زخّات مــــزن واعــــدة… مقال الكاتب سامي بللّعج

تمادى الخريف ينثر أوراق سحبه فوق أديم بلاد أظلم ثراها ، و فوق تــيــنــك المزن تغدف الشّمس دوننا قـنـاع الغروب المستعجل ، فينقضّ قمر الأفول الموشك على صفحة مرآتنا المستوحشة للمحاكاة الأمينة .

و هذا الوابل من ثرثرتهم يهطل على مسامعنا الميّالة لشفط هذيذهم العاتي ، و ليس من يدرأ عن أنباء الوطن ، ذاك الكمّ الهائل من فيضانات أودية اختلاقاتهم و طفوح سدود نكرانهم لتشبّثنا العاشق لهويّة الأقدمين و شرعة الصّادقين . سيول سوداء تغرق أحلامنا التّائقة للإنبلاج و بالوعات أقاويل تفيض بذاك الكمّ المروّع من براز المخيال المريض لفئة ناصبت ، إيمان المذهولين من حجم الهجمة ، كلّ ذاك الزّخم اللاّمحدود من إرباك الأكاذيب و مخاتلة الأقاويل . و الوطن قد استوحش سحنة هذا الخريف المستوطن في نفوس الّذين في أرواحهم عطب ، و ألفت نجوم المرحلة أفولها الدّائم ، فاسـتـتـرت من أعين الشكّ و ضحايا بادي الرّأي ، و خيّرت هجعة المجرّات الرّاقدة فوق سحب مغشّاة قد ألفت شعب أعشى حتّى أنس بها آماله فهو الكفيف و المهين و السّجين و الحشيش المعدّ لمحرقة حمّارة قيظ القيل و القال و كثرة الخوار ! و العجل مسبوك من حليّ شاشات تنثر علينا ، مع كلّ حفيف لأوراق الفصل المكتئب ، أخبار توأم ذهب أحدهما لملاقاة ربّه و انتبذ ثانيهما تعشّق السّامريّ المتفنّن في نقوش الكرسيّ الخالد بالأنظار المتملّقة . و كم من أنثى هوى قلبها لعواصف هذا الخريف المشارف على استنبات أسنان جديدة ، و استطلاع شعر أشقر جديد لا تعرف المطارف طريقا لإغواءه الطّاعن في زرقة السّماء .

كلّ السجّادات قد استحالت إلى وريقات صفر في مهبّ رياح هذا الفصل الواعد بخسوف الأصالة و الكانز لكسوف الهويّة ، فكم تبدو هذه الرزيّة موادّ خامّة طبيعيّة لمساحيق اللّواتي أعطين حليّ غوايتهنّ إلى صاهر ذهب خزينة البلاد بحديد كلّ ذاك الصّديد لقاهر نفس هذه البلاد . كلّ الغضب ، الّذي كان قد استوقد نار الأنوار و الّتي كانت قد استوضحت عتمة جبابرة الفرار ، قد تحوّل إلى رعود موؤودة في طمي الإسترذال و إلى بروق مدسوسة في النّسيان ، فلم يعد ثمّة غير الإستسلام و الخنوع المغلّف بالكتمان . فاستشاط قهر تلكم المزن الحاجبة لشمس ربيع الغفلة ، فأرسلت شواضها تجتثّ بها سيقان من خلناهم قد تيّمهم الثّبات ، و أحرقت ستر ثياب من كان ظنّنا فيهم استبدال الخرق البالية بملابس الحشمة الوالهة و أسمال الأجيال العاشقة لقداسة البراءة التّائهة في دغل كثيف من ميولات شعب رازح تحت عوارض أعراض مستعصية عن علاج الأطبّاء الفطاحل .

كم يبدو خريف بلدنا موغــل في العصيان ، و كم من نجمة هادية ، سقطت في النّسيان ، و كم من بدر تمام أهدوه لتكاثف سحب الإنتقاض على الجمال ، و كم من سحابة خريف ممطرة قد حبسوها في مأرب الحرمان ، فما ارتوت جموع هذا الزّمان و بقي القحط و العطش قدر هذا الجيل الموهوب لغزوات الإنزال لكلّ ذاك الكمّ الهائل من وكلاء الإستلاب و الإقتتال . لكنّه لا طقوس فصل قد دامت برغم حرص سادات الظّلام ، فانقشاع غمّة هذه الحالة المقيتة من خرفان مرعى الغوغاء ، سيليها حتما اجترار الإتّعاظ من أخطاء يفاعة السّجون و عطن الظّلام المدسوس في ذاكرة الرّموز ، و سيكون لغيث شتاء آت لا محالة ، كلّ وعود الكلأ المبثوث شراكة و مودّة و رحمة .. عبر فصل ربيعيّ متسلطن سيؤتي كلّ اصطبار و كظم غيظ و عفو مقدرة ، أكــــلــه ، و لو بعد دهــــر من الــتــألّــــب .

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: