زواج النكاح نصف الحقيقة أم استهام الضلال؟..بقلم عائدة بنكريم

كم هو خاطىء أن يصدر المرء حكماً، وهو يستند على أنصاف الحقائق. فكيف إذا اتكأ، كلياً أو يكاد، على استيهام الضلال!

  • بدأ ميشال فوكو، في السنتين الأخيرتين من حياته، يلقي محاضراته تحت عنوان (شجاعة الحقيقة)، مستنداً إلى مفهومها الأصليّ اليونانيّ: Parrêsia. يعني هذا المفهوم قول ما هو حقّ والصدقٌ في كلّ شيء. يتحدث فوكو، في سياق الفكر النيتشوي، عن إرادة للحقيقة همّها إقامة فصل بين ما يعتبر حقيقة، وبين ما يعتبر خطأ ووهما وضلالا. يؤكّد فوكو، عدم انفصال أو ابتعاد الحقيقة عن مجال الصراع، الذي يؤدي إلى الهيمنة والسيطرة، لأن الحقيقة ليست محايدة، ولا تنتظر من يتكلم باسمها، ومن يعمل على إخراجها إلى واضحة النهار، الحقيقة في الغالب، تتواطأ مع السلطة (سلطة الدولة، أو سلطة الإعلام، أو سلطة المال..) ، لأن كل واحدة تدافع عن الأخرى، وتبرز مشروعيتها وقيمتها. إذ أن الشك في الحقيقة يدفع السلطة إلى الخروج عن حيادها، وإثبات أحقية الحقيقة التي تم التساؤل حولها، والشك في السلطة تجعل الحقيقة تدافع عن قيمة السلطة التي بفضلها تبدو الأمور طبيعية وبديهية. الواقع (الحاضر) يتشكل من الصراعات والمصالح، ومن ثمة الهيمنة، والرغبة في التملك، ولا مجال للقفز على هذا الواقع من خلال إنشاء عوالم وهمية تقوم بتعويض العالم الواقعي، الضلال هو إستيهام عوالم تنتفي فيها الصراعات والمصالح. يبرز ، بشكل واضح، عالم الصراع والمصالح، في حاضرنا، في هذا التواطؤ بين السلطة والحقيقة في الحراك الذي تشهده بلدان الربيع العربي، الذي تدفّقت لحظاته الأولى مطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ليتحوّل إلى صراع بين هيمنة السلطة (الدولة، رجال المال، والإعلام المرئي والمسموع والمكتوب…) وخضوع العامة لسيادة الإشاعات، والكذب، والضلال. لتتحوّل الحقيقة شيئا قشيئا إلى مجرّد استيهام سياسوي- ديني، وتوظيف مباشر من أجل فرض كلّ طرف لهيمنته السياسية والاجتماعية. في هذا الإطار، نفهم هذا الكمّ الهائل من القضايا المهملة والتافهة (نكاح الجهاد، أنموذجا…)، والتي بحكم الضجيج التي تٌحْدِثه تظهر أنها “كبرى” و”أساسية”. فيتشتّت تفكير الخاصة، وينحرف اهتمام العامة على ما هو “أساسي”، ويبقى الوعي بالحاضر سطحيّا وهامشيا، ويفقد قدرة التركيز في عمق الأشياء والبحث في مكوّنات العالم الواقعي. فالحقيقة تُبِنى قطعة قطعة، وهي لا توجد في أجندات السياسيين ولا في خطابات الأئمّة ورؤساء الأحزاب. هي فقط تتشكّل تدريجيا بفهم الأسباب الواقعية التي ترفع من قيمة قضية ما دون أخرى. ومعرفة الشروط التي تمّ فيها التركيز على قضية ما دون أخرى. الحقيقة ليست معرفة محايدة وبعيدة عن مجال الصراع والمصالح، فهي تخضع لكل ما يتعلق بفن الحرب من إستراتيجية، وتكتيك، وسياسة، وبراغماتية، وديبلوماسية؛ فالحقيقة هي إشكالية نشأت عن تراشق بالسهام، وبالتالي عن صراع بين الخضوع و الهيمنة. فكيف يستطيع الفرد أن يحصّن عقله من هيمنة السلطة، ويبني ذاته بعيدا عن الصراعات والمصالح لكي يحقّق ذاتا راشدة ومستقلّة، غير خاضعة إلى قواعد أو أوامر أو مواعظ خارجية، ذاتا متحرّرة تبحث على إعطاء وجودها بعدا إبداعيا وجماليا. كيف يتمكّن الفرد من الاهتمام بذاته، والاعتناء بوجوده، لأن غايته الأساسية أن يقيم توازنا بينه وبين ذاته وهو الشرط للقيام بمهمّة الاستئمان. القيم والأخلاق التي ركّزت عليها الدعوة المحمّدية “إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق”، تبدأ بكسر الأصنام وتحرير الناس من العبودية والمساواة بين البشر. فالتقاء قوّة الإيمان بقوّة الواقع (الحاضر)، أنتج قوة جديدة وهي سلطة الذات، الراشدة – الناقدة- الشاملة (مبادئ روح الحداثة حسب الفيلسوف طه عبد الرحمن). فالسبيل إلى الحقيقة يبدأ برفض الخطأ والضلال (الرشاد)، والخيط بين الحق والباطل رفيعة جدّا ولا تدْرك بالاعتقاد والتسليم وإنّما بالعقل والشمولية. ولن نفهم شيئا من تاريخ الدعوة الإسلامية إذا ما اكتفينا بالتعامل معها على أنّها انتصار الحقّ والصدق على الخطأ والباطل، لأنّ القراءة الموضوعية للتراث السياسي الإسلامي أثبت منذ “السقيفة” إلى يوم “الإنقلاب” على حكم الأخوان بمصر، أنّ الحقيقة ليست واحدة وأنّها تتشكّل حسب نوعية الصراع والمصالح.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: