. درس من التاريخ عن نهاية قصة ثورة حدثت في أوروبا أعاد التاريخ كتابة فصولها في القارة الإفريقية وفي تونس بالتحديد بعد الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي…   تونس لم تستفد من درس رومانيا فتمت رومنة الثورة التونسية وأصبحت تونس النسخة الثانية لثورة رومانيا…

ليس مبالغة أن نقول أن تونس أصبحت نسخة جديدة مما حصل في رومانيا فكل ما حدث في تونس إنطلاقا من  يوم الرابع عشر من جانفي تاريخ هروب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي يطابق بشكل يكاد يكون كليا ما حصل في رومانيا رغم بعض الإختلافات القليلة… ثورة تونس لم تسلم هي الأخرى من مؤمرات ازلام النظام السابق، فماكينة الفلول لم يهدأ لها بال منذ قرار وزير الداخلية السابق فرحات الراجحي بحل حزب التجمع… رجال الحزب الحاكم السابق ومن يوالونه من سياسيين وصحفيين ورجال أعمال تدرجوا في الرجوع إلى الساحة بطريقة شيطانية… فبعد أن اختفوا في الأشهر الأولى للثورة خوفا من ردة فعل الشعب المنتشي بثورته تأكدوا فيما بعد أن الشعب الذي صاح يوما ” خبز وماء وبن علي لا” لن يكون وفيا لشعاراته…بل تيقنوا أيضا أن التونسيين لن يتحملوا أوزار الثورة التي صنعوها وسيتنكرون بمجرد تحريك بعض قطع الدمى لدماء الشهداء…

توهم التونسيون أن قرار حل التجمع في البداية هو أفضل قرار للإنتقام ونسوا أن رجال الثورة المضادة يسيطرون بطريقة جهنمية على دواليب الدولة وأن عدم إجتثاثهم  ومحاسبتهم سيؤثر بمرور الوقت على الثورة وسيجعل فرص نجاح الثورة المضادة كبيرة… نجح مجرمو النظام السابق في  الهروب من المحاسبة وعمل مساندوهم على بث الفتنة في كل شبر من أرض تونس بتواطئ من سياسيين أعمتهم أحقادهم الإديولوجية وبسذاجة الشعب وجبن وتهاون حكومات الثورة… فأنتشرت في البداية النعرات الجهوية والعروشية في العديد من ولايات الجمهورية … ثم تحرك إتحاد الشغل لتأزيم الأمور وتحريك الإعتصامات و الإضرابات غير مبالي بالوضع الإقتصادي الكارثي الذي تعيشه تونس… وواصل إعلام النظام السابق ومرتزقته عملهم في إطلاق الإشاعات و الأكاذيب وتقزيم الثورة وإقناع التونسيين أن الثورة كانت وبالا عليهم وأن ما فعلوه بإزاحة نظام الدكتاتور خطأ يجب إصلاحه… كل ذلك إقترن بدخول تونس في مرحلة جديدة جاء معها الوافد الجديد ألا وهو شبح الإرهاب… فأصبحت تونس على شفا حفرة من النار  بعد تتالي العمليات الإرهابية وبشاعتها من عملية إلى أخرى… مسلسل الإرهاب تواصل ليضرب بقوة ويغتال رجلي السياسة في تونس شكري بلعيد ومحمد البراهمي… دخل التونسيون حينها في معادلة النظام السابق مقابل الأمن… فتحالف المناضلون السابقون مع رجال النظام السابق بقيادة الباجي قائد السبسي أملا في إسقاط حكم الترويكا… حشود في القصبة وأخرى في ساحة باردو زادت في لهيب التفرقة بين التونسيين فأصبح المشهد السياسي على صفيح ساخن … تواطىء المعارضة وتحالفها مع رجل التسعين ورئيس برلمان بن علي السابق السبسي قابله جبن وإنبطاح حكومة النهضة التي تخلت هي الأخرى عن مبادئها ودخلت في الحوار مع الازلام لإقتسام السلطة وعدم تكرار سيناريو التسعينات… نجح السبسي بعد تكوين نداء تونس في إرجاع التجمعيين للساحة وفي لم شمل المعارضة حوله وجلب رجال الأعمال لدعمه و إستعمل مرتزقة الإعلام لمساندته وأصبح حزبه واقعا مفروضا… فوقع التخلي عن قرار تحصين الثورة وقرار السن القصوى لمرشح الرئاسة من أجل عيون السبسي والتجمعيين… لتنجح ثورة الأزلام في إسقاط ثورة المهمشين… ويختتم المشهد الدرامي بإنتخابات تشريعية شهدت مشاركة الفلول وفوزهم على شاكلة فوز الفلول في رومانيا… مرحلة ما يسمى بالديمقراطية في تونس من منطلق أنها بلاد تؤم الجميع منح الفرصة لوزراء بن علي من تقديم ترشحاتهم للإنتخابات على غرار كمال مرجان وعبد الرحيم الزواري ومنذر الزنايدي الذي استقبل إستقبال الأبطال في مطار قرطاج… كل هذا وأكثر إحراز أسماء خلنا أنها اضمحلت على مقاعد في مجلس الشعب على غرار عبير موسى وعبادة الكافي …

وأدت ثورة المهمشين ونجحت الثورة المضادة وعاد الأزلام في التمركز من جديد في إنتظار ما ستقرره ضمائر  التونسيين في إنتخابات الرئاسة أو في الفصل الأخير من ملحمة الحرب ضد الجلادين… فهل سننتصر لثورة ألهمت الملايين أم سنقول مرحبا بكم في رومانيا القارة الإفريقية        …

مختار الشيباني

صحفي تونسي

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: